fbpx
حوادث

دراسة: برنامج “أخطر المجرمين” والصبار والخلفي والبرلمان (الحلقة الأخيرة)

 

كان يجدر بالوزير أن يعين لجنة من علماء الاجتماع والنفس لإعداد تقرير والتسلح به

 

منذ مدة غير قصيرة وبرنامج «أخطر المجرمين» يتعرض لسيل من الانتقادات، هي عبارة – في مجملها وتفصيلها – عن لغط لا يليق به إلا وضعه تحت عنوان: «غير جيب أفم ؤكول «. والحق، أن هذا اللغط السخيف كان يثير لدي بحرا من مشاعر الغضب والاستياء، لأنني كنت أدرك أن أصحابه سيلحقون بالبرنامج أذى كبيرا يصل إلى درجة الجريمة.

وزير الاتصال، الناطق الرسمي باسم الحكومة، لا يعلم أن كشف الحقائق لا يخلق لنا المشاكل، وإنما ينقذنا من الكسل ويروضنا على حلها مهما تنوعت وتعددت. فالبوليس يتحدى، وهذه هي مهمته ورسالته. وقد أوصله التحدي إلى صناعة ما يسمى” the profileres “. إن المجرمين دائما موجودون من أيام قابيل وهابيل، ودوافعهم معروفة: الانتقام، الطمع، الشذوذ الجنسي، السرقة، الشذوذ النفسي.  
  أين القضاء والأمن الوطني؟؟
الوزير بالغ المجاملة والمراعاة. وقد كان صديقي الراحل شمعون ليفي يحدثني دائما عن ألم يعصره جراء نقيصة مغربية تجعل وطننا يترنح دائما في دائرة التخلف، وهذه النقيصة هي «la complaisance»، وهي التي جعلت الوزير وبضعة برلمانيين يشكلون «حلف الفضول» للخوض لاغتصاب البرنامج. فلو كانوا رجال دولة حقيقيين، ولو كانت دولتنا دولة مؤسسات حقيقة، لتوجه البرلمانيون والوزير إلى من يهمهم الأمر بالدرجة الأولى وهما وزارة العدل، التي قرر وزيرها الأسبق عبد الواحد الراضي و وزيرها السابق الراحل محمد الناصري التعاون معنا (وكلاهما أعجبا بالبرنامج)، والإدارة العامة للأمن الوطني، التي رحب مديرها السابق الشرقي الضريس بشغف وبعده بوشعيب الرميل بإصرار بالبرنامج. إن هاتين المؤسستين هما المسؤولتان المباشرتان عن الأمن والسلم الاجتماعي، وعن حفظ الحقوق، وهما صاحبتا الاختصاص في الحكم على البرنامج.  وكان المفروض أن يتوجه لهما البرلمان والوزير ويطلب منهما الرأي في ما يقال عن البرنامج. ورأيهما لا يرد.
وأضعف الإيمان كان يجدر بالوزير أن يعين لجنة من علماء الاجتماع وعلماء النفس (جوج كافيين) لإعداد تقرير عن البرنامج والتسلح به، فإما يفحمنا فنعتذر ونوقف البرنامج، أو يفحم المتهافتين فينتهوا.
الوزير وأخلاقيات المهنة المفترى عليها
الوزير بالغ الثقة في إمكاناته الخطابية، لكنه مغرم بترديد لازمة «أخلاقيات المهنة» حتى أفرغها من معناها وجعلها كأنها «دمياطي أو علم فيه سبع بحور» وأذكره أن أخلاقيات المهنة هي أكثر شيء أعرفه، ودفاعا عنها كنت أتقلب في العمل وأدخل في العطالة أو أنزل في الدرجات، دون أن آسف على شيء. فماذا فعل هو وحزبه «صاحب نظرية المعارضة النقدية» (لا معنى لها في علم السياسة إلا  la complaisance) عندما تمرغت أخلاقيات المهنة في الوحل بتوقيف إصدار مجلة لوجورنال بسبب نشرها ل «رسالة الفقيه البصري»، التي تحدثت عن وجود توجه للتنسيق بين قيادات اتحادية والجنرال أوفقير لقلب نظام الملك الراحل الحسن الثاني؟ كان غطاء الهجوم الوحشي عليها وتوقيفها من طرف حكومة التناوب هو «أخلاقيات المهنة»، حيث قيل يومها «إن الصحافة الحقيقية والمسؤولة لا تنشر رسالة لم تتأكد أن الوقائع التي فيها حقيقية، وبالتالي كان من واجب لوجورنال أن تتحقق من الوقائع. ومادامت لم تقم به فقد ارتكبت جريمة من جرائم النشر وأخلت بالمبادئ المهنية والأخلاقية للصحافة». ولم يضجر وزراء اتحاديون من ترديد هذه الكذبة الظالمة في كل المنابر، على طريقة  وزير الإعلام النازي غوبلز، حتى صدقها الكثيرون. والحقيقة – سيدي الوزير المتيم بأخلاقيات المهنة – أنه لا وجود لهذا الواجب أو الشرط في هذه النازلة. ذلك أن مجلة لوجورنال لم تكن معنية أخلاقيا – وبالمطلق – بطبيعة الرسالة ومدى مصداقية ما جاء فيها. فكل قوانين العالم الديمقراطي تحتم في هذه النازلة أمرين اثنين فحسب:
– أن تكون الرسالة حقيقية وأصيلة لا ينكرها من نسبت إليه.
– أن  يكون مصدر الرسالة شخصية معروفة (الأمر يتعلق بقضية سياسية كبرى) يتوفر فيه عنصر العلاقة الوطيدة بمضمون الرسالة، بمعنى أن لديه علاقة قرب شديد بشخصياتها، وأنه طرف في ذلك السيناريو. وكمثال لا يمكن أن تكون الرسالة بقلمي أو قلم شخص بعيد عن القياديين الاتحاديين وتقوم الصحافة بنشرها.
أما فيما يتعلق بتقصي حقيقة ما جاء في الرسالة، والأخذ برأي القيادات الاتحادية أو المراقبين السياسيين أو المؤرخين فهو عمل صحفي آخر يمكن أن تقوم به المجلة (في نفس العدد أو في أعداد لاحقة) أو لا تقوم به نهائيا.
لقد كانت المحنة، التي تعرضت لها لوجورنال باسم «أخلاقيات المهنة»،ظلما فظيعا وبائسا. حركه موقف سياسي غاضب وخائف من المضاعفات، فكانت الحاجة إلى التحرك لوقف النزيف. ولما لم يكن ممكنا رفع دعوى على الفقيه البصري بتهمة التلفيق والكذب لأسباب تهم القيادات الاتحادية، جاء خيارهم الثاني « اتهموا المجلة واجعلوا التخريجة هي تهمة الكذب والتلفيق». وبالمناسبة أسرد قصة من القصص الشيقة للصحفي بوب وودوورد بصحيفة «واشنطن بوست» (صاحب قضية ووترغيت).
لقد اكتشف بالدليل أن ملك الأردن الراحل كان عميلا لوكالة الاستخبارات الأمريكية (كان لديه رقم التسجيل)، فذهب صحبة مديره بنجامين برادلي إلى البيت الأبيض لملاقاة الرئيس المنتخب – حينها – جيمي كارتر لاختبار مدى مصداقيته بحكم أن شعار حملته الانتخابية كان»لا أكاذيب على الشعب الأمريكي بعد الآن no more lies». في اللقاء أقر الرئيس بمصداقية الخبر وطلب منهما عدم نشره، «لأنه خبر خطير يمس مصالح الولايات المتحدة في مقتل. لكن الصحفيين أصرا على النشر مؤكدين أن من حق الشعب الأمريكي أن يعرف الحقيقة، وأن عدم نشر الخبر يمس واجب الصحافة في مقتل. فطلب منهما على الأقل أن لا ينشرا الخبر في ذلك الأسبوع، لأنه سيتوافق وزيارة مبرمجة سيقوم بها مستشاره في الأمن القومي زبيغينيف بريجنسكي إلى الأردن، فرفضا لأن «التوقيت تحدده الواشنطن بوست وليس البيت الأبيض». وبالفعل نزل الخبر وبريجنسكي  يصل إلى مطار عمان. (تصوروا الحرج الكبير الذي وقعت فيه واشنطن ومع ذلك لم تصب الصحيفة بأي خدش).
نعود لبلدنا وصحافتنا المسكينة، هل صرخ الوزير أمام مهزلة قضية لوجورنال عندما كان صحفيا دفاعا عن أخلاقيات المهنة؟
النهاية
أمام السيل العارم من اللغط السخيف والظالم الذي نزل على برنامج أخطر المجرمين وجدت الإدارة العامة (التي أحييها وأحيي رجالاتها على عظيم تعاونهم مع القناة الثانية) نفسها محرجة، فقررت وقف التعاون مع القناة الثانية في هذا الشأن في انتظار استجلاء الأمور. وعلى وزير الاتصال الوصي على التلفزيون العمومي أن يضع الإدارة العامة للأمن الوطني في الصورة. وأقول للوزير إن الذين يقولون اليوم أن الحياة أفضل بدون حقائق مؤلمة، يقومون بصنع الكوابيس لأبنائهم غدا.

بقلم: حسن الرميد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى