fbpx
الأولى

حديث الصباح: التسخير الثقافي… من يُسَخّر من؟ ولماذا؟

 

إنهم يقدسون حرية أفراد ولكنهم لا يتورعون عن تدنيس معتقدات شعوب

 

للفن رسالة سامية يسعى من خلالها المبدع إلى التعبير عن الإنسان تعبيرا صادقا؛ وهو، من خلال ذلك، يرى أنه يقدم خدمة جليلة للإنسانية في حاضرها ومستقبلها. ويعتبر الفنان والمفكر عندما تترجم إبداعاته إلى لغات أخرى، وتتفاعل معه الأقوام والأجناس بالإيجاب دليلا على أن رسالته قد وصلت، ويكون ذلك أعظم مكافأة له في حياته. أما الفن الرديء فيسخر لأغراض دنيئة تصب في اتجاه زرع الكراهية وإثارة الفتنة بين الأمم والشعوب، وترصد له الأموال الطائلة من لدن فئات من المتعصبين والمتطرفين لتسخير أشباه الفنانين والمثقفين الذين يلتقون مع تلك الأغراض الدنيئة ظنا منهم أنها تخدم أغراضهم الأخرى بكيفية أو بأخرى. لكنهم ليسوا في واقع الأمر سوى مرتزقة يجدون من يبرر عملهم باسم الفن والحرية الفردية تارة وحقوق الإنسان طورا، وبذلك يختلف التعبير الفني والثقافي عن التسخير الثقافي والفني.
رد الفعل: في الحادي عشر من شتنبر 2012 يتم الهجوم على القنصلية الأمريكية ببنغازي، ويؤدي إلى قتل أربعة أمريكيين بينهم السفير. وتتصاعد الاحتجاجات ضد السفارة الأمريكية في العديد من العواصم والمدن العربية والإسلامية، وتعمل أفغانستان ودول إسلامية أخرى على حجب خدمات يوتوب حتى تسحب شريط الفيديو من موقعها.
الفعل: فيلم يسيء إلى النبي (ص)، يعرض في القاعات الأمريكية من ساعتين، وشريط فيديو، في غاية الرداءة، من 13:51 دقيقة على موقع يوتوب.
يتصل الرئيس الأمريكي بليبيا ومصر، إثر رد الفعل، داعيا إلى مناقشة التعاون في المجال الأمني والقبض على المسؤولين عن الأحداث وتقديمهم للعدالة والضغط على مصر لاحترام التزاماتها المتعلقة بحماية الرعايا الأمريكيين، مع إشارة لطيفة وخفيفة من كلينتون تقول بموجبها: «سعى البعض إلى تبرير هذا التصرف على أنه رد فعل على مادة تؤجج المشاعر بثت على الإنترنيت»؟ و«أن أمريكا تدين أي مسعى متعمد للإساءة للمعتقدات الدينية للآخرين»؟ ولكنها لا تصادر حرية الأفراد؟
لا يمكن إلا أن يُستنكر رد الفعل، فهو سلوك انفعالي. إن استهداف القنصليات والسفارات عمل لا أساس له ومهما كانت المسوغات والمبررات، لكن ما هو موقفنا من الفعل في حد ذاته؟ وهل يكفي موقف «الإدانة»، أو ادعاء حرمة الأديان والمقدسات؟ أو حرية التعبير؟
هناك فرق كبير بين الفعل ورد الفعل. لن نقول إن البادئ أظلم، لأن ذلك سيسوغ رد الفعل، ولكننا نؤكد أن «براءة المسلمين» حلقة من سلسلة طالت واستطالت من الاستهداف المتعمد والمقصود ليس فقط للإسلام ولكن لمشاعرالعرب والمسلمين أيضا. فمدعم الفيلم هو نفسه الذي أقدم على حرق نسخ القرآن الكريم. وليس هو أول من أقدم على الإساءة إلى الرسول (ص). لقد سبقه كثيرون عبر أفلام ورسوم، وعبر وسم وتلويث مقابر المسلمين في أوربا. لكن المسألة لا تقف على حد الموقف من الإسلام، فإسرائيل، «الدولة الديموقراطية» تمارس الشيء نفسه ضد العرب في فلسطين، مسلمين ومسيحيين وعلمانيين. ولعل قيامها بتهجير المسيحيين الفلسطينيين حيث لم يبق منهم إلا واحد في المائة بدل ثماني عشرة بالمائة عام 1948 سوى دليل على ذلك. كما أن تلويث متطرفيها للكنائس الفلسطينية، وتغييرها لمعالم القدس، ليس سوى مسلسل من مشروع. وعندما نعرف أن مخرج الفيلم إسرائيلي أمريكي يتضح لنا أن هذا الاستهداف غير معزول عن رؤيات وتصورات وخلفيات بعيدة.

إن “الفن” يسخر هنا لخدمة السياسة. وما لا تقوم به السياسة الأمريكية والإسرائيلية بشكل مباشر، يضطلع به “الفيلم” و”الرسم” و”الوسم”، لخلق المزيد من ردود الفعل التي تتجاوز الاحتجاج إلى الهجوم على القنصليات والسفارات وإحراق العلم، فتراها أمريكا ذريعة لبعث مدمرتين قرب السواحل الليبية، ودعوة مصر إلى الالتزام بحماية “المصالح” الأمريكية، وإلى التعاون في المجال الأمني: أي التشدد في ممارسة القمع حيال الشارع الذي يتحرك ضد الأفعال التي يرتكبها المتطرفون الأمريكيون والإسرائيليون ومن يسير في فلكهم.
التسخير الفني والثقافي جزء من الصراع الذي تتبناه أمريكا، ويتقدم إلينا من خلال منظريها على أنه صراع بين حضارات، وهو في واقع الأمر صراع أمريكا، وأذنابها، وعلى رأسها إسرائيل، لفرض سياستها الاقتصادية (وليس “حضارتها”؟ ) على العالم. ولقد صار العالم العربي الإسلامي بؤرة وموئل هذا الصراع منذ سقوط الإمبراطورية الاشتراكية. وعندما يتم توقيت نشر “الشريط” على يوتوب في 11 شتنبر، فليس له من معنى غير تأكيد أن أمريكا لم تنس الحرب ضدها كما اعتبرت ذلك في حينه. وأن على الحكومات التي أعقبت الربيع العربي أن تدرك ألا شيء تغير، وعليها الاصطفاف إلى جانبها في وقف “ردود الفعل”، وما إرسال المدمرتين وادعاء فتح قنوات التعاون الأمني سوى تأكيد لذلك.
لا فرق بين التسخير الفني والثقافي الذي يقوم به أشباه الفنانين وبين صيغ القول الرسمية الأمريكية الآمرة تارة باحترام حقوق الإنسان أو ضبط النفس أو التهديد المباشر. إنها جميعا أفعال وأقوال تحمل دلالة واحدة: استفزاز المشاعر والأحاسيس الذي يولد ردود الفعل والذي يترك الجميع يرى أنه “إرهاب”، ويكون ذلك تعلة للتدخل عبر إحراج الدول العربية والإسلامية باتخاذ المواقف الصارمة ضد كل من تسول له نفسه المس بالمصلحة الأمريكية.
التسخير الثقافي ضد العروبة والإسلام يتأكد باستمرار من خلال ثلاثة أنواع: النوع الأول يضطلع به الأكاديميون والخبراء الذين تخصصوا في التراث العربي الإسلامي وثقافته، ويقدمون أبحاثا “علمية”؟ هدفها الإساءة لهذا التراث وتلك الثقافة. ويمكن اعتبار برنار لويس على رأس هؤلاء. ويُوجَّه عملهم هذا، بالدرجة الأولى، إلى مواطني الغرب وأمريكا لتكريس الصورة السلبية حول العروبة والإسلام وتبغيض كل من يريد الإقدام على الدخول في الإسلام في هذا الدين وتلك الثقافة.
أما النوع الثاني فيتمثل في فنانين ورسامين غير معترف بهم، ويسخرون لترجمة الصورة التي يكرسها الأكاديميون وتقديمها من خلال أفلام أو رسومات لتحقيق الغايات نفسها. ولما كانت أعمالهم توظف الوسائط الجماهيرية الرقمية يغدو التوجه بالأساس إلى المسلمين بهدف إثارة الفتنة وردود الفعل.
ونجد النوع الثالث من المسخرين، يتم من خلال عناصر من أصول عربية سواء كانوا يهودا أو مسيحيين أوعلمانيين ممن يحمل جنسيات أخرى، أو من يسير في فلكهم من داخل المجتمع العربي الإسلامي، ويضطلعون بالدور نفسه، متذرعين بالحماية الأمريكية والإسرائيلية والغربية لهم باسم حقوق الإنسان والأقليات والحرية الفردية وما شابه هذا من الدعاوى.
يلتقي كل هؤلاء المسخرين في استفزاز المشاعر وإثارة الفتنة بهدف تقديم المسلمين والإسلام على النحو الذي يريدون. إنهم جميعا يمارسون إرهابا، وباسمه يدَّعون محاربة الإرهاب. يدرجون إرهابهم في نطاق الحريات والحقوق والتقدم، ويعتبرون الإرهاب الآخر تخلفا وهمجية ووحشية. إنهم يقدسون حرية أفراد، ولكنهم لا يتورعون عن تدنيس معتقدات شعوب. أهذا هو “حوار الحضارات” أم أنه صراع “الحضارات”؟
لماذا لا يمارس هذا التسخير الثقافي والفني إلا من داخل أمريكا وإسرائيل؟ ألأنهما تمثلان حضارة القرن الواحد والعشرين؟ ولماذا لا يتم الاحتجاج إلا أمام السفارات الأمريكية والإسرائيلية؟ ألأنهما مستهدفتان من الهمجية؟
إيديولوجية الأقوى تمارس الفعل، بينما الأضعف تكتفي برد الفعل. فمتى يمكننا مواجهة الصراع ومعارك الوجود بكيفيات وصور أخرى تتعدى الاحتجاج والعنف ومهاجمة السفارات وإحراق الأعلام؟ لا جواب عندي غير: الإسلام الحضاري، وهو غير الإسلام “السياسي” كما تمارسه بعض النحل والملل. الإسلام الحضاري وطن للجميع، بلا مذهبية ولا عصبية ولا طائفية، تتعايش فيه  الأمم والشعوب التي خلقها الله للتعارف والتعاون من أجل سعادة الإنسان، بغض النظر عن الفروقات والتمايزات والألوان.

بقلم : سعيد يقطين, كاتب وناقد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق