الأولىمقالات الرأي

“بوليساريو” تواجه ماضيها الدموي

غالي ورفاقه لم يعودوا بمنأى عن مطالب الصحراويين بالقصاص والانتقام

بقلم: الفاضل الرقيبي

وجدت جبهة “بوليساريو” نفسها أمام ماضيها الدموي، الذي حاولت أن تسكته على مدى عقود، غير أنه انبعث بعنف من ذاكرة الضحايا الذين ضجت بأصواتهم الفضاءات الخاصة وصفحات التواصل الاجتماعي، بشكل لا تقوى قيادة الجبهة الانفصالية على قمعه أو إسكاته. لا تقدر “بوليساريو” على إسكات أصوات الضحايا، لأن أصحابها حملوا معهم جراحهم وآلامهم على مدى عقود، بما لم تعد تتحمله أجسادهم المنهكة.
آن أوان الحساب، فلا صمت بعد اليوم. هذا هو لسان حال المئات ممن نالهم بطش سيد أحمد لبيطل ورفاقه، الذين عاثوا في الأرض فسادا، وجعلوا من مخيمات تندوف أرضا لصنع ذاكرة الموت التي عادت لتحيا، وتعري وجه “بوليساريو” البشع. آن أوان الحساب، وذاك ما تخافه “بوليساريو”، مع ما تعيشه من أزمات توالت بسرعة على قيادة تتنازعها المصالح الفردية.
إبراهيم غالي ممنوع من أن تطأ قدماه أرض أوربا بعد أن برزت خديجتو الزبير، المرأة الصحراوية الحرة التي صدحت بصوتها، وأوصلت معاناتها لقضاة إسبانيا الذين أصدروا مذكرة توقيف في حق زعيم الانفصال. ورفاقه جميعا لم يعودوا في منأى عن مطالبات الصحراويين بالقصاص والانتقام. كل هؤلاء تاريخهم أسود، فقد قتلوا ونكلوا بأجساد أناس أبرياء عزل، واغتصبوا نساء صحراويات، وقتلوا أخريات وأجنتهن في بطونهن. كل هاته الفظاعات ارتكبها البشير مصطفى السيد، وسيد أحمد لبيطل وسالازار ولفريري وولد افريطيس وبوذريع وكريكاو والعشرات من قيادة “بوليساريو” ممن ضج ماضيهم ببشاعات تقشعر لها الأبدان وتنوء بحملها الجبال.
منظمة “فرانس ليبيرتي”، التي عرفت بدعمها للانفصاليين، كانت من بين المنظمات الدولية السباقة لفضح انتهاكاتهم، فقد أقرت بشكل صريح، في أحد تقاريرها، أن “هناك مراكز تعذيب وسجونا عديدة داخل مخيمات تندوف، ومن بينها سجن الرشيد… داخل هذا السجن، كان التعذيب ممنهجا. إلى حدود 1998، كانت “بوليساريو” تدفن ضحيتين أو ثلاث ضحايا كل ليلة جراء التعذيب”. ذاكرة الألم تفرض نفسها، حيث لم يجد الضحايا غير البوح والكلام عن ماضي التقتيل بصوت مرتفع، ودون خوف أو خنوع لسلطة القبيلة أو التنظيم أو الشعارات السياسية الخداعة.
يجمع الصحراويون على أن كل قاتل أو مغتصب يستحق أن يلاقي جزاءه. في طليعة الإجماع، برزت أصوات الأجيال الجديدة التي لم تكن تعرف عن القيادة إلا ما كانت تروجه أبواق دعايتها. غير أن من كانوا يقفون في صف قادة القتل الانفصاليين، ويدعون زورا وبهتانا أنهم مدافعون عن حقوق الإنسان، اختاروا الصمت على أن ينالهم غضب الضحايا، أو ينالهم غضب القيادة التي تربوا في كنفها. لكن صمتهم لا يعفيهم، بل هو دليل إدانة في حقهم. كيف يقدمون أنفسهم حماة للحقوق، وهم يصمتون عن أبشع الانتهاكات وأجسمها؟ النبش في ذاكرة العنف مستمر، وفضح ممارسات القيادة لا يزيدها إلا عزلة وانكسارا، مع تنامي موجات الغضب داخل مخيمات تندوف، أسابيع قليلة قبل مؤتمر دجنبر المقبل.
انكسارات “بوليساريو” الخارجية وجدت ما يغذيها داخل هذا الكيان الذي شاخت هياكله. هل كانت “بوليساريو” واهمة لدرجة لم تتوقع معها أن ما اقترفته أيدي قادتها، من قتل واغتصاب وتعذيب ضد الصحراويين، سيعود لينغص عليهم حياة الرفاهية التي بنوها من معاناة ضحايا الأمس واليوم؟
ذلك هو حال الاستبداد الذي صنعته الجزائر بين الصحراويين في مخيمات تندوف، لا يستفيق إلا وقد ثارت حوله أصوات الأحرار لتنسف تلك الهالة الجوفاء، التي لم يعد لها بريق في عيون سكان المخيمات.

اظهر المزيد

تعليق واحد

  1. Que vous attendez des traîtres qui ont vendu leurs âmes à leurs maîtres que tot ou tard ils rendront des comptes devant le peuple ainsi que leurs maîtres làches

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق