هل يولد "صديق المحكمة" في المغرب؟ ذ. كمال الهشومي* ليست قوة القضاء الدستوري في ما يصدره من قرارات فحسب، وإنما أيضا في قدرته على الإصغاء لمختلف التعبيرات القانونية والحقوقية التي يثيرها المجتمع حول القضايا الدستورية الكبرى. فكلما اتسعت دائرة النقاش الدستوري، وتعزز انفتاح المحكمة على الفكر القانوني والفقهي والحقوقي، كلما ارتفع منسوب الثقة في العدالة الدستورية، باعتبارها عدالة لا تغلق أبوابها أمام الاجتهاد، وإن كانت لا تخضع إلا للدستور والقانون. وفي هذا السياق، سجلت المحكمة الدستورية المغربية، لمناسبة النظر في القانون المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، سابقة تستحق الوقوف عندها، تمثلت في تسجيل مذكرة تقدمت بها المنظمة المغربية لحقوق الإنسان لدى كتابة الضبط بالمحكمة الدستورية، تتضمن ملاحظات قانونية ودستورية حول النص المعروض على رقابتها. قد تبدو هذه الواقعة، في ظاهرها، مجرد إجراء إداري بسيط، لكنها، في تقديري، تحمل دلالات دستورية عميقة، لأنها تفتح لأول مرة نقاشا حول العلاقة بين القضاء الدستوري والمجتمع المدني، وحدود مساهمة الفاعلين الحقوقيين والأكاديميين في إغناء الرقابة الدستورية، دون أن يتحولوا إلى أطراف في الخصومة الدستورية. ذلك أن دستور 2011، وإن كان قد حدد على سبيل الحصر الجهات المخول لها إحالة القوانين إلى المحكمة الدستورية، فإنه لم يتضمن أي مقتضى يمنع المحكمة من تلقي مذكرات أو دراسات أو آراء قانونية مقدمة من خارج أطراف الإحالة، كما أن القانون التنظيمي رقم 066.13 المتعلق بالمحكمة الدستورية لم ينص هو الآخر على منع هذا النوع من المذكرات، كما لم ينظمها أو يمنحها حجية قانونية أو مركزا إجرائيا محددا. وهنا تبرز قاعدة قانونية أصيلة في القانون العام، مؤداها أن المنع يحتاج إلى نص صريح، كما أن الإلزام يحتاج بدوره إلى نص صريح. فإذا لم يوجد نص يمنع المحكمة من تسجيل مثل هذه المذكرات، ولم يوجد في المقابل نص يفرض عليها الأخذ بها أو حتى الاطلاع عليها، فإن الأمر يظل داخلا في السلطة التقديرية للمحكمة في تدبير إجراءاتها الداخلية، بما لا يمس بمقتضيات الدستور أو بمراكز الأطراف الدستورية المحددة فيه. ومن ثم، فإن قبول كتابة الضبط تسجيل هذه المذكرة لا يعني إطلاقا الاعتراف لها بصفة قانونية في الخصومة الدستورية، ولا يجعلها مصدرا ملزما لاجتهاد المحكمة، ولا مرجعا قانونيا يفرض نفسه على القضاة الدستوريين، وإنما يعني، في أقصى درجاته، إمكانية اعتبارها وثيقة للاستئناس، يجوز للمحكمة أن تطلع عليها كما يجوز لها أن تستبعدها، دون أن يرتب ذلك أي أثر قانوني على مسار أو مضمون القرار. وهذا، في تقديري، يمثل تطورا محمودا في الثقافة الدستورية المغربية، لأنه ينقل النقاش الدستوري من فضائه المؤسساتي الضيق إلى فضائه المجتمعي الأوسع، ويؤكد أن حماية الدستور ليست مسؤولية القاضي الدستوري وحده، وإنما مسؤولية جماعية تساهم فيها الجامعة، والفقه، والمجتمع المدني، والهيآت المهنية، والباحثون، كل من موقعه، في إطار احترام الاختصاصات الدستورية للمحكمة. ولعل التجارب الدستورية المقارنة تقدم نماذج متقدمة في هذا الاتجاه. فقد عرفت المحكمة العليا بالولايات المتحدة منذ عقود نظام «صديق المحكمة «(Amicus Curiae)، الذي يسمح لجامعات وهيآت مهنية ومنظمات حقوقية وخبراء بتقديم مذكرات قانونية في القضايا ذات الأهمية العامة، بقصد مساعدة المحكمة على الإحاطة بمختلف الأبعاد القانونية والدستورية للقضية، دون أن يترتب عن ذلك اكتسابهم صفة الخصم أو الطرف في الدعوى. كما اعتمدت المحكمة الدستورية بجنوب إفريقيا، والمحكمة الدستورية الكولومبية، والمحكمة الأوربية لحقوق الإنسان، آليات مشابهة، انطلاقا من قناعة مفادها أن القاضي الدستوري، كلما اتسعت أمامه زوايا النظر، ازدادت جودة اجتهاده، مع احتفاظه الكامل باستقلاله في التقدير والحسم. ولا يعني استحضار هذه التجارب الدعوة إلى استنساخها حرفيا، لأن لكل نظام دستوري خصوصيته، وإنما المقصود إبراز أن الانفتاح المنظم على المجتمع المدني أصبح أحد ملامح العدالة الدستورية المعاصرة، متى تم داخل حدود القانون، ودون المساس بالطبيعة القضائية للمحكمة. ومن هذا المنطلق، فإن المبادرة التي قامت بها المنظمة المغربية لحقوق الإنسان تستحق التنويه من زاويتين متكاملتين. فمن جهة، تعكس وعيا متقدما بأهمية القضاء الدستوري باعتباره فضاء لحماية الحقوق والحريات، لا مجرد مؤسسة للفصل في النزاعات القانونية. ومن جهة ثانية، تؤكد أن المجتمع المدني المغربي بدأ يدرك أن الدفاع عن الحقوق لا يقتصر على الترافع أمام البرلمان أو الحكومة، وإنما يمتد أيضا إلى الإسهام في النقاش الدستوري كلما أتيحت الإمكانات القانونية لذلك. وبالموازاة مع ذلك، فإن قبول المحكمة الدستورية، ورئيسها، تسجيل هذه المذكرة، دون إقصاء شكلي، يعكس بدوره انفتاحا مؤسساتيا محمودا، لا يمس باستقلال القضاء الدستوري، بل يعزز صورته مؤسسة واثقة من نفسها، قادرة على الاستماع دون أن تتخلى عن استقلال قرارها، وقادرة على الاطلاع دون أن تتنازل عن احتكارها الدستوري للتفسير والحسم. إن المحكمة الدستورية لا تستمد شرعيتها من عدد المذكرات التي تتوصل بها، وإنما من سلامة اجتهادها واستقلال قضاتها. غير أن انفتاحها، في حدود ما يسمح به الدستور والقانون، على النقاش العلمي والحقوقي، يظل مؤشرا على نضج الدولة الدستورية، وعلى انتقالها من ثقافة الانغلاق إلى ثقافة الحوار المؤسساتي. حين يتكلم الدستور، فإنه يجعل من المحكمة الدستورية الحارس الأخير لسموه، لكنه لا يجعلها معزولة عن المجتمع الذي تحمي حقوقه وحرياته. فالاستماع لا ينتقص من استقلال القضاء، كما أن الاستئناس لا يمس بحجية القرار. بل إن العدالة الدستورية تزداد قوة كلما بقيت وفية للنص، ومنفتحة على الفكر، ومستقلة في الحكم. ولذلك، فإن المبادرة التي شهدها المغرب في هذه القضية قد لا تكون مجرد واقعة إجرائية عابرة، بل قد تؤسس، إذا أُحسن تأطيرها مستقبلا، لبداية تقليد دستوري جديد، يجعل من المجتمع المدني شريكا في ترسيخ الثقافة الدستورية، دون أن يزاحم القاضي الدستوري في وظيفته، أو يمس باحتكاره الأصيل للفصل في دستورية القوانين. وهذا هو الفارق بين المشاركة في بناء الثقافة الدستورية والمشاركة في صناعة القرار الدستوري؛ فالأولى مطلوبة، أما الثانية فتظل اختصاصا حصريا للمحكمة الدستورية. (*) أستاذ القانون الدستوري وعلم السياسة كلية الحقوق اكدال - الرباط