أفتى بشن الحرب على "الإخوان الملحدين" في تناغم مع شعار بنكيران "عفا الله عما سلف" لم يكن مفاجئا ما كتبه الفقيه الريسوني في حق العلمانيين، والأوصاف التي نعتهم بها في مقاله المنشور بجريدة «المساء» يوم 30 يوليوز الماضي، لأن الرجل لم يغير موقفه من هذه الفئة، كما لم يعدل قناعته والعقائد المتشددة التي يعتنقها منذ أمد بعيد، ذلك أن الريسوني لم يستوعب طبيعة اللحظة التاريخية التي يعيشها المغرب والتي يؤطرها دستور 2011 الذي صوتت لصالحه حركة التوحيد والإصلاح، فالدكتور الريسوني، وهو يفتي بالكفر ويحرض على الفتنة، لا يخرج عن أحد الاحتمالين: الأول: أن الريسوني ما زال يعيش أجواء الصراع حول مشروع خطة إدماج المرأة في التنمية والبيان الذي أصدره في موضوع إخراج أصحاب المشروع من دائرة الإيمان واتهامهم بالعمالة للصهيونية والتآمر على دين الإسلام ووحدة الأمة/الشعب. ولم يغير موقفه منذ تلك اللحظة التي تحالف فيها مع وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية السابق، المدغري، ضد التيار الحداثي/الديمقراطي. الثاني: أن الريسوني يعتقد أن وجود حزب العدالة والتنمية في رئاسة الحكومة يوفر له كل الحماية من أي متابعة قضائية على خلفية تهجمه أو تكفيره لخصوم الحزب الذين يتهمهم الحزب نفسه بعرقلة عمل الحكومة والتشويش عليها بإثارة معارك حول الحريات الفردية. والريسوني، في هذه الحالة، يتكامل في الأدوار ويتبادلها مع الحزب الذي - بحكم المسؤولية الحكومية - لا يستطيع إصدار فتاوى ضد خصومه الحداثيين، وهي المهمة التي تولاها الريسوني.وفي الحالتين معا، لا يجد الريسوني غضاضة في استعمال سلاح الدين لتصفية حسابات سياسية لم يستطع الحزب حسمها أو تدبيرها بالطرق الديمقراطية. لأجل هذا، كتب مشنعا بالتيار الحداثي «إذا كان عندنا شيعة يُقَدَّرون بمئات أو بضعة آلاف على الأكثر، فعندنا أضعاف أضعافهم من الملحدين، فلمَ تهتمون بالمد الشيعي ولا تهتمون بالمد الإلحادي؟! ثم إن الملحدين في بلدي خاصة لهم نفوذ وتغلغل في دواليب الدولة، ولهم سطوة في الإعلام وغيره». فالريسوني يرى أن الخطر الحقيقي الذي يهدد المغرب، شعبا ووطنا، هو خطر الإلحاد، ومن ثم يشرعن الحرب على «الملحدين» حيثما وجدوا. أما ما يتعلق بالفساد الذي ينخر اقتصاد المغرب ويهدد الوطن في أمنه واستقراره ومستقبل أبنائه، فلا يعيره الفقيه الريسوني أي أهمية. لهذا جعل شعاره «الإلحاد مقدم على الفساد»، فأفتى بشن الحرب على «الإخوان الملحدين» في تناغم مع شعار «عفا الله عما سلف» الذي رفعه بنكيران لصالح المفسدين. فاستقرار المغرب لا يهدده الذين نهبوا الملايير ورموا بملايين المواطنين في الدرك الأسفل من الفقر والعوز، وإنما التهديد مصدره شباب عشقوا الحرية وتغنوا بها. ولا شك أن الريسوني يهدف بهذا التحريض والتشنيع إلى شرعنة الاستبداد ومصادرة حقوق المواطنة التي يضمنها الدستور والمواثيق الدولية لكل المواطنين بغض النظر عن جنسهم ومعتقدهم. فالوطن، في اعتقاد الريسوني، لا يتسع إلا «للمسلمين»؛ أما غيرهم من المواطنين الذين لهم معتقد آخر، فلا مكان لهم في هذا الوطن. وهذا التصور ينسجم مع الاعتقاد السائد بين الإسلاميين جميعهم بأن رابطة الدين أولى من رابطة الوطن ، وأن الولاء يكون للدين دون الوطن. وبناء على هذا الاعتقاد، يُجرَّد المخالف في العقيدة أو من يحشره الإسلاميون، كرها، ضمن فئة "الملحدين" من كل حقوقه الطبيعية والسياسية؛ بحيث يٌهدر دمُه، كما يُحرم من الانخراط في سلك الوظيفة العمومية أو إدارة الشأن العام. فالدولة، حسب هذا التصور، ينبغي أن تكون مناصبها حكرا على "المؤمنين"، بمعنى أن مقياس التعيين في مناصب الدولة هو "الإيمان" وليس الكفاءة، الأمر الذي يقود بالضرورة إلى دولة دينية عنصرية لا دولة مدينة ديمقراطية. وهذا الاعتقاد يتقاسمه الريسوني وبنكيران، كل من موقعه الدعوي أو السياسي، ذلك أن بنكيران سبق له أن صرح لوكالة الأخبار الموريتانية المستقلة، في 25 يوليوز 2008، أن التيار العلماني يتحكم في الدولة (حزب العدالة والتنمية، هو كذلك جاء من حاجة حقيقية للشعب المغربي، وهي حاجة الهوية بعد أن تحكم التيار العلماني في القرار السياسي للأمة)، ما يفيد أن حزب العدالة والتنمية جاء لتحقيق غاية محددة تتمثل في تمكين الحزب من "القرار السياسي للأمة"، أي إسناد إدارة دواليب الدولة إلى الحزب وطرد الأطر "العلمانية" خارجها. إذن، فالعلمانيون لا وطن لهم ولا أمان على حياتهم وأعراضهم وممتلكاتهم. وليس غريبا أن يشدد الريسوني وحركته والحزب المنبثق منها على أن يكون الإسلام هو المصدر الأعلى للتشريع؛ لأن من شأن هذا المنحى أن يلزم الحكومة بوضع تشريعات تحد من الحريات الفردية والجماعية التي يراها فقهاء الحزب والحركة بأنها مخالفة أو مصادمة للشرع، وتلك هي الخطوة الأولى لإقامة الدولة الدينية التي سيصبح فيها الفقهاء ولاة على الحكام. حينها لن تتردد الحكومة الدينية في فرض "الجزية" على العلمانيين كأضعف الإيمان، إن لم يكن النفي أو القتل. والقناعة والعقيدة نفسها نجدها عند مرشد جماعة العدل والإحسان الذي توعّد غير الإسلاميين بالطرد من دواليب الدولة: "وبالجملة، فإن من أُعِدَّ لإدارة الدولة اللادينية، ورُبي تربية خلقية وفكرية ملائمة لطبيعتها، لا يصلح لشيء من أمر الدولة الإسلامية، فإنها (أي الدولة الإسلامية) تتطلب وتقتضي أن يكون كل أجزاء حياتها الاجتماعية، وجميع مقومات بنيتها الإدارية من الرعية والمنتخبين والنواب والموظفين والقضاة والحكام وقواد العساكر والوزراء والسفراء ونُظار مختلِفِ الدوائر والمصالح، من الطراز الخاص والمنهاج الفذ المبتكر". هذا هو المشروع الذي يحمله الإسلاميون ويسعون إلى فرضه على الشعب المغربي. بقلم : سعيد الكحل, أستاذ باحث