fbpx
بانوراما

عساكر لم ينصفوا: نيسكان: لا شيء يعوض يوما واحدا من “عجاج” الصحراء

عساكر لم ينصفوا 1

التحقوا بالقوات المسلحة الملكية وهم شباب، وأفنوا حياتهم بين كثبان الرمال وعلى الحدود، وعلى متن الحافلات التي تقلهم من الصحراء نحو مسقط رأسهم بين جبال أزيلال، من حين لآخر لزيارة أهاليهم، لكن قدرهم المهني انتهى بهم إلى الاحتجاج أمام البرلمان، بالنظر إلى تدهور أوضاعهم المالية والاجتماعية والصحية. كثيرون لم يحضروا لحظة ميلاد أطفالهم، وآخرون شربوا بولهم جراء عطش وحر الصحراء. حملوا السلاح للدفاع عن الوطن، وصبروا على الجوع ووحشة الصحراء وفراق الأبناء، لكن الوطن جازاهم بمعاشات لا تحفظ كرامتهم، حتى اضطر عدد منهم إلى العودة للحراسة أمام العمارات، لكن بعد أن اشتد عليهم الخناق، طرحوا السؤال، هل هكذا يكون جزاء التضحية من أجل الوطن؟

عصام الناصيري

ولجت الجيش سنة 1979، ووصلت إلى الصحراء في 1980. عشنا معاناة لا يمكن تصورها في الجيش، لكن لا يهمني الماضي، ولن أزايد على وطني، لأني دخلت الجيش وأنا متشبع بالقيم الوطنية، وقررت الالتحاق بالجنود، من أجل الدفاع عن ديني ووطني وملكي، ويشرفني أني دافعت وضحيت من أجل أقاليمنا الجنوبية، وبفضل الجنود تمكنا من استرجاع أراضينا بالقوة، وصبرنا على العطش والجوع، وحر الصحراء وبردها القارس.
عملت طيلة فترة الخدمة العسكرية في المناطق الجنوبية، وخاصة في الداخلة وتيشلة وفم دريكة، ودافعنا عنها بالغالي والنفيس، وكنا نواجه مشاكل كبيرة، خاصة في ما يتعلق بالماء. كانت المؤسسة العسكرية تزودنا بـ 25 لترا في خمسة أيام، وكنا نستعملها للشرب والطبخ والوضوء والاغتسال وغيرها، وهذا الواقع الذي أنقله لكم، لم أندم عليه، لأني ما زلت ثابتا على مبادئي، في الدفاع عن الوطن ومغربنا الحبيب، رغم ما عشناه من مآس حقيقية، لكن بالمقابل ليس من حق أحد أن يحرمنا من حقوقنا المشروعة، أو أن يحتقرنا ويبخس مجهودنا وتضحيتنا.
بالله عليكم، هل يكفي معاش ألفي درهم، لإعالة شخص واحد فقط؟ طبعا، الجواب سيكون لا، وما بالكم بمتقاعد متقدم في السن، ويعاني عشرات الأمراض، ويعيل أسرته وأطفاله، ولديه معاقون في حاجة إلى عناية صحية وأدوية، ومصاريف التنقل إلى مدن أخرى لتلقي العلاج، ومن هذا المنطلق قررنا الاحتجاج إلى حين تحقيق مطالبنا.
الشخص العادي، الذي لم ينخرط في الجيش ولم يعش مدة معينة في الصحراء، لن يعرف أبدا ماذا تعني حياة الصحراء، وحياة الجندية أيضا. أقسم لكم أن الدولة لن تعوضنا يوما واحدا من “عجاج” الصحراء، ولو منحتنا 10 آلاف درهم شهريا، وهناك بعض المشاهد التي لن ينفع معها التعويض، كيفما كان نوعه، خاصة صور الحرب والدم والموتى، التي تسكن ذاكرتنا، والتي لن تفارقنا إلا بعد موتنا.
لم أكن أزور عائلتي وزوجتي أحيانا، إلا بعد مرور سنة من الزمن أو أكثر، إذ كان لا يسمح لشخص بمغادرة مكانه إلا إذا توفر شخص آخر يعوضه، وفي بعض الأحيان يغيب بعض الجنود عن أهلهم فترات طويلة بسبب كثرة المهام وقلة الجنود.
كان التواصل مع الأسرة يتم عبر الرسائل، والتي لم تكن تصلنا إلا بعد مرور ثلاثة أشهر أو أكثر، وذلك من أجل تلقي أخبار العائلة والأطفال. هذه الأمور أصبحت من الماضي، لم أندم عليها، لأني آمنت بالدفاع عن ديني ووطني وملكي، لكن أن تهضم حقوقنا، ويمسنا الفقر والمرض و”الحكرة”، فلن نقبل بهذا الواقع، وسنناضل من أجل تغييره.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى