الطرامواي والقطار ملاذ الهاربين من الازدحام الخانق قبل أذان المغرب في الساعات الأولى من الصباح وقبل آذان المغرب، تتحول الدقائق القليلة التي، من المفترض، أنها تربط بين الرباط وسلا إلى جحيم، تتحول معه قنطرة الحسن الثاني، التي مر على انطلاق العمل بها سنة، إلى صراط حقيقي، يستلزم من السائقين وضع أعصابهم في "مجمد" وضبط محراره على درجات الحرارة الدنيا، فالأكيد أن الرحلة ستطول وتمتد من دقائق لا تتجاوز أصابع اليد في وقت مغاير، إلى ساعات، يرفع حدة التوتر بها حر الصيف وحلول شهر رمضان ، فتعلو أصوات المنبهات على طول مسارها، مصحوبة في الغالب بإشارات تنم عن عصبية السائقين والركاب الذين يبدون استعدادهم إلى صب جام غضبهم في أول فرصة متى أتيحت ومهما كانت دواعيها تافهة وبسيطة، يصرخون ويلعنون الملة والدين ويشتمون الأصول والفروع، فيما أكثرهم هدوءا وضبطا للنفس يراوغ بحثا عن منفذ ينقله إلى الضفة الأخرى مخلفا وراءه سمفونية من أصوات المنبهات.فرغم أن القنطرة أحدثت لتعويض أخرى تهالكت مع توالي السنين، وحتى تكون قادرة على استيعاب آلاف الوافدين من وإلى إحدى المدينتين، إلا أنها تظل عاجزة، بدهاليزها وممراتها المخصصة لكل اتجاه، عن تأمين حركة مرنة للعربات والحافلات التي تعبرها يوميا، سيما في أوقات الذروة: أوقات بداية ونهاية الدوام عند عموم الموظفين، علما أن جزءا لا يستهان به من مرتادي القنطرة (طلبة وعاملين وموظفين) هم حاليا في عطلة، فيما تتحول إلى "دواز"، يسمح بصعوبة بالغة بمرور إحدى العربات، كلما اقترب آذان المغرب. وفي حال تمكنت من عبور القنطرة، في اتجاه إحدى العدوتين، تنطلق جولة جديدة من سباق العربات، داخل شوارع المدينتين التي تشكو ضيقا لا يتوافق بأي حال من الأحوال مع العدد الكبير للمركبات التي تمر فيها، والتي تضطر، فضلا عن ذلك، إلى اقتسام الطريق مع باعة متجولين، يسارعون بدورهم إلى بلوغ مقاصدهم دون أن يكفوا عن الصياح، محاولين بيع ما أمكن من خضر أو فواكه، أو فطائر يكثر الإقبال عليها بحلول شهر الصيام.وحدهم من يختارون، الطرامواي أو حتى القطار، رغم ارتفاع ثمن تذكرته (6 و10 دراهم على التوالي)، مقارنة مع تعريفة الحافلات أو سيارات الأجرة التي لا تتجاوز أربعة دراهم، من بإمكانهم تنفس الصعداء "نمشي واقف ماعنديش مشكل، غير مانبقاش كانتشمش فهاديك القنطرة ساعة وسط الكلاكسون والصهد ديال الله وديال بنادم"، يقول موظف بدا سعيدا بقراره الاشتراك في الطراموي الذي يغنيه عن البحث عن تذكرة جديدة في كل مرة، ويضمن له رحلة في ظروف أريح نسبيا: "على الأقل الطرام مبرد شوية، ومازال فيه الأمان على طوبيسات لافيراي والطاكسي لمنين كانركبو فيه وحنا خايفين تشعل فيه العافية"، يوضح أنه بعد أن يصل إلى آخر محطة الكائنة بحي كريمة، يكون مضطرا إلى السير حوالي 15 دقيقة، "لكن لا بأس، هذه المدة هي أقل بكثير من تلك التي كنت اقضيها عندما استعمل الحافلة".هجر المغلي