fbpx
خاص

جنان الورد بفاس … عشوائية البناء

تفتقر للبنيات اللازمة والمرافق الرياضية والثقافية وشبابها مرسومة صور ضياعه في سلوكه

لم تعد بمقاطعة جنان الورد بفاس، ورود ولا جنان بعدما زحف عليها الإسمنت منذ عقود. نبتت فيها أحياء عشوائية شجع تناسلها طمع سياسي في أصوات شكلت قاعدة للفوز في الانتخابات، على حساب جمالية تجمعات سكانية يفتقر بعضها لكل شروط العيش الكريم والبنيات التحتية ومرافق كفيلة بإنقاذ شباب معرض للانحراف.
بنايات بمثابة قبور لقاطنيها و”براريك” جاثمة بمواقع تأبى أن تنقرض، وطرق محتاجة لتهيئة وتبليط وترصيف، وأنشطة مكثفة بدون مرافق ثقافية كافية، وأندية بعدد محدود من الملاعب الرياضية. بعض من عناوين تيه مقاطعة في البحث عن خارطة طريق موصلة لتنمية منشودة ومبادرات تنتشل أحياء من هامشيتها.

إعداد: حميد الأبيض (فاس) –تصوير: أحمد العلوي المراني

امتد شد الحبل بين فعاليات مدنية والعدالة والتنمية، من جماعة فاس إلى مختلف المقاطعات، بينها جنان الورد التي اضطر مكتبها المسير لتعليق دورة يونيو الأخيرة، بعدما عمت قاعة احتضنتها، فوضى وغضب واحتجاجات أثرت على سيرها الطبيعي، كما في كل نشاط للحزب الماسك بزمام تسييرها بأغلبية مريحة جدا.
أغلبية المقاطعة المريحة اتهمت عدة أشخاص “معروفين وموثقين بالصوت والصورة” و”سياسيين معروفين بفسادهم” و”أطراف معادية للإصلاح”، بالفساد والاسترزاق السياسي، والتحريض على التشويش بالعنف، ملوحة باللجوء إلى القضاء، مستنجدة بالسلطة محملة إياها مسؤولية ضمان وحماية دورات المجلس.
الاحتجاج اعتبره حزب العثماني تشويشا ممنهجا لن يزيد إلا من عزيمة الحزب على مواصلة العمل”، واعتبرته جمعية النور للتنمية والثقافة “حسابات سياسية” دعت إلى الابتعاد عنها لأنها “تضر بمصلحة سكان المقاطعة”، متحدثة عن “استغلال مواطنين بسطاء في التشويش”.

لم تستسغ الجمعية ما أسمته ب”فرض سياسة الأبواب الموصدة في وجه جمعيات المجتمع المدني الجادة والفعالة”، متحدثة عن منع نشطائها من حضور الدورة المتزامنة مع إطلاقها مشروع “عين على المؤسسات”. هذا الغضب كشفته جمعيات وفعاليات أخرى دعت إلى “تغليب مصلحة السكان المعانين من الهشاشة”.
هذه المصلحة “تفرض تجاوز الألوان السياسية والجلوس لطاولة الحوار وتوحيد الجهود لتذويب المشاكل المؤرقة لسكان أحياء غارقة في التهميش، أضناهم انتظار الفرج وتحقيق أملهم في تنمية حقيقية ملموسة واقعا لا بالشعارات فقط” يقول فاعل جمعوي يؤرقه هذا الصراع السياسي المحتدم وغير محمود العواقب.

جنان لبيض

تغرق أغلب أحياء المقاطعة في هامشيتها ومشاكلها المتعددة والمتنوعة، التي عمرت طويلا دون أن تبحث المجالس المتعاقبة عن خارطة طريق لحلها. لكن معاناة سكان دوار جنان لبيض القريب من المدينة العتيقة وسيدي بوجيدة، أمر في غياب “وسائل العيش الكريم”، ما أخرجهم للاحتجاج عدة مرات.
ثلاثة عقود مرت على “إنبات” هذا الحي العشوائي واستقرار سكانه في بيوت “وضيعة” في غياب الكهرباء والماء والصرف الصحي، دون أن يرأف أحد لحالهم رغم الوعود العسلية التي قدمت إليهم خاصة في كل محطة انتخابية غالبا ما يكونون فيها “مجرد أصوات معبر عنها ” تغلب كفة هذا اللون السياسي أو ذاك.
لا أحد يحس بمرارة معاناة وآلام أولئك الأطفال الصغار المعرضة حياتهم وسلامتهم للخطر على طول الطريق بين الدوار والمدرسة، للظلام الدامس المخيم على كل الممرات، كما في بيوت عائلاتهم التي يستنيرون فيها بوسائل إنارة بدائية تحرمهم من أبسط حقوق الطفل والظروف العادية للتحصيل ومراجعة دروسهم.
هذه الأسر ما زالت تستعمل في إنارة جدرانها الهشة، الشموع و”اللمبة” شعار حزب ماسك زمام أمورهم، وعول عليه لتعويضهم عن سنوات الضياع و”الحكرة”، لكن أملهم خاب، دون أن تنفع حناجرهم الصادحة بشعارات الغضب في أشكال احتجاجية مختلفة، في لفت انتباه مسؤوليه الماسكين بخيوط الإنقاذ.
واقع التهميش والإقصاء باق ومستمر جاثما على قلوب السكان، رغم عرض معاناتهم في قبة البرلمان، في سؤال برلماني التجمع الدستوري بالدائرة، طالب وزير الداخلية بتزويد الدوار بالمادتين، خاصة أن تجاهل مثل هذه المشاكل “قد ترتبت عنه مشاكل جمة وإكراهات عويصة” بدأت ب”انتفاضة شعبية قوية”.

عشوائية البناء

العشوائية عنوان مشترك بأحياء بهذه المقاطعة لم تتخلص من مظاهرها المشوهة خاصة العمرانية، ما يمكن الوقوف عليه لأي زائر غريب تطأ قدماه ترابها، سيما حيث توجد تجمعات صفيحية جاثمة ليس فقط بجنان لبيض، بل بمواقع أخرى بالطاهريين وبلاد بنسليمان وصهريج كناوة وبلاد المكزاري وعين النقبي.
نحو 100 براكة متناثرة بهذه الجيوب القصديرية حيث تدفن أحلام قاطنيها في سكن لائق، “تحتاج التفاتة رسمية لإعادة الإسكان” يقول محمد مجاهد مستشار اتحادي سابق تحدث عن توقف عملية الترحيل التي بوشرت سابقا بمواقع اعتبرت قاعدة انتخابية، بينما يبشر مسؤول بالمقاطعة، بقرب ذلك في بعضها.
وقال مجاهد إن مظاهر البناء العشوائي والفوضوي لا تقتصر على تلك البراريك، بل تمتد لبناء مرخص به بالزيادة في عدد الطوابق خاصة بأحياء المصلى باب فتوح، حتى في مشاريع شبه عمومية، كما تجزئة العمران التي “شملتها العشوائية” يؤكد الرجل متحدثا عن “لا شيء تغير والفوضى مستمرة وتستفحل”.
“اللي ما عندوش الدراع ما يعيش. اللي بغا شي حاجة كيديرها بقوة العضلات” يقول فتاح برادة، صانع الزليج، معبرا عن فوضى التعمير، وحجته مستخدم بشركته يعاني بسبب بطش جاره بزنقة ببلاد الرايس، أغلق ممرا بين المنازل بعدما بنى في مدخله ومخرجه، دون أن ينفع تشكيه وجيرانه للسلطة والمقاطعة.
“الصباح” عاينت البنايتين اللتين تتسببان في تسرب ماء المطر إلى أساسات المنازل المجاورة محدثة بها أضرارا متفاوتة، ولجنة مختلطة زارت الموقع ولم تتخذ أي إجراء، والمتضررون تحت رحمة خارق لقانون التعمير، يفرض الأمر الواقع بعضلاته التي يبدو أنها أقوى من سلطة ونفوذ المسؤولين والقوانين.
هذا الواقع لا يلغي مجهودا رسميا يبذل للقطع مع عشوائية التعمير. ودليل مسؤولي المقاطعة، إصدار 490 قرار إفراغ للبنايات المهددة التي شهدت أحياء فواجع انهيار بعضها، موازاة مع تسليم 362 رخصة بناء و343 رخصة سكن و149 رخصة إصلاح و269 رخصة إيصال بالكهرباء، في نصف الولاية.

بنية هشة

لا ترقى البنيات التحتية وطرق وشوارع أحياء المقاطعة، لمستوى تطلعات سكانها الحالمين بالأجود منها، ما لم يتحقق رغم تعاقب مجالس بألوان سياسية مختلفة، بل “بعض المشاريع توقفت ولا ندري السبب، خاصة في عين الدريسي والطاهريين” يقول مجاهد، ما عاينته “الصباح” في جولة شملت شوارع وطرقا مختلفة.
عدة ممرات تحتاج تزفيتا أو ترميما، تذيب نتوءاتها وأخاديدها التي تشكل خطرا على عابريها حتى ببعض المواقع المفتوحة حديثا في وجه التعمير سيما قرب سويقة الطاهريين حيث تمتزج رائحة الأزبال وروث البهائم بعشوائية “براريرك السويقة” وطيش أطفال لم يتوانوا في رشق العابرين الغرباء بالحجارة.
هشاشة البنيات والطرق، أمر واقع يعترف به حتى مسؤولو المقاطعة الراضون عن تسييرهم لدواليبها ولو لم يرق المحقق من نتائج، لمستوى الكمال، واعدين بتدارك الخصاص بإطلاق مشاريع مهمة بينها برنامج تأهيل الأحياء الناقصة التجهيز المرصود له 500 مليون درهم، والممتد طيلة أربع سنوات إلى 2022.
157 مليون درهم حصة المقاطعة لتأهيل الطرق وترصيف الممرات والأزقة وإحداث مرافق للقرب بينها ملاعب رياضية وتجديد الإنارة العمومية وإنشاء ساحات عمومية وتأهيل الموجودة ومساحات خضراء وغرس الأشجار، ب11 حيا جلها تشكل حاليا “نقطا سوداء تخدش بعشوائيتها، منظرها العام” يؤكد فاعل جمعوي.
بلاد الطاهري البرج، المصلى التباري، بلغازي، بلاد الصقلية، جنانات درادر والعلمي والحريشي، دوار ريافة، صهريج كناوة، بلاد السعداني، والياقوت، هي الأحياء المعنية بهذا البرنامج الذي يأتي في إطار مشروع التأهيل الحضري الشامل لمختلف المقاطعات الست بالمدينة المحتاجة لتنمية حقيقية.

مرافق معاقة

تعتبر مقاطعة جنان الورد من أنشط المقاطعات ثقافيا، لما تحتضنه من أنشطة ومهرجانات، لكن بنياتها لا ترقى لمستوى تطلعات شبابها، خاصة غياب مركب ثقافي وملاعب كافية لاحتضان الفرق المزاولة في مختلف الأقسام، التي تعد رحما طالما أنجب نجوما في أنواع رياضية مختلفة خاصة كرة القدم.
ولا تتوفر إلا على ملعبين بباب الفتوح مشرع في وجه عدة فرق، بينها الفتح والكواكب ونجم الطاهريين والتقدم، وذاك بجنان العلمي الذي يديره فريق النصر منذ ارتبط بالماص بشراكة، فيما تتطلع فعاليات إلى عدد أكبر كفيل باحتضان كل الطاقات، وتفعيل قرار مجلس سابق بإحداث ملعب بعين الدريسي.
ويقول خالد الحياني مندوب فرع فاس المدينة لجمعية الشعلة، إن الخصاص في الملاعب واضح، دون أن يستسيغ تفويت تدبير دور الشباب الأربع بالمقاطعة، خاصة بجنان الشامي وعين النقبي وجنان العلمي، وتلك قرب ملعب باب الفتوح، لجمعيات محدثة، متحدثا عن حسابات لا تخدم قطاع الشباب والرياضة.
وبدا متحمسا لبناء مسبحين وإحداث مركب ثقافي بديل وقادر على احتضان الطاقات والمواهب المتفتقة والأنشطة المكثفة، خاصة أن “دار الثقافة الملتصقة بمقر المقاطعة بسيدي بوجيدة، والمطلة على فرع لمستشفى للأمراض العقلية والنفسية، لم تعد كافية لذلك لموقعها وصغر مساحتها” يقول محمد مجاهد.
هذا المستشار السابق، بدا غير راض عن الخصاص في المرافق بالمقاطعة، بما فيها المقابر التي لم تعد قادرة على استيعاب الموتى لدرجة “القبور بطوابق”، مشيرا إلى أن محسنا وهب قبل سنوات، 6 هكتارات لبناء مقبرة، حلم لم يتحقق للآن، كما مطمح القضاء على أشكال النقل العشوائي بباب الفتوح.

خيي: راضون بما تحقق

قال محمد خيي، رئيس المقاطعة من العدالة والتنمية، إنه راض عما تحقق من منجزات، مقارنة مع الوضعية التي كانت عليها وحجم الخصاص الذي تعرفه مجموعة من الأحياء ناقصة التجهيز، بعدما “استطعنا بنسبة كبيرة، تغطيتها في ما يخص التبليط وتهييء الأزقة”، مؤكدا “نعتز بهذه الحصيلة الإيجابية التي حققناها في نصف الولاية”.
وزاد “علينا أن نضاعف المجهود لضمان التأهيل الترابي لكامل تراب المقاطعة، وتوفير المرافق ذات الطابع الثقافي والرياضي وتطوير البنيات التحتية، وللتغلب على كل الإشكالات المرتبطة بذلك”، متحدثا عن مشاريع ستطلقها في إطار برنامج عمل للتنمية يرتكز على تلك المحاور ويولي اهتماما كبيرا للخصاص الموجود.
وأكد “نشتغل مع الجماعة وباقي الشركاء لتهييء الطريق المؤدية لسيدي حرازم عبر دوار ريافة، وسنهيئ مدخل المقاطعة الشرقي، لجعله أكثر جمالية”، مبرزا أن التهييء سيطول أيضا أزقة باقي الأحياء، التي لم يطلها التدخل بعد، خاصة بجنان مولاي إسماعيل، مشيرا إلى قرب إحداث ملعبين للقرب باللويزات وسهب الورد.
وتحدث عن قرب تثبيت سكان بلاد بنسليمان وإعادة إسكانهم بعدما اتخذت جماعة فاس مقررا لنزع ملكية قطعة أرضية سيقام عليها المشروع الذي “يوجد في مراحله الأخيرة”، وسينفذ بشراكة بين الجماعة ووزارة السكنى والعمران، لينضاف إلى مختلف المشاريع التي أطلقتها المقاطعة خلال فترة توليه مسؤولية إدارة شؤونها.
وأكد أن مجلس المقاطعة عمل على تبليط وترصيف وتهيئة أزقة بأحياء سهب الورد واللويزات وسيدي بوجيدة والجنانات، وإعادة تبليط وتهيئة أخرى وتطوير الإنارة العمومية والصيانة اليومية للمصابيح وإضافة أكثر من 3 آلاف مصباح جديد، مشيرا إلى تهيئة 14 مدارة وإحداث عدة حدائق خاصة بعين النقبي وباب الفتوح.
وأضاف “أحدثنا ملعبين للقرب بجنان القادري وحي الياقوت بعين النقبي، وسنطلق مشاريع أخرى مماثلة”، مشيرا إلى أن المقاطعة توزع سنويا إعانات سنوية على 3 آلاف أسرة وتوفر الكتب واللوازم المدرسية والنظارات الطبية للتلاميذ المحتاجين، مع توزيع لوجستيك رياضي على الأندية وتنظيم الختان والحناء للطفلات خاصة في رمضان.
وتحدث عن تنظيم عدة دوريات لكرة القدم وملتقيات رياضية مختلفة لبعث دينامية جديدة في تراب المقاطعة، موازاة مع تلك الأنشطة الاجتماعية وتلك الثقافية المنظمة من قبلها أو من قبل المجتمع المدني، أو بشراكة بينهما ودعم من المجلس، بينها مهرجان الطفل والمهرجان السينمائي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى