fbpx
حوادثمقالات الرأي

العمل القضائي والإدارة القضائية

الشأن القضائي ليس بالموضوع المشترك أو القابل للتنسيق بين السلطتين التنفيذية والقضائية (3/1)

بقلم: الجيلالي مكوط *

أفرز قرار المحكمة الدستورية عدد 89.19 م.د بتاريخ 8 فبراير 2019 في الملف عدد 41/19 والمتعلق بمراقبة دستورية بعض مواد مشروع قانون التنظيم القضائي رقم 38.15، بناءً على رسالة الإحالة من رئيس الحكومة استنادا إلى أحكام الفصل 132 من الدستور، مجموعة من التفسيرات
والقراءات المختلفة لمضامينه، بين قائل بوجاهتها وبين راد لمجموعة من تأويلاتها.

إذا كانت مذكرة الإحالة من رئيس الحكومة قد ركزت في بدايتها وفي خاتمتها على طلب بت المحكمة الدستورية في مطابقة مواد مشروع قانون التنظيم القضائي رقم 38.15 برمتها للدستور، فإنها قد أبدت ملاحظات وطرحت استفسارات همت التعديلات المدخلة من طرف مجلس المستشارين في قراءته الأولى للمواد 7 و19 و23 و24 و25 و90 والمواد من 102 إلى 109.
وعلى الرغم من أنه من الصعب تحديد الخيط الناظم للعلاقة ما بين التدبير الإداري والمالي والتدبير القضائي للمحاكم، فإنه بالقراءة الأولية لقرار المحكمة الدستورية عدد 89.19، يتبين أنه قد رسم الحدود الفاصلة بينهما معا، وسن مجموعة من القواعد التي لا بد من الانضباط إليها في ممارسة الاختصاصين معا، مع الأخذ بعين الاعتبار إعادة النظر في بعض مواد مشروع قانون التنظيم القضائي رقم 38.15 ، التي تعتبر غير مطابقة للدستور من طرف المؤسسة التشريعية.
إن قراءتنا المتواضعة لقرار المحكمة الدستورية عدد 89.19، بحكم طابعه الملزم للمؤسسة التشريعية في إعادة بناء مواد مشروع قانون التنظيم القضائي رقم 38.15، ستنطلق من بعد تحليلي وليس نقديا نحاول عبره استجلاء مرتكزات القاضي الدستوري من خلال إقراره لدستورية بعض مواد هذا المشروع من عدمها، ومحاولة استجلاء مراميه وتوجهاته من وراء ذلك.
ومن خلال استقراء قرار المحكمة الدستورية رقم 89.19، ومواد مشروع قانون التنظيم القضائي رقم 38.15 على ضوئه، يتبين أن المحكمة الدستورية قد قسمت ونظمت العمل داخل المحاكم وفق مستويين: عمل قضائي يعتبر موكولا للسلطة القضائية بدون منازع، وعمل إداري ومالي أطلقت عليه مصطلح جديد قديم وهو الإدارة القضائية.
العمــــل القضائــــــي
تذبذب قرار المحكمة الدستورية رقم 89.19 في توصيفه للعمل القضائي على صعيد محاكم المملكة، والذي أسماه بالشأن القضائي بين حصره على السلطة القضائية من جهة، وبين تمديده إلى المهام شبه القضائية التي تمارسها هيأة كتابة الضبط من جهة أخرى.
وهكذا، فبعد أن حسم قرار المحكمة الدستورية من خلال مناقشته لرسالة الإحالة من الناحية الموضوعية ” المواد 7 و19 و23 من مشروع قانون التنظيم القضائي رقم 38.15 “الصفحة 7 من القرار” في أن ما أسماه الشأن القضائي هو اختصاص أصيل للسلطة القضائية، حيث جاء في حيثية من حيثياته: “حيث إن الشأن القضائي ليس بالموضوع المشترك أو القابل للتنسيق بين السلطتين التنفيذية والقضائية، بل هو اختصاص تنفرد به السلطة القضائية، ويمارسه قضاة الأحكام وقضاة النيابة العامة بكل استقلالية، دون أي تدخل من سلطة دستورية أخرى، احتراما لمبدأ استقلال السلطة القضائية المكرس دستوريا”.
عاد ثانية، بمناسبة مناقشته لمهام الكاتب العام للمحكمة باعتباره يعين من بين أطر كتابة الضبط ويمارس مهامها طبقا لأحكام الفقرتين الثالثة والأخيرة من المادة 23 من مشروع قانون التنظيم القضائي رقم 38.15، ليؤكد على حصر مهام الكاتب العام للمحكمة في ممارسة سلطة ومراقبة العمل الإداري والمالي على صعيد المحكمة، دون أداء مهام كتابة الضبط المندرجة في الشأن القضائي وفق أحكام الحيثية 22 التي عالج فيها القرار رسالة الإحالة من حيث الموضوع (الصفحة 8 من قرار المحكمة الدستورية رقم 89.19)، التي جاء فيها :”وحيث إنه، بناء على ذلك، يكون تخويل الكاتب العام، الموضوع تحت سلطة ومراقبة الوزير المكلف بالعدل، أداء مهام كتابة الضبط المندرجة في الشأن القضائي، دون إخضاعه لسلطة ومراقبة المسؤول القضائي خلال مزاولة تلك المهام، مخالف للدستور”.
والظاهر من خلال القراءة التحليلية للحيثيتين معا أن القاضي الدستوري، على الرغم من إيراده لمصطلح “الشأن القضائي” فيهما معا، فإنه قصد به في الحيثية الأولى العمل القضائي من “الأوامر والأحكام والقرارات التي تصدر عن المحاكم…” والتي تعتبر من صميم عمل السلطة القضائية وجوهر عمل القاضي، بينما رمى فيه من خلال الحيثية الثانية الأعمال شبه القضائية لهيأة كتابة الضبط من حضور الجلسات وتحرير محاضرها وتحرير الاستدعاءات والقيام بإجراءات التبليغ والتنفيذ، وفق ما جاء في الحيثية 17 التي عالج فيها القاضي الدستوري رسالة الإحالة من حيث الموضوع (الصفحة 7 من قرار المحكمة الدستورية رقم 89.19)، والتي اعترف فيها القاضي الدستوري بأن هذه الأعمال الشبه قضائية تندرج في خانة الولوج إلى العدالة وإجراءات التقاضي التي تدخل في صلب الإدارة القضائية والتي تشكل هيأة كتابة الضبط موردها البشري الوحيد والأساسي، حيث جاء في هذه الحيثية :” وحيث إنه، إلى جانب الأعمال الإدارية والمالية للإدارة القضائية، فإن هذه الأخيرة، تتميز عن باقي الإدارات العمومية، في أدائها لعمل موسوم بالطبيعة القضائية، ما يُضفي خصوصية على نشاط مرفق العدالة قياسا بباقي المرافق الإدارية الأخرى، فتلقي الشكايات، على سبيل المثال، والمحاضر والمقالات وتحرير الاستدعاءات وحضور الاستنطاق وتحصيل الرسوم القضائية وأداء مهام التبليغ والمشاركة في هيئة الحكم وتحرير محاضر الجلسات وعمل التنفيذ، أعمال تندرج في خانة الولوج إلى العدالة وإجراءات التقاضي، مما يُسبغ صفة مساعدي القضاء على هيئة كتابة الضبط المشكلة للمورد البشري للإدارة القضائية”.
إذن، فالأمر واضح في أن القاضي الدستوري ميز بين الإدارة العادية الإدارية والمالية، والتي تعتبر هيأة كتابة الضبط خاضعة فيها دون منازع “شأنها في ذلك شأن باقي الهيآت الوظيفية العمومية الأخرى” لسلطة ومراقبة وزير العدل وفقا لأحكام الفصل 89 من الدستور، وبين الإدارة القضائية والتي يعتبرها قرار المحكمة الدستورية رقم 89.19 خاضعة لسلطة ومراقبة وزير العدل وإشراف المسؤولين القضائيين باعتبار طابعها الإداري والمالي وشبه القضائي.
ويبدو الأمر منطقيا بتخويل المسؤولين القضائيين الإشراف على مهام الإدارة القضائية في الشق المتعلق بالمهام الشبه قضائية، على اعتبار أن هذه المهام هي الأخرى تملك جانبا إداريا وتسيريا لا يقل أهمية عن الجانب القضائي، فاستقبال المقالات والمذكرات واستخلاص الرسوم بشأنها وتسجيلها مع إحالتها على الجهة القضائية المعنية تعتبر عملية إدارية محضة، على اعتبار أن موظف هيأة كتابة الضبط بالصندوق لا يتولى تعيين القاضي المقرر ولا تعيين الجلسة، بل إن أمر ذلك يعتبر موكولا للسلطة القضائية، وإن كان التعيينان معا يكتسيان هما الآخران طابعا إداريا تسييريا لا علاقة له بالبت في النزاع، ويدخل في الجانب الولائي للسلطة القضائية.
*الكاتب العام للهيأة الوطنية للمسؤولين الإداريين لوزارة العدل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى