fbpx
افتتاحية

دفاعا عن البذلة السوداء

تجدد النقاش حول المحاماة، وشن بعضهم حملات بأسلوب زاغ عن أدب الحوار الهادف، وفضل سياسة اختلاق الأزمات، على النيابة العامة، بسبب اقتراحها توصيات لإصلاح المهنة، منذ حوالي سنة.
اختار الرافضون لإصلاح مهنة المحاماة توقيتا لفتح جبهات المواجهة، متحدثين عن التدخل في شؤون المهنة، والمس باستقلاليتها، وسعي النيابة العامة لبسط هيمنتها… وغيرها من التهم ، إرضاء لحسابات سياسية ومصالح خاصة ضيقة.
لا نخجل من الدفاع عن نبل المحاماة، ولن نصمت عمن يسعى إلى تحنيطها في توابيت تعزلها عن المجتمع، وجعلها شأنا محصورا على فئة معينة، أو يدفع إلى إحداث شرخ بين أصحاب البذل السوداء وزملائهم في الجسم القضائي، بإشهار السيوف وتسليطها على الرقاب.
ما الذي أغضب هؤلاء المحامين، حتى يعتبروا توصيات رئيس النيابة العامة مسا باستقلالية المهنة؟
لا نعثر على الإجابة في توصيات النيابة العامة، فمضمونها يستحق الإشادة لا شن الحروب عليها، فهي تضمن للمحامين استقلالية وشفافية، إذ تحثهم على الانتقال الإلكتروني في تبادل المذكرات، وتطوير وسائل التقاضي الإلكترونية، وتشجيع التخصص وتحرير اتفاقات للحد من نزاعات الأتعاب، واعتماد نظام فعال لتدبير شكايات المواطنين، والتفكير في إحداث لجنة مركزية ثلاثية، تتكون من أعضاء المجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة ووزارة العدل ولجنة مماثلة لجمعية هيآت المحامين بشأن المسائل المهنية، والحث على الانخراط في برنامج إصلاح العدالة… فهل تمس هذه الاقتراحات استقلالية المهنة، كما يدعي الغاضبون؟
أبدا، فالحديث عن استقلال المهنة يعني أداء المحامي واجبه باستقلالية ونزاهة، بعيدا عن تدخل السلطة التشريعية أو التنفيذية أو القضائية… والحال أن هذه التوصيات تدفع في اتجاه الاستقلالية، وترفع شأن المحامي بتشجيع التعامل الإلكتروني، وتصالحه مع أفراد المجتمع بضمان حقوق الطرفين، وتجعل المهنة رسالة نبيلة. فهل تعتبر لقاءات المسؤولين القضائيين مع النقباء وأعضاء جمعية هيأة المحامين مسا بالاستقلالية؟
جسدت مواقف المحامين، في تاريخ المغرب الحديث، نبل المهنة، بدفاعهم عن كرامة المجتمع، وإيمانهم بسمو وشرف رسالتهم، وسعيها إلى خدمة قضايا المجتمع، والدفاع عن المظلومين، وهي قيم جسدها المحامون، رغم بعض الاستثناءات التي أخلت بالأمانة. فمهنة المحاماة لم تؤمن يوما بتكميم الأفواه، ومنع حرية الرأي، فهي تراث حضاري، وثقافة قانونية، وقيم أساسية من قيم العدالة، وملك مشترك للإنسانية.
فلم يراد أن تستعمل المحاماة حطبا في حروب مع الجسم القضائي؟ علما أن المحامين كانوا ومازالوا، أول من دافع عن استقلال النيابة العامة… إنها معركة وهمية يستغلها ممن في قلوبهم مرض لقطع الطريق على الإصلاح، وتوصيات النيابة العامة أوكسجين لإعادة الحياة للمهنة بتحديثها وعصرنتها، فلا حياة لمهنة لا تؤمن بالتطور، وكل من يتشبث بالواقع الحالي، مهما كانت خلفياته، يسعى إلى أهداف لا علاقة لها بنبل المهنة واستقلاليتها، إذ من حق كل أفراد المجتمع انتقاد اختلالاتها واقتراح تصورات لإصلاحها.
لا ندافع عن النيابة العامة، فذاك ليس دورنا، بل إن غيرتنا على مهنة المحاماة تجعل كل المؤمنين برسالتها يقفون ضد تدوينات في العالم الأزرق، تعترض الإصلاح وتثير العداوة، وتؤمن بالتعصب والانغلاق عن الذات…. فالمحامي شريك للقاضي في تحقيق العدالة، ولم يكن أبدا عدوا له.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق