حوادثمقالات الرأي

أثر المحامي في القرار العام

مؤسسات الدولة العامة تحتاج بشكل أو بآخر إلى خبرة المحامي

بقلم: ذ/جـلال الطاهـر *

من المعلوم والثابت أن للمحامي دورا كبيرا في تكريس دولة الحق والقانون، بما له من معرفة حقوقية عن طريق الدراسة الجامعية، التي يعززها التطبيق العملي في الواقع عن طريق الممارسة الميدانية. ويزداد الأمر أهمية عندما يكون الموضوع، هو حقوق الإنسان، في علاقته بالسياسات العمومية، هذه العلاقة، بقدر أهميتها وضروريتها للإنسان المغربي، أفراداً وجماعات، بقدر ما يكتنفها غير قليل من الغموض واللبس، الذي قد يصل أحياناً إلى الكفر بها. ذلك أنه من جهة، يلاحظ المتتبع المهتم، بأن اختيارات الدولة عن طريق سياساتها العمومية، وتشريعاتها المختلفة، وخطبها الرسمية في كثير من المناسبات، أنها تعكس الرغبة في توطيد بناء مؤسسات الدولة، على أسس نظرية وعملية، تكرس عند تطبيقها في الحياة العامة، ضمان احترام هذه الحقوق، وصيانتها من أي مس، يؤدي إلى أقسى الجزاءات الجنائية والسياسية والمدنية، إن وقع.

أمام هذه الإشكالية، ذات الأبعاد المختلفة، ما هو دور المحامي في العمل على تعزيز الاختيارات العمومية للدولة، والحرص على ترجمتها في الحياة اليومية للمواطن والمجتمع والمؤسسات الرسمية، والمجتمع المدني، عن طريق تأثيره في القرار العام.

فمفهوم القرار العام، يفيد قرار السياسات العمومية للدولة على المستوى المركزي والمحلي، التي تعتبر مصدراً لهذا القرار، لأن مفهوم المؤسسات العامة يعني الدولة، والموضوع الذي يجري الحديث حوله، هو أثر المحامي في المؤسسات العامة.
ولتوضيح هذا الأثر أو الدور الذي يقوم به المحامي، لا بد من معرفة العلاقة القائمة، بين طبيعة التكوين العلمي للمحامي، ومرتكزات بناء القرار العام، ذلك أن القرار العام، الصادر عن مؤسسات الدولة، كيف ما كان نوعه، لا بد أن يكون من جملة مكونات بنائه، وجود الجانب الحقوقي عامة، والقانوني بصفة خاصة.

ولذلك، فالقرار العام الصادر عن المؤسسات العمومية، بصفة عامة، وفي مجال حقوق الإنسان، بصفة خاصة، لا بد له من مرجعية قانونية.
وهكذا، ففي كثير من مواقع إصدار القرار العام، والاختيارات العمومية، بالنسبة إلى جميع سلطات الدولة، سواء كانت حكومية أو تشريعية أو قضائية، أو في مختلف المصالح التابعة لها محلياً ومركزياً، فإن للمحامي دورا كبيرا، في المساهمة بإيجابية في تجويد النص القانوني برلمانيا، وترشيد القرار الإداري حكوميا، وعدالة الحكم القضائي قضائيا.
لقد كرس دستور 2011، اختيارا لا رجعة فيه، هو بناء دولة ديمقراطية يسودها: الحق والقانون، والكرامة، والمساواة، وتكافؤ الفرص، والعدالة الاجتماعية، وهي كلها قضايا تهم حقوق الإنسان. فمفعول دور المحامي في التأثير في اتخاذ القرار العام له أوجه عديدة، ومواقع مختلفة، حسب كل مصدر من مصادر القرار، على اعتبار أن كل مؤسسات الدولة العامة تحتاج بشكل أو بآخر بقدر كبير أو قليل، إلى خبرة المحامي، ولذلك يكون له تأثير في بعض المواقف، التي تستلزم الكفاءة العلمية في المادة القانونية.

فالمحامي موجود عضوا وبصفته هذه في جل مرافق الدولة العمومية السياسية، والدستورية والقضائية، ومؤسسات الحكامة بكل أنواعها.
1 – على مستوى الحكومة
وهكذا، يمكن الحديث عن حضور المحامي في بعض هذه المؤسسات الحكومية، حيث لا تخلو أي حكومة من وجود المحامين، وزراء في مواقع حساسة، وحقائب وازنة، بل إن الأمر وصل في كثير من الأحيان إلى أن يتقلد محام رئاسة الحكومة.
ومن هذه المواقع، من المفروض والواجب، وبحكم الواقع، أن يؤثر المحامي بتكوينه القانوني الخاص، وقناعاته الحقوقية العامة، في القرار العام، ومادام الحديث يجري عن الحكومة، لا بد من الإشارة إلى أن كثيراً من الوزارات شغلها محامون.
2 – على مستوى السلطة التنفيذية.
أما عن دور المحامي بالنسبة إلى السلطة التشريعية، فهو دور بالغ الأهمية، لأن مؤسسة البرلمان هي المصدر الرئيسي للتشريع، الذي يحدد طبيعة القرار العام، عن طريق النصوص التشريعية التي تضبط نوع القرار، والسلطة التي يرجع لها الاختصاص في اتخاذه.
ومادام أن القرار العام، في أي مجال من مجالات تطبيقه، لا بد أن يؤطره نص قانوني، سواء كان تشريعياً أو تنظيمياً، ولا يكتسب صفة المشروعية، إلا إذا تم إفراغ مضمونه في نص قانوني.
والمحامي، الذي يكتسب صفة العضوية في السلطة التشريعية، بمجلس النواب بصفة مباشرة عن طريق الانتخاب، أو بصفة غير مباشرة بمجلس المستشارين، يعطيه هذا الوجود، إمكانية التأثير في القرار، عن طريق تسخير إمكانياته المعرفية في مجال القانون، التي يكون قد اكتسبها عن طريق دراسة الحقوق في الجامعة، ويطبقها بواسطة ممارسته المهنية أمام القضاء، مما يعطيه ويخوله الدراية والقدرة على أن يعكس هذه الخبرة الحقوقية، والقانونية في النصوص التشريعية التي هي مصدر القرار، نظراً للإمكانيات الامتيازية التي وفرها له التكوين الأكاديمي النظري، عن طريق الدراسة، والتطبيق العملي بواسطة اختصاصه المهني، لأن غيره، مهما بلغت درجة تكوينه، في تخصصات غير التخصص القانوني الحقوقي، لن يستطيع إدراك شروط وتعقيدات، وشكل بناء النصوص التشريعية، وأركانها العامة والخاصة، ومدلول المنطوق، والمفهوم، من القواعد القانونية التشريعية أو التنظيمية .
ولعل هذه الاعتبارات الموضوعية، هي التي تجعل لجن التشريع، في البرلمان بغرفتيه، تضم أغلب المحامين، بل إن أكثر من تحمل مسؤولية رئاسة لجنة التشريع بالبرلمان، كانوا من المحامين خاصة، أو من الحقوقيين بصفة عامة.

من خلال هذه الملاحظات، يمكن إدراك ما للمحامي من إمكانيات للتأثير في النص التشريعي، الذي يؤطر أي قرار عام كيف ما كان مستواه، وعن أي سلطة صدر.
3 – على مستوى السلطة القضائية
أما عن السلطة القضائية، التي أوكل إليها المشرع رسالة إقامة العدل بين الناس، وهي مهمة قدسية، تستمد وجودها من النيابة عن المجتمع الإنساني، في إعطاء كل ذي حق حقه، والانتصاف للضعيف والمظلوم، بل هي المهمة الأولى للدولة، والآية الحكيمة التي تزين ساحات المحاكم: ((وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل))، تبين قدسية الرسالة التي يساهم فيها المحامي، وأي مهمة أعظم وأسمى من القضاء العادل، الذي يطمئن الناس في ظله على أرواحهم وحقوقهم وحرياتهم.
والمحامي هو جزء وشريك، في الوصول إلى هذه الغاية، وهي مساعدة القضاء على إصدار الحكم العادل، كلاهما يسهم بقدر معلوم، في إقامة العدالة في المجتمع، وضمنها وفي مقدمتها حقوق الإنسان.
والحكم بما هو قرار عام، فإن للمحامي حسب ما أشير إليه دوراً مركزياً، وأثراً حاسماً في إصداره على الشكل والغاية المتوخاة منه.
هذه بعض الإشارات والملاحظات العابرة، حول الإمكانيات المتاحة للمحامي في التأثير والمساهمة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في بلورة القرار العام، بخصوص سلطات الدولة الثلاث.
وهناك مواقع دستورية أخرى، يجب أن يكون لفعل المحامي فيها أثر مشهود، رغم تعدد المواقع التي يمكن أن يشغلها داخلها، والمسؤوليات التي قد تسند إليه بتحمل المسؤولية الأولى فيها.
ومادام الموضوع هو حقوق الإنسان والسياسات العمومية، فلا بد من الإشارة، ولو بإيجاز، بقدر ما يسمح به الوقت، إلى ما ورد بالدستور من فصول تتعلق بما سماها مؤسسات وهيآت حماية الحقوق والحريات، والحكامة الجيدة، والتنمية البشرية والمستدامة، والديمقراطية التشاركية.
وما يهم في هذه المناسبة، هو المؤسسات الدستورية التي لها علاقة مباشرة، بحماية حقوق الإنسان والنهوض بها وهي:
المجلس الوطني لحقوق الإنسان.

مؤسسة الوسيط.

مجلس الجالية المغربية بالخارج.

الهيأة المكلفة بالنهوض بالمناصفة، ومحاربة جميع أشكال التمييز.
إنها مؤسسات دستورية متعددة تهتم بحقوق الإنسان بشكل من الأشكال، أو جانب من الجوانب، إلا أن بعض الدارسين، يرون أن هناك تضخماً يمكن أن يؤدي إلى ((بروز إشكالات تتعلق بتقاطع، بل وتضارب هذا الجيل الجديد من المؤسسات الوطنية، مع السلطة التنفيذية في مجال صياغة السياسات العمومية وتقييمها…)).
وبالإضافة إلى ما أشير إليه أعلاه، فإن السؤال الذي يطرح نفسه، حول أثر عمل المحامي في القرار العام، وخاصة بما له علاقة بحقوق الإنسان، هو هل فعلاً يقوم المحامي بتسخير وجوده في مؤسسات إصدار القرار، وتوظيف ثقافته الحقوقية وتجربته المهنية، في الترويج وحماية حقوق الإنسان، والعمل المباشر على تعزيز هذه الحقوق، من خلال آراء وتوصيات ومقترحات وتقارير، إلى غير ذلك من المبادرات التي تخدم قضايا حقوق الإنسان؟
أم أن وجوده في المؤسسات الدستورية لا يشكل أية قيمة مضافة خدمة لحقوق الإنسان، بل إنه يصبح مجرد موظف إداري كسائر الموظفين، من أعلى السلم الإداري إلى أدناه.
الجواب عن هذه التساؤلات يتطلب رصداً وتتبعاً، لوجود المحامي في مواقع القرار، لاختبار، الأثر الذي يخلفه هذا التواجد على حقوق الإنسان، ومن هناك يمكن الجواب بموضوعية عن هذه التساؤلات.
* محام بهيأة البيضاء

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق