حوادث

قراءة في الفقرة الثالثة من قانون مهنة المفوض القضائي

إهمال النصوص يساهم في تجريد القواعد القانونية من مصداقيتها

تحيلنا مقتضيات الفقرة الثالثة من المادة 28 من القانون 03/81 المنظم لمهنة المفوضين القضائيين على أنه: «يؤدى للمفوض القضائي مسبقا المبلغ الثابت» وتطبيقا لهذا المقتضى فإنه يصير لزاما على الأطراف أو نوابهم أداء أتعاب المفوض القضائي

مسبقا، أي الذي تناط به مهنة القيام بما طلب منه على وجه التعيين طبقا لمقتضيات المادة 22 من نفس القانون التي تنص صراحة على أنه: «يتعين على الأطراف أو نوابهم أن يبينوا في الطلب اسم المفوض القضائي المختار»، على أن يستخلص أتعابه مسبقا حسب التعريفة المنصوص عليها بمقتضى القرار الوزاري عدد 06/1129 المحددة وفق البيانات الواردة بالجدول الملحق بقرار تعريفات عقود المفوضين القضائيين في الميادين المدنية والإدارية والتجارية التي يتولون القيام بها.

ويلاحظ في هذا الباب أن المشرع المغربي حذا حذو المشرع الفرنسي حين نص صراحة على استخلاص المفوض القضائي أتعابه مسبقا تفاديا لكل ما من شأنه أن يعرقل انجاز المهام المسندة إليه قانونا، إذ نصت المادة 21 من مرسوم 12 دجنبر 1996 على إمكانية العون القضائي في المطالبة بالمزيد من الواجبات الأولية وحسب ما تتطلبه الإجراءات التمهيدية لعملية التنفيذ وذلك بعد إدلائه لطالب التنفيذ بعرض تقديري حتى تتم العمليات المرتبطة بالتنفيذ في إطار شفاف وتفاديا لما يمكن أن يطرح من إشكاليات عند تصفية الصوائر القضائية.
وفي رأينا المتواضع أن منشأ الالتزام بين المفوض القضائي والمتقاضين أو من ينوب عنهم، يكمن أولا وأخيرا في اختيار هذا الأخير الذي يؤسس لقاعدة الالتزام المتبادل بين الأطراف وفق الكيفية المنصوص عليها في المادة 22 من القانون 81/03 وهو ما يستحق معه استخلاص أتعابه مسبقا، عملا بالفقرة الثالثة من المادة 28 من نفس القانون.
وهو بذلك يكون ملزما بإنجاز جميع الإجراءات المحالة عليه طبقا للقانون، وإلا أجبر على القيام بها من طرف رئيس المحكمة التي ينتمي اليها طبقا للمادة 30 من القانون 81/03.
ومهما يكن من أمر فإنه لا يعقل أن يتحمل المفوض القضائي المصاريف التي تهم مختلف الاجراءات التمهيدية كتنقل المفوض القضائي إلى أماكن نائية بغرض تبليغ أطراف الدعوى أو إعذارهم طبقا للفصل 440 من قانون المسطرة المدنية، أو إلزام المحكوم عليه بتسليم شيء منقول أو أشياء قابلة للاستهلاك لفائدة المحكوم له، أو بتسليم عقار أو نقل ملكيته أو التنازل عنه لصالح المحكوم له أو بأداء التزام بعمل أو الامتناع عنه لصالح المحكوم له أيضا طبقا للفصول 446 و447 و448 من قانون المسطرة المدنية أو تلك الاجراءات الكثيرة التي يجب احتساب مصاريفها مسبقا وجعلها رهن إشارة المفوض القضائي حتى لا تقف عائقا أمام تأخير أو عمد إتمام إجراءات التنفيذ، لذلك وجب التنبيه إلى أن مؤسسة المفوض القضائي تصنف ضمن المهن الحرة المساعدة للقضاء، وهي بذلك تنفرد وتتميز بطابعها الإنساني والاجتماعي وليست مؤسسة تجارية تتوخى الربح والمضاربة.
لذلك فإن مطالبة المفوض القضائي من طرف بعض المسؤولين القضائيين بالقيام بما يحال عليه من إجراءات دون أن يكون هذا الأخير قد استوفى كامل أتعابه أو أنشأ تعاقدا يلتزم بمقتضاه بإنجاز ما طلب منه بحجة عدم تعطيل مصالح المتقاضين، يبقى في رأيي تجاوز غير مبرر ولا يستند على أساس قانوني، لا سيما وأن المشرع المغربي أناط مهمة السهر على حسن تطبيق القانون وتفعيل مقتضياته إلى المسؤولين القضائيين كل حسب مسؤوليته، ونتيجة لذلك فإنه من باب العدل والإنصاف أن تصان حقوق المفوض القضائي سواء المادية أو المعنوية بالقدر الذي تصان به مصالح عموم المتقاضين.
ونظرا لما لهذه المادة التنظيمية (22) من أهمية قصوى وما لها من انعكاسات إيجابية على عمل المفوض القضائي إذ تحيلنا أولا: على الابتعاد عن المنافسة غير المشروعة وتجنبا لكل عمل مجاني لا يتماشى والأخلاقيات المهنية الرفيعة، وثانيا: اعتبار أداء أتعاب المفوض القضائي المورد الوحيد الضامن لاستقرار واستمرار عمله وحماية له من كل أنواع الإحباطات والإكراهات المهنية، دون أن ندخل بطبيعة الحال في مناقشة قيمة ومقدار الأتعاب المستحقة عن كل إجراء من الإجراءات المخولة له قانونا، والتي تعتبر بحث هزيلة جدا ولا ترقى إلى مستوى تأمين وسد حاجيات المفوض القضائي، سواء منها المكتبية أو الضريبية أو أداء أجور الكتاب المحلفين أو أقساط التأمين عن المسؤولية المدنية المهنية أو الاستشفاء أو التقاعد أو مشاركته بمختلف التظاهرات الثقافية المحلية والوطنية أو الدولية… الخ.
وعموما يلاحظ ببعض المحاكم المغربية عدم تفعيل مقتضيات المادة 22 من القانون 81/03 التي تؤسس لقاعدة الأداء المسبق المنصوص عليها في المادة 28 والتي تشمل أساسا ودون استثناء كل الأتعاب المستحقة على العقود التي يقوم بها المفوضون القضائيون في الميادين المدنية والتجارية والإدارية وفقا لقرار وزير العدل رقم 1129/06 بدعوى أن المادة 22 لم ترد بالقانون المنظم لمهنة المفوضين القضائيين على صيغة الإلزام، وثانيا لم يرتب المشرع المغربي جزاء مقابل عدم التقيد بمقتضياتها الشيء الذي يصعب من مهمة جهاز كتابة الضبط في أن يفي بحاجيات المتقاضين اليومية أمام تكدس الإجراءات بمختلف مكاتبها.
واعتقد أن تكريس مبدأ حرية الاختيار أو التفاضل المعمول به حاليا في اللجوء إلى خدمات المفوض القضائي أو جهاز كتابة الضبط في ظل التحفظ المباشر للمادتين 22 وكذا 28 من القانون 81/03 دون الأخذ بعين الاعتبار المادة 58 من نفس القانون التي نصت صراحة على نسخ مقتضيات القانون رقم 41-80 بإحداث هيأة للأعوان القضائيين (سابقا)، التي وضعت حدا لعمل جهاز كتابة الضبط إلى جانب المفوضين القضائيين فيما يختصون به وفقا للمادة 15 من نفس القانون، تجعله لا يستجيب لتطلعات مختلف الفاعلين داخل هذا القطاع الحيوي ودون تحقيق النجاح المطلوب وغاية المشرع المتوخاة من إحداث مؤسسة المفوض القضائي الشيء الذي ساهم بشكل مباشر وقوي فيما يلي:
أولا: ضرب لمقومات نجاح هذه المؤسسة التي أبانت عن كفاءة مهنية وحرفية عالية طيلة العقدين الماضيين.
ثانيا: منافسة جهاز كتابة الضبط للمفوضين القضائيين فيما يختصون به طبقا للمادة 15 من نفس القانون.
ثالثا: ضرب لواقع ومبدأ تفعيل القانون الذي يهدف إلى إصلاح القضاء وتأهيله لتطبيق المشروع الإصلاحي الذي نادى به جلالة الملك في خطابه بتاريخ 20 غشت 2009.
«… إن الأهداف المنشودة من ورش إصلاح القضاء هي توطيد الثقة والمصداقية في قضاء فعال ومنصف، باعتباره حصنا منيعا لدولة الحق، وعمادا للأمن القضائي، والحكامة الجيدة، ومحفزا للتنمية، وكذا تأهيله ليواكب التحولات الوطنية والدولية، ويستجيب لمتطلبات عدالة القرن الحادي والعشرين…».
وختاما لا يسعنا إلا أن نبارك افتتاحية ذ/يوسف وهابي فيما تضمنته مجلة الملف عدد 14 مارس 2009 في حديثه عن (القانون غير الجاري به العمل في المغرب) قوله «بل إن دعوى عدم تطبيق النصوص القانونية أصابت مجموعة من رجال القضاء الذين يستسهلون التحلل من إلزامية القاعدة القانونية بالقول الجاهز لديهم . إن المشرع لم ينص على جزاء مخالفة الفصل كذا أو المادة كذا
ونحن نتساءل ما قيمة النص القانوني إذ كنا غير ملزمين باحترامه وتطبيقه؟ وهل يجب أن يضع المشرع لكل نص تشريعي جزاء محددا لكي يضمن الامتثال له؟ إن هذا التوجه الذي يميل إلى إهمال النصوص بدل إعمالها، إنما يساهم عن قصد أو عن غير قصد في تجريد القواعد القانونية من مصداقيتها ويسلبها إحدى خصائصها الرئيسية وهي الإلزام.

ميمون بوكرين: مفوض قضائي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق