ملف الصباح

الشيكر: الالتزام الجبائي مرتبط بالمواطنة

الخبير الاقتصادي أكد وجود أزمة ثقة بين الدولة والمواطنين والاقتطاع من المصدر أهم وسيلة التحصيل الأولى

كشف محمد الشيكر، رئيس مركز عبد العزيز بلال للدراسات والأبحاث، عن وجود اختلالات عميقة في علاقة المغاربة بالضريبة، موضحا أنها لم ترتبط في أي وقت بالخدمات، إذ تقوم على مبدأ التضامن، وتفرض من قبل النظام في سياق تأكيد السيادة وتدبير الشأن العام، مشددا على أن 70 % من مداخيل الضريبة على الدخل يتحملها الأجراء والموظفون، فيما 60 % من المقاولات تصرح بعجز مالي سنويا،
مشددا في حوار مع “الصباح” على وجود أزمة ثقة بين المواطن والإدارة بغياب الإنصاف الجبائي، ما يشجع التهرب الضريبي. في ما يلي نص الحوار:

أجرى الحوار: بدر الدين عتيقي

ما هي أسباب عدم التزام المغاربة بأداء واجباتهم الضريبية من وجهة نظركم؟
تحديد أسباب عدم التزام المغاربة بواجباتهم الضريبية يقودنا إلى البحث في طبيعة علاقة المواطنين بالضريبة، التي تحمل تاريخيا اختلالات عميقة، ذلك أن خلال زمن نفوذ المخزن والسيبة، كانت الدولة تعيش على الجبايات في ظل اختلاط ميزانيتها بمالية السلطان، إذ تضغط عند الحاجة إلى موارد على القبائل، التي تثور من شدة التضييق عليها وتنتفض إلى غاية التفاوض معها حول أداء مبلغ معين.
ولجأ مغاربة خلال تلك الحقبة إلى التجنيس والحصول على حماية دول أجنبية من الخارج، وحتى وإن لم تطأ أقدامهم ترابها، وهكذا أصبح تجار يحملون حماية إنجليزية وإسبانية وفرنسية، لغاية تحصينهم من أداء ما بذمتهم من ضرائب للخزينة، و الأمر لم يتغير اليوم كثيرا، فوزراء ومسؤولون كبار، سعوا إلى الحصول على جنسية مزدوجة.
ومن خلال ما سبق، يتضح أن الضريبة ارتبطت بالجبر وإثبات السيادة، ولم تستهدف تحسين البنيات التحتية، أو توظف في خدمة مصالح المواطنين.

إلى أي حد يمكن ربط الضريبة بالخدمات؟
بداية، أود توضيح مفهوم مغلوط ما فتئ ينتشر حول علاقة الضريبة بالخدمات، يفيد أنه على الدولة توفير تعليم وصحة وأمن للمواطنين، مقابل أدائهم واجباتهم الضريبية، والواقع أنه لا علاقة لهذه بتلك، فلا يمكن تبرير عدم أداء الجبايات بسبب رداءة أو نقص الخدمات، ذلك أن التفكير في هذا الاتجاه يبرر الخلل في العلاقة بين المواطن وإدارة الضرائب.
ولا يمكن تخيل أداء الضريبة مقابل الأمن أو توفير العدل، ذلك أن هذه الخدمات تكتسي من الأهمية درجة تتجاوز قيمة المساهمات الجبائية. وأود التذكير في هذا الشأن، بارتباط الالتزام الجبائي بالمواطنة، ذلك أن أكثر الديمقراطيات تقدما، كانت تحرم من يتخلف عن أداء واجباته الضريبية من الحق في التصويت والترشح للانتخابات.
ويتعين التأكيد أخيرا، على أن الجبايات تقوم على مبدأ التضامن، إذ تفرض من قبل النظام في سياق تأكيد السيادة وتدبير الشأن العام.

لماذا يتركز تحصيل القيمة الكبرى من الضرائب عبر الاقتطاع من المصدر؟
تفيد الإحصائيات الرسمية إلى أن 70 % من مداخيل الضريبة على الدخل يتحملها الأجراء والموظفون، فيما 60 % من المقاولات تصرح بعجز مالي سنويا، ما يظهر وجود خلل في منسوب الالتزام الضريبي لدى المغاربة، إذ يظل الاقتطاع من المصدر الحل الأنجع للتحصيل، مقارنة مع التصريح، ذلك أن غياب روح المواطنة لدى الملزمين، خصوصا المقاولات، يشجع على التهرب الضريبي، وكذا القفز على جميع الالتزامات العامة، مثل التحملات الاجتماعية الخاصة بالأجراء وغيرها من الواجبات.

كيف يساهم الضغط الضريبي في تشجيع التهرب؟
لطالما حفز ارتفاع قيمة الالتزامات الجبائية التهرب من أداء الضرائب، إذ تشير الإحصائيات والتقارير الدولية في هذا الباب، إلى تمركز المغرب ضمن الدول الأعلى تضريبا على المستولى الإقليمي، في الوقت الذي تتفق المعايير الكونية للمواطنة على أداء الضريبة، باعتبارها صورة من صور المساهمة الاجتماعية، ذلك أن المفهوم الجبائي انتقل مع تطور المجتمعات، من صيغة الجبر المرتبطة بالولاء والطاعة، إلى شرط للاستفادة من التمثيلية السياسية.
وينظر المغاربة إلى الضرائب باعتبارها “أتاوات” مفروضة عليهم جبرا، ويتحينون الفرصة للالتفاف على أدائها، ما يؤشر على وجود علاقة غير مستقرة بين الإدارة الجبائية والملزم، ذلك أنه لا يرى مظاهر ترجمة ما يؤديه من ضرائب، في شكل خدمات وتطوير للبنيات التحتية، على أن الطريقة التي تنهجها الإدارة، من أجل تشجيع الأداء بالنسبة إلى المتخلفين، عن طريق الإعفاءات، تؤدي إلى نتائج عكسية، خصوصا أن قيمة الإعفاءات الجبائية تصل إلى 34 مليار درهم سنويا، ويستفيد منها أصحاب المقاولات والمستثمرون بشكل رئيسي.

ما الذي يحفز التهرب الجبائي؟
تساهم مجموعة من العوامل في استفحال ظاهرة التهرب الضريبي في المجتمع، تفترض العودة إلى الجذور التاريخية لعلاقة المغاربة بالضريبة، التي كانت تفرض عليهم خلال القرن التاسع عشر من قبل المخزن، في وقت كان هناك خلط بين خزينة الدولة وممتلكات السلطان، وبالتالي انطلقت انتفاضات من قبل قبائل على ارتفاع الضرائب.
ومن هذا المنطلق، فقد المغاربة الثقة في السلطة، إذ لم يكونوا يرون مقابل ما دفعوه في الواقع، في شكل خدمات صحية وتعليم وأمن وغيرها، ما يؤشر على وجود أزمة ثقة بين المواطن والإدارة، خصوصا عند ضبط مجموعة من الحالات التي يغيب فيها الإنصاف الجبائي، إذ يتحمل الأجراء مثلا، الثقل الضريبي الأكبر اليوم، باعتبار اقتطاع الضرائب من المصدر، فيما تتركز أغلب حالات التلاعب في الجبايات، الخاضعة لنظام التصريح.

إعفاءات بـ 3400 مليار

ما تقديركم لكلفة التملص الضريبي؟
في ظل غياب أرقام حول قيمة الفاتورة التي تؤديها الخزينة العامة عن ممارسات التهرب الضريبي، فإن النفقات الجبائية، تمثل صورة من صور الهدر الضريبي، وبالتالي فنزيف الخزينة يقدر بحوالي 34 مليون درهم (3400 مليار سنتيم)، في شكل إعفاءات وتخفيضات واستثناءات ضريبية، إلى جانب الضرائب غير المحصلة عن القطاع غير المهيكل، وهو المبلغ الذي لا يتم التركيز عليه بشكل جدي من قبل الحكومة، مقابل اهتمام أكبر بميزانية المقاصة التي لا تتعدى 15 مليون درهم، علما أن قيمة الإعفاءات الممنوحة لم تثبت نجاعتها على مستوى الاستثمار.

في سطور

> من مواليد 1949 بوجدة.
> متزوج وأب لطفلتين.
> حاصل على دكتوراه الدولة في الاقتصاد من جامعة محمد الخامس في الرباط في 1998.
> إطار سابق في مؤسسات عمومية كبرى.
> له العديد من المؤلفات في العلوم الاقتصادية باللغتين العربية والفرنسية.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
assabah

مجانى
عرض