fbpx
الأولى

حديث الصباح: حين يكرس القانون الكذبَ على الذات

هناك قوانين علينا احترامها وأخرى يمكن تجاوزها لأننا في بلد لا يمتلك الشجاعة لتغييرها

متعبة أنا من كم النفاق الهائل الذي يحيط بنا. متى سنمتلك الشجاعة لكي نقف أمام المرآة لنرى هذا المجتمع تماما كما هو، لا كما نريده أن يكون؟ متى سنمتلك الشجاعة لملاءمة بعض قوانيننا مع واقع لن تغيره الصور الذهنية والتصورات الفانتازماتية لمجتمع فاضل لم ولن يكون؟
أسرد هنا مثالين لطالما استفزاني. المثال الأول يتعلق بالمواد الكحولية. صديق قديم فرقت بيني وبينه السبل كان قد حدثني قلقا بعد ولادة طفله الأول: «لست سكيرا، لكني أحب أن أرفق وجباتي بكأس نبيذ. كيف سأعلم ابني غدا أن يحترم القانون، وأن أبرر له في الوقت نفسه أني، حين أشرب كأس نبيذ خلال العشاء، أخالف القانون؟». مضت أزيد من سنتين على هذا الحوار، لكني ما زلت أذكره وأذكر معه القلق المزعج نفسه الذي رافقني حين حدثني صديقي.
في كل بلدان العالم، حتى غير المسلمة منها، وحتى العلمانية، هناك تقنين لبيع المواد الكحولية: منع البيع للقاصرين، تشديد العقوبات حين ارتكاب جنحة أو جريمة في حالة سكر، منع السياقة في حالة سكر… هناك حملات ودروس تحسيسية في المدارس وعبر برامج تلفزيونية وإذاعية للتوعية بأخطار الإدمان… إضافة إلى ذلك، توفر البلدان التي تمتلك الشجاعة للاعتراف بمشاكلها مراكزَ متخصصة في معالجة المدمنين.
في المغرب، وجدنا الوصفة السحرية: «يمنع منعا كليا بيع الخمر للمغاربة المسلمين». وكل قناني الجعة والنبيذ والويسكي التي تباع في الأسواق العصرية وفي المطاعم والبارَات؟ يشتريها النصارى واليهود «حاشاك». إلى متى سنستمر في هذا الكذب على الذات؟ لماذا لا نجعل بيع الكحول مشروعا قانونيا ونُؤطر هذا البيع؟
أعرف الكثيرين ممن يشبهون صديقي: أشخاص ليسوا سكيرين، لكنهم يعتبرون الاستمتاع بكأس نبيذ حرية فردية يمارسونها حسب رغبتهم. كل هؤلاء اليوم خارجون عن القانون. هم أمام اختيارين لا ثالث لهما: إما أن يمتنعوا عن ممارسة حق يعتبرونه حرية فردية لا تزعج الآخرين؛ أو أن يعلموا أطفالهم بأن التعامل مع القوانين قد يكون مرنا: هناك قوانين علينا احترامها، وهناك قوانين أخرى يمكن تجاوزها، لأننا في بلد لا يمتلك الشجاعة لتغييرها.
المثال الثاني لا يتعلق بالقانون، بل بممارسة مهنية تعتمد على تأويل نص قانوني. الواقع المغربي اليوم يمنع كل شخصين من جنسين مختلفين من كراء غرفة مشتركة في فندق، دون الإدلاء بعقد زواج. لا أريد أن أُذكّر بالتجاوزات التي تجعل موظف استقبال يطلب عقد زواج من عريسين حضرا إلى الفندق والعروس بعد بفستان عرسها الأبيض، ولا موظف الاستقبال الآخر الذي طلب عقد الزواج بينما الزوجان مرفوقان بطفلتين تبلغان ست وأربع سنوات ولا حتى الموظف الثالث الذي منع فنانة لبنانية مشهورة من استقبال صديقها في غرفتها، رغم أن صوتها بحّ وهي تصرخ أكثر من مرة بأنها مسيحية، لكني أتحدث عن مغربيين غير متزوجين يرغبان في كراء شقة مشتركة في فندق. هؤلاء طبعا لا يستطيعان (إلا في حالات استثنائية نادرة) ذلك.

الفندقيون يعتمدون في هذا القرار على أن القانون يمنع العلاقات الجنسية قبل الزواج. في الوقت نفسه، فهذا التأويل يجعلهم يكسبون ماديا من خلال كراء غرفتين للشخصين المعنيين؛ ولذلك، فلا مصلحة لهم في محاولة الضغط من أجل تغيير هذا القانون. أود في البدء أن أتساءل: وما مصير المثليين؟ في النهاية، فلا شيء في المغرب يمنع فتاتين أو رجلين من اقتناء غرفة مشتركة في فندق. المثليون إذن أكثر حظا من غيرهم. القانون يمنع العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج، ويمنع الممارسات المثلية، لكن أصحاب الفنادق لم يجدوا بعد التوليفة المناسبة للمثليين. ستكونون إذن أكثر حظا في فنادق المملكة السعيدة إن كنتم مثليين..
لنقلها صراحة وبلا رياء: استهلاك المواد الكحولية اختيار شخصي وحرية فردية يمارسها أشخاص راشدون؛ ولعل تقنين بيعها قد يخفف من استهلاكها، لأن كل ممنوع مرغوب. الشيء نفسه بالنسبة إلى العلاقات الجنسية قبل الزواج في المغرب. من حق أي كان أن يرفض استهلاك المشروبات الكحولية أو العلاقات الجنسية قبل-الزوجية، لكن ذلك لا يغير شيئا من واقع مجتمع يتحول باستمرار.
لقد حان الوقت لكي نفتح النقاش حول العديد من القوانين التي تجاوزها المجتمع فعليا، والتي مازالت الشجاعة السياسية تنقص لكي نطالب بتحيينها حتى تتطابق مع الواقع المجتمعي الحالي. لا يمكننا أن نصادر حق الأفراد في ممارسة اختياراتهم بحرية، ما داموا راشدين يتحملون مسؤولية اختياراتهم.
مرة أخرى، قد يعتبر الكثيرون أن كل هذا مجرد ترف، وأننا نحتاج إلى ما هو أهم: حرية التعبير، المؤسسات القوية، التعليم، الصحة، إصلاح القضاء، البنيات التحتية… لا أحد ينفي اليوم كل هذا، لكني شخصيا أتساءل: كيف يمكننا أن نُكوّن أجيالا متوازنة، إذا علمناها أن القانون مرن، يمكننا تطبيقه متى استطعنا، ومخالفته متى تعذر علينا ذلك؟ كيف يمكننا أن نُكون أجيالا تحترم المؤسسات والقيم والقوانين، إذا كانت هذه الأجيال ترى، بشكل يومي تقريبا، كيف يتم خرق بعض القوانين، وكيف أصبحنا نسلم بالأمر بشكل عاد؟ ثم، وهذا الأهم: كيف يمكننا أن نسير إلى الأمام، إذا كنا نريد أن نستمر في ممارسة الوصاية على الأفراد؛ إذا لم يكن لدينا إيمان عميق بأنه من حق/من واجب كل شخص راشد أن يتحمل مسؤولية اختياراته، وأنه على الآخرين جميعا احترامها؟ إنها ليست حكاية كأس نبيذ أو غرفة في فندق، بل حكاية قيم، بكل بساطة.

بقلم : سناء العاجي, كاتبة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى