fbpx
مجتمع

الحـرب علـى المأذونيـات المـزورة بالبيضـاء

الأمن يطارد 300 سيارة أجرة تتجول بـ “كريمات” مشبوهة في ملكية مافيا

منذ عيد الأضحى إلى اليوم، فوجئ العديد من سائقي سيارات الأجرة الكبيرة والصغيرة، بمراقبة مشددة عليهم من قبل مصالح الأمن. في كل شارع، يفاجأ سائق بعناصر أمنية توقفه، وتطلب منه وثائق السيارة والاطلاع على المأذونية. وبعد تفتيش دقيق، يطلب منه المغادرة إن كانت وثائقه سليمة، وإلا فمصيره الاعتقال وحجز السيارة، إذا تبين أن هناك شبهات تستدعي البحث.

هذا التشدد، جعل العديد من الفاعلين في القطاع يستفسرون عن الأمر، فهم لم يعتادوا هذه الصرامة من قبل الأمن، لكن الأمر اتضح، فهناك سيارات أجرة تتجول بالبيضاء بمأذونيات مزورة. حاولت نقابات تسهيل مأمورية الأمن في ضبط المخالفين، فأمرت أعضاءها بالالتزام بالتنقيط اليومي، فلقيت المبادرة إقبالا في البداية، لكن عدد المتملصين من هذا الإجراء ارتفع، وقتها اتضح أن تزوير المأذونيات تتزعمه مافيات لها نفوذ كبير بالبيضاء.

300 مأذونية مزورة بالبيضاء

تتجول بشوارع البيضاء أزيد من 300 سيارة أجرة صغيرة وكبيرة تحمل مأذونيات مزورة، حسب تصريحات فاعلين نقابيين في القطاع، ما يجعل أمر تعقبها صعبا من قبل المصالح الأمنية المختصة، خصوصا أن أصحابها، يتعمدون استغلالها في أوقات تخف فيها حدة المراقبة والتفتيش.

الحصول على مأذونية مزورة ليس بالأمر الصعب، يقول نقابي في قطاع سيارات الأجرة، رفض الكشف عن اسمه، إذ يكفي فقط ربط الاتصال بوسيط، والاتفاق على الثمن، الذي لن يتجاوز ثمانية ملايين سنتيم، وبعد أيام، تسلم المأذونية مع دفتر تنقيط مزور بدوره، حتى لا تقع في إحراج مع الأمن، أثناء عملية التنقيط بنقط الأمن المخصصة.

بدا الأمر كأنه ضرب من الخيال، إذ يفترض على المزورين اتخاذ كل أشكال الحيطة والحذر، وعدم المغامرة بالتعامل مع الغرباء، خوفا من أن يكون الأمر كمينا، إلا أن النقابي ولتأكيد كلامه، أبدى استعداده إحضار رقم هاتف محمول لأحد الوسطاء، والاتصال به للتأكد من الأمر.

المتورطون … أشباح

كانت بداية البحث عن هذه المأذونيتان، من مقهى شهير بالبيضاء، من رواده نقابيون وسائقو سيارة الأجرة. ديكور المقهى يحيل إلى سنوات الثمانينات، تطبع البساطة جميع تجهيزاته. أمام بوابة المقهى، جلس أربعة من نقابيي قطاع سيارات الأجرة. طغت على أحاديثهم المشاكل التي يعانيها ممتهنو قطاع سيارة الأجرة. في كل مناسبة يتلقى أحدهم اتصالا عبر هاتفه المحمول، وتبين أنه مسؤول نقابة أسست حديثا. حاول خلال حديثه طمأنة المتصل، الذي يعاني مشكلا ما، وتأكيد أنه سيتدخل لحل مشكله.

أنهي المسؤول النقابي كلامه وبدت عليه علامة الاضطراب، حاول تبريرها بـ”كثرة الهم” التي صار يصادفها منذ أوكلت إليه مسؤولية النقابة.

بعد صمت لم يدم طويلا، أجاب النقابي عن سؤال حول طبيعة التزوير الذي يطول المأذونيات بالقول “الأمر لا يتعلق بمأذونيات تم التلاعب في تواريخها أو نسخها بأجهزة متطورة، كل ما في الأمر أن هناك مأذونيات توفي أصحابها، وعادت ملكيتها للدولة وصارت خارج الخدمة، إلا أن جهات، استطاعت الحصول عليها، وسلمتها لغرباء عن المهنة، الذين صاروا يستغلونها مقابل مبالغ مالية مهمة”.
وضح النقابي الفكرة بما حدث بمنطقة الحي الحسني عندما أوقفت شرطة المرور سيارة أجرة مشتبها فيها، وأثناء التدقيق في وثائقها ، تبين أنها تتجول بمأذونية ألغيت من قبل عمالة الفداء مرس السلطان منذ 1995، بعد وفاة صاحبها.

كما هناك طريقة أخرى يتورط فيها مالكو المأذونيات، وهي العمل بأربع سيارات للأجرة بمأذونية واحدة، إذ يتعمد المزور، وضع رقم المأذوينة نفسها على تلك السيارات، وتحديد مجال عملها بمناطق مختلفة ومتباعدة من قبيل وضع سيارة بعين السبع والأخرى بالحي الحسني لتفادي افتضاح الأمر، كما يتعمد عدم تسليم السائقين وثائق السيارة، إذ يظل محتفظا بها، وفي حالة تورط أحدهم في مخالفة، ينتقل مالك المأذونية ويسلم الشرطي الوثائق، على أنها تخص السيارة المتسببة في الحادثة.

مافيات غامضة

رغم ضبط عمليات التزوير وحجز سيارات الأجرة، ما زال الغموض يلف الجهات المتورطة في ترويج هذه المأذونيات بين السائقين. بالنسبة إلى النقابي يصعب توجيه أصابع الاتهام إلى جهات معينة، إذ في البداية تحدث البعض عن احتمال تورط موظفين في العمالات بتسريب هذه المأذونيات المنتهية الصلاحية، بحكم أنهم أعلم بالأمر ، إلا أن هذه الاتهامات تفتقد إلى دليل ملموس، وتعتبر إساءة في حقهم، مادامت الشرطة لم تتوصل في تحرياتها إلى تحديد المتورطين.

وأمام هذا الوضع المتفشي، اضطرت نقابة لسيارات الأجرة إلى عقد لقاء مع مسؤول أمني بارز بالبيضاء. تم اللقاء بمقر ولاية الأمن بعد إشعار المديرية العامة للأمن الوطني، وسلم فيه مسؤولو النقابة لائحة لأرقام مأذونيات مشكوك في صحتها. تفاعل المسؤول الأمني بشكل جدي مع هذا الموضوع، وأصدر تعليمات لعناصر الأمن من أجل تشديد المراقبة والبحث عن سيارات الأجرة التي تحمل أرقاما مزورة.
كانت النتيجة ايجابية جدا، إذ تم حجز أزيد من 10 سيارات أجرة مشكوكا في مأذونيتها بمنطقة عين السبع، كما تم حجز سيارات أخرى بالحي الحسني ومناطق بيضاوية أخرى.

حيل وتزوير

يدرك مستغلو المأذونيات المزورة جيدا أنهم تحت المراقبة، فوجودهم في شوارع البيضاء، سيثير انتباه نظرائهم في المهنة قبل الشرطة، لهذا، ابتكروا حيلا لتفادي افتضاح أمرهم.
أهم هذه الحيل، العمل ليلا، مستغلين قلة المراقبة الأمنية، وتفضيل أغلب سائقي سيارة الأجرة عدم الاشتغال ليلا، ما يفسح لهم المجال للجولان بأزقة البيضاء بكل حرية.
كما يتعمدون العمل بالمناطق التي تقل فيها المراقبة الأمنية، مثل الأحياء الشعبية، وتفادي العمل بالمناطق السياحية، والتي قد تعجل بافتضاح أمرهم.

لكن كما يقول المثل، “اللي فراس الجمل فراس الجمال”، أدرك مسؤولو الأمن هذه الحيل، ونصبوا سدودا قضائيا، في الفترة الأخيرة، شملت حتى شوارع بأحياء شعبية، والنتيجة حجز سيارات أجرة مشبوهة، في حين اضطر آخرون إلى التواري عن الأنظار، حتى تخف حدة المراقبة الأمنية.

مصطفى لطفي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى