حوادث

المساطر الاستنادية … الضابطة القضائية في قفص الاتهام

المحكمة الابتدائية بالرباط تجتهد في مواجهة المصرحين بالمحاضر

بات موضوع الاعتقال والإيداع بالسجن بموجب المساطر الاستنادية يثير نقاشا جديا في المنتديات المتعلقة بإصلاح العدالة. ودفع هذا الأمر المحكمة الابتدائية بالرباط إلى الاجتهاد في الموضوع، من خلال الاستجابة لبعض ملتمسات الدفاع في مواجهة المصرحين بالمحاضر أمام هيأة الحكم، لتكوين قناعتها في استصدار الأحكام الابتدائية، وإبعاد محاضر الضابطة القضائية في الكثير من الحالات.

إنجاز: عبد الحليم لعريبي

داخل المحكمة الابتدائية بالرباط، دخلت الهيأة القضائية المكلفة بقضايا الجنحي التلبسي/اعتقال إلى القاعة 1، وقف الحاضرون من أفراد عائلات المعتقلين والفضوليين الراغبين في معرفة طبيعة تصريحات الأظناء احتراما للهيأة. وداخل هذه القاعة لا يكاد يوم يمر دون مثول معتقلين بموجب مساطر استنادية في قضايا الاتجار بالمخدرات والسرقات، أمرت النيابة العامة بوضعهم رهن الاعتقال الاحتياطي بالسجن المحلي بالعرجات 1 بسلا، أو لدى مركز التهذيب والإصلاح التابع للمؤسسة السجنية، استنادا إلى اعترافات متهم على متهم.

ملتمسات استدعاء المصرحين
أغلب القضايا المرتبطة بالاعتقال الاحتياطي في إطار المساطر الاستنادية، يلجأ المحامون فيها إلى تقديم ملتمسات إلى هيأة المحكمة بضرورة إحضار المصرحين السابقين بالمحاضر، الذين كانوا سببا في اعتقال موكليهم وإيداعهم السجن، كما يطالب آخرون تمتيعهم بالسراح المؤقت إلى حين إجراء المواجهة بين الأطراف المذكورة بمحاضر الضابطة القضائية لتأكيد أو نفي تهمة الاتجار بالمخدرات. محام من هيأة الرباط اعتبر في ملتمسه أمام المحكمة أن محاضر الضابطة القضائية تبقى مجرد وسيلة للاستئناس فقط، وأن موكله يوجد في السجن حاليا “ظلما وعدوانا” بسبب تصفية حسابات معه، انتهت بالترصد له ووضعه رهن الحراسة النظرية، في الوقت الذي كان يبيع فيه وجبات سريعة للأكل بحي يعقوب المنصور، ويشتغل في الليل حارسا ليليا لإعالة أسرته، وإشعاره أنه موضوع مسطرة بحث استنادية بتهمة ترويج المخدرات، بعدما أقر موقوف بتهمة الاستهلاك والحيازة للشيرا، بأنه اقتنى الممنوعات من موكله.

ظل المحامي يوجه أوجه التناقض في اعتقال موكله، بناء على تصريحات “ظالمة”، منبها أن قرار الاعتقال الاحتياطي لم يستند على أساس واقعة التلبس في ترويج المخدرات بحي يعقوب المنصور، مضفيا أن الضابطة القضائية باغتت الموقوف وتوجهت به عبر سيارة للشرطة نحو مقر الدائرة الأمنية المسيرة، وأمرت النيابة العامة فورا بوضعه رهن تدابير الحراسة النظرية، رغم أن الموكل لا توجد له سوابق في الاتجار بالمخدرات، وإنما سوابق أخرى.

ولم ينته المحامي من طلب المواجهة حتى طالب بمنح موكله السراح المؤقت مقابل كفالة مالية لإثبات حضوره في الجلسة المقبلة، لكن المحكمة رفضت تسريحه وأبقت عليه في حالة اعتقال احتياطي، فيما استجابت لطلب الدفع في إجراء مواجهة له مع الموقوف السابق الذي ذكره أثناء التحقيق بأنه اقتنى منه المخدرات.

تبليغ المصرح بالحضور
سهر المحامي على تبليغ المصرح السابق للحضور إلى المحكمة، وما إن وجه إليه رئيس الجلسة أسئلة حول علاقته بالموقوف الموجود رهن الاعتقال الاحتياطي حتى نفى اقتناء المخدرات منه، وأنه يجهل طبيعة التصريحات التي أدليت في الموضوع ضد الموقوف، وبعدها شرع المحامي في اعتبار أن محاضر الضابطة القضائية هي مجرد وسيلة للاستئناس إلى أن يثبت العكس، وفعلا أقوال المصرح السابق أثبتت أن لا نية له في توريط موكله ولا توجد عداوة سابقة معه، كما أن الأقوال التي بنت عليها الشرطة المسطرة الاستنادية لم يصرح بها، كما أكد البائع المتجول بدوره أن تهمة الاتجار بالمخدرات لا أساس لها من الصحة.

البراءة
حينما انتهت المحكمة من الاستماع إلى الظنين ونفى فيه جميع الأقوال التي ذكرت في مسطرة الاستماع إلى المتهم بالحيازة والاستهلاك للمخدرات، أدخلت هيأة المحكمة ملفه للمداولة فقضت ببراءته من التهمة المنسوبة إليه، وغادر الموقوف أسوار المؤسسة السجنية.
حالة هذا الحارس الليلي تشبه عشرات الحالات التي يقدم فيها موقوفون بموجب مساطر بحث مرجعية، يقضون أياما من الاعتقال الاحتياطي، وبعدها يحصلون على البراءة، بعدما يكون القاضي المقرر في الملف قناعته الشخصية أثناء الجلسة.

وباتت المحكمة الابتدائية بالرباط تستجيب للعديد من الدفوعات الشكلية في إجراء المواجهات بين الموقوفين بموجب المساطر الاستنادية والمصرحين بالمحاضر، لكن حينما يكون المعتقل أنكر التهمة المنسوبة إليه أمام الضابطة القضائية والنيابة العامة والقاضي الجنحي المقرر في قضايا التلبس.

مصدر رفيع المستوى أوضح أن النيابة العامة تلجأ إلى الاعتقال الاحتياطي رغم إنكار الظنين التهمة المنسوبة إليه أمام الضابطة القضائية وقاضي النيابة العامة، خصوصا إذا كانت الشرطة تتوفر على معطيات تفيد اتجار الجانح في الممنوعات، لكن القاضي المقرر في الحكم إذا وجد بين يديه محاضر لإنكار المتهم وغياب حالة التلبس يستجيب لدفوعات المحامين في إجراء المواجهة بين الطرفين لقطع الشك باليقين في تكوين قناعته بوجود التهمة أم لا، ويصدر حكمه بناءا على ما راج داخل الجلسة من مناقشات.

قطع الاتجار بالتصريحات
مصدر “الصباح” لم يخف أن المحكمة تقبل فقط حالات معدودة في المواجهات بين المصرحين بالمحاضر أمامها، وذلك لقطع الاتجار بمحاضر الضابطة القضائية، خصوصا بين الجانحين الذين يتوفرون على سوابق قضائية، فيلجؤون إلى التراجع عن تصريحاتهم فور المناداة عليهم للشهادة وتتحول القضية إلى ابتزاز ووسيلة لجمع الأموال بطريقة غير مشروعة، ما يدفع المحكمة إلى قبول الملتمسات إلا في حالات محدودة لتكوين قناعة القاضي وقطع الطريق على المتاجرين في التصريحات.

3 أسئلة ل حاتم عريب * : لا بد من المواجهة الآنية

< ما هي العيوب التي تتضمنها المساطر الاستنادية؟
< المساطر الاستنادية تتضمن جملة من العيوب، إذ يجرى فيها الاستماع إلى المصرح الموقوف ولا يتم فيها الاستماع فورا إلى المصرح ضده، إلا بعد مرور شهور وسنوات، وبات مطلوبا في الوقت الراهن أن تباشر الضابطة القضائية أبحاثها آنيا كلما صرح مستهلك للمخدرات أو مروج بتزويده من متهم آخر، حتى تظهر الحقيقة أمام الشرطة قبل وصولها إلى النيابة العامة، ونلاحظ الآن أن المعتقلين في قضايا الاتجار بالمخدرات بموجب المساطر الاستنادية، سجلت في حقهم هذه المساطر منذ سنوات، وهو ما يعرقل الوصول إلى الحقيقة أمام العدالة، إذ أن القطع مع اختلالات هذه المساطر هو “المواجهة الآنية” وضم مرفقات المصرحين فور إحالتها من قبل الضابطة القضائية على النيابة العامة، ولهذا لا يجب أن تأخذ المساطر الاستنادية شهادة أمام المحكمة.

< هل فعلا تستعمل هذه المساطر للابتزاز و تصفية حسابات؟
< نعم يلجأ العديد من المصرحين إلى توريط آخرين في قضايا لا يتم الكشف عنها إلا بعد مرور مدة من الوقت، إذ يتهم مثلا موقوف في الاتجار بالمخدرات بأنه يتزود بمخدرات من تاجر آخر والهدف يبقى رغبة هذا المعتقل هو الزج بمنافسه في السجن، حتى يفتح لنفسه الطريق في الاتجار بكل حرية.

< إذن في نظرك المحكمة تعتمد على المساطر الاستنادية في الإدانة؟
< إذا كانت هناك اعترافات للموقوف بموجب مسطرة استنادية فالمحكمة غالبا ما تدينه بالحبس النافذ، أما إذا كان هناك إنكار طيلة مراحل البحث بداية من الضابطة القضائية والنيابة العامة وقاضي التحقيق وهيأة المحكمة، ينال الظنين حكما بالبراءة.

* محام بهيأة الرباط

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق