حوادثمقالات الرأي

تقييد الأحكام والعقود الصادرة بالخارج

إضفاء الصيغة التنفيذية على الوثائق شرط من شروط السيادة ( الحلقة الثالثة)

بقلم: السباغي مبارك *

إن جل حالات التزوير تأتي من خارج الوطن، إما على صعيد أوراق عرفية للبيع أو التبرع أو وكالات عرفية أو رسمية، وقد يصعب على أي جهة كانت التنبؤ بالزور والتزوير أو اكتشافه بسهولة، وقد يصل الأمر إلى مراسلة جهات معنية للتأكد من صحة الوثيقة ويتوصل المحافظ بأجوبة تؤكد صحتها أو يرفع الأمر إلى المحكمة المختصة التي تصدر حكما ضد المحافظ العقاري تأمره بتقييد العقد المرفوض، رغم وجود زور سيكتشف فيما بعد.
لقد تبنى المشرع المغربي مبدأ الأثر المنشئ للتقييد الذي كرسه الفصلان 65 و66 من ظ.ت.ع، وذلك نظرا لأهمية هذا المبدأ وما له من فوائد بالغة الأهمية والأثر. فتقييد الأحكام والعقود الأجنبية في السجل العقاري، يكسبها كما ذكر سابقا قوة ثبوتية مطلقة بالنسبة إلى الغير حسن النية، حيث لا يمكن إبطالها بأي حال من الأحوال.

5 التدابير المتخذة للحد من ظاهرة التزوير
أمام “استفحال ظاهرة الاستيلاء على عقارات الغير” خاصة تلك المملوكة للأجانب أو المغاربة المقيمين بالخارج، وكذا مكافحة عمليات التزوير التي تتعرض لها العقود الخارجية، والتي اتضح أنها تتم غالبا عبر استغلال الثغرات التشريعية أو التزوير في المحررات، جاءت الرسالة الملكية السامية الموجهة إلى وزير العدل والحريات بتاريخ 30 دجنبر 2016، والتي تضمنت توجيهات سامية تدعو إلى ضرورة محاربة أفعال الاستيلاء على عقارات الغير ومحاولة وضع الإطار العام لهذه الظاهرة من أجل التصدي الحازم والفوري لها. وهو الأمر الذي جعل وزارة العدل تعمل على إحداث لجنة موسعة ومكونة من عدة وزارات خلصت إلى اتخاذ تدابير من أهمها:

– تعديل المادة الرابعة من مدونة الحقوق العينية تفاديا لاستعمالها في الاستيلاء على عقارات الغير بتغطية من القانون وتممت بقانون رقم 16.69 على النحو التالي : ” يجب أن تحرر ـ تحت طائلة البطلان ـ جميع التصرفات المتعلقة بنقل الملكية أو بإنشاء الحقوق العينية الأخرى أو نقلها أو تعديلها أو إسقاطها وكذا الوكالات الخاصة بها بموجب محرر رسمي، أو بمحرر ثابت التاريخ يتم تحريره من قبل محام مقبول للترافع أمام محكمة النقض، ما لن ينص قانون خاص على خلاف ذلك…”
– حث المحافظين على الأملاك العقارية على رفض كل تقييد يتعلق بهذا الموضوع، متى كان هناك شك في صحة المعاملة؛
– حث المحافظين على الأملاك العقارية على إدخال الطرف المعني بالعقار في أية دعوى ترمي إلى إلغاء قراراتهم المتخذة بخصوص هذا الموضوع؛
– دعوة النيابة العامة إلى التدخل في الدعاوى المدنية المرتبطة بالموضوع، مع إجراء التحريات اللازمة قصد الوقوف على الحقيقة و تقديم الملتمسات الضرورية في الموضوع و إيلاء القضايا المذكورة الأهمية اللازمة؛
– تدخل النيابة العامة في ملفات تذييل العقود الأجنبية المتعلقة بتفويت العقارات المذكورة بالحزم و الاهتمام البالغين؛
– حث النيابات العامة على القيام بالإجراءات القانونية اللازمة لإجراء حجز على العقارات التي تكون موضوع تصرفات تشكل جريمة ؛
– التنسيق بين العدول و الموثقين و المحامين المؤهلين لتحرير العقود و النيابات العامة المختصة من أجل ضبط حالات التزوير؛
– تشجيع الملاك على سحب نظائر الرسوم العقارية المتعلقة بهم؛
– إنجاز إشهار رقمي من قبل الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية و المسح العقاري و الخرائطية لكافة الرسوم العقارية، تتيح للملاك تتبع وضعية عقاراتهم من خلال الاطلاع على البيانات المسجلة بالرسم العقاري التي تهمهم عبر البوابة الإلكترونية دون تحمل عناء التنقل إلى المحافظة العقارية؛
– التفكير في إنجاز سجل وطني للوكالات و الإراثات و الوصايا و غيرها…
– النظر في إلزام المتعاقدين بإبرام التصرفات المتعلقة بالعقارات الموجودة بالمغرب داخل الوطن.
– تفعيل المحافظين لصلاحياتهم فيما يتعلق بمراقبة السندات المدلى بها من قبل المعنيين بالأمر تدعيما لطلبات التقييد.

فبعد شهور قليلة واستجابة للرسالة الملكية السامية ولشكايات ضحايا السطو على الممتلكات، تم إخراج مشروع قانون رقم 18-31 بتغيير وتتميم الظهير الشريف الصادر في 9 رمضان 1331 (12 غشت 1913) بمثابة قانون الالتزامات والعقود. يتعلق بإحداث سجلات للوكالات وللشركات المدنية التي لها صلة بالعقار لدى كتابة الضبط بالمحكمة الابتدائية، يمكن الجهات المكلفة بالتوثيق والمحافظات العقارية من الحصول على مرجعية قانونية واضحة تساهم في تعزيز الأمن التوثيقي والتعاقدي والعقاري حماية لحقوق الأشخاص وتحصينا لممتلكاتهم وتفاديا لما يسمى بظاهرة الاستيلاء على أملاك الغير عن طريق التزوير والتدليس والاحتيال والنصب.

6 المسؤولية المدنية للمحافظ
إن قبول المحافظ تقييد عقود أو أحكام قضائية أجنبية دون إخضاعها للصيغة التنفيذية يجعله يتحمل المسؤولية المدنية، وقد يتعرض حتى للمسؤولية التأديبية. وهنا نتساءل هل التقييد تقييد فاسد يجب إبطاله أم هو باطل أصلا لأنه مخالف لنصوص تشريعية آمرة لا تقبل أي تأويل؟ إن القضية تتعلق بالنظام العام المغربي واعتبار التصرف تصرفا باطلا لا ينتج أي أثر، لأن الباطل والعدم سواسية.

لكن يجب الإشارة إلى أن بعض الأحكام أو العقود الأجنبية بعد قراءتها من قبل المحافظ تبدو بعيدة كل البعد عن المساس بالنظام العام والأخلاق الحميدة ولا يشوبها شك ولا غموض، مثلا حكم قضائي بصحة شراء شخص أجنبي لعقار بالمغرب، أو في حالة وكالة محررة بالعربية صادرة عن دولة عربية إسلامية تعطي الصلاحية لشخص بالمغرب من أجل إبرام عقود تبرع لفائدة المؤسسات الخيرية وبناء مساكن للمعوزين والمحتاجين. فإضفاء الصيغة التنفيذية على هذه الوثائق شرط من شروط السيادة، ولا يمكن تصور رفض استصدار حكم بتذييلها بالصيغة التنفيذية.

ليس هناك شك ولا غموض في هذا النوع من التصرفات الخارجية. وفي حالات أخرى قد يتوصل المحافظ برسوم رسمية عدلية أو قضائية تتعلق بوفاة شخص أجنبي مسلم من ورثته المسلمين الذين ورثوا عقارات منه في المغرب. وقد يتعلق الأمر بوكالة رسمية أجنبية من أجل شراء عقار بالمغرب. لكل هذه الأسباب من الجائز أن يجتهد المحافظ ويقبِل التقييد دون التذييل بالصيغة التنفيذية. هنا يطرح السؤال هل على المحافظ التشبث بحرفية النص أو بروحه؟

* موثق بالبيضاء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق