حوادثمقالات الرأي

تقييد الأحكام والعقود الصادرة بالخارج

قانون التحفيظ العقاري مفتوح على جميع الأشخاص الذاتيين والاعتباريين (الحلقة الأولى)

كلنا نعلم أن قانون كل بلد من بلدان العالم يعتبر مظهرا من مظاهر السيادة، يعمل به مكانا وزمانا فوق مجموع التراب الوطني، حيث يسري على المجتمع برمته داخليا وخارجيا عبر السفارات والقنصليات وحتى على السفن، مما يضفي على كل شخص صفة مواطن له جنسية الدولة التي ينتمي إليها. غير أنه نلاحظ اليوم نظرا لتطور العلاقات الدولية الجماعية أو الثنائية، وأمام تطور المواصلات والاتصالات وفتح الحدود أو إزالتها، أن كل شخص من الرعايا والجالية لدولة ما يصبح في وضع مزدوج وأحيانا معقد، لأنه من جهة أضحى خارج نطاق سلطتها الإقليمية لانتقاله إلى دولة أخرى اختياريا أو مجبرا، والمثل بالمثل لما يحل بترابها مواطن من دولة أخرى تستقبله أو ترفض استقباله، ترعاه أحسن رعاية أو تعتبره مهاجرا غير شرعي.

بقلم: السباغي مبارك *

إن الانفتاح أو الاختلاط بين دولتين مختلفتين سيادة وسياسة وثقافة ودينا ومجتمعا تنتج عنه إشكالات قانونية تتجاوز مفهوم الدولة الواحدة، خاصة في العلاقات التي تجمع بين أجناس مختلفة خاضعة للقوانين المحلية للدولة المضيفة وللقوانين المطبقة في بلدانهم الأصلية كالزواج المختلط أو الطلاق أو كالنزاع في حق أو الاعتراف به فوق تراب الدولة المضيفة يقتضي من الطرف المستفيد من وثيقة أو سند أو حكم أن يطلب قبوله أو تنفيذه في بلده الأصلي، والعكس بالعكس صحيح. هنا يطرح السؤال حول الجهة المختصة من إدارات ومحاكم للبث في الطلبات والمنازعات وفي القانون (أو القوانين) الواجب التطبيق. والمشكل بعد ذلك يتجلى في كيفية تنفيذ الأحكام والعقود المبرمة بدولة وتتلقاها دولة أخرى من أجل تنفيذها وترتيب آثارها. وقد يزداد الأمر تعقيدا على مستوى معرفة ما هي القوانين التي تتبع الشخص أينما حل وارتحل كقانون الجنسية وقانون مدونة الأسرة والقوانين التي تنزع منه في مجالات أخرى.

أمام هذه المظاهر والمشاكل، تطور التعاون الدولي وساهم بشكل كبير في حل بعض الإشكاليات الناتجة عن هذه العلاقات الخاصة والنزاعات، التي يتطلب حلها تدخل دولتين على الأقل أو أكثر من ذلك.
في هذا السياق عمل المغرب على تعزيز التعاون الدولي إيمانا منه في الحماية المتبادلة لحقوق الأشخاص ومتطلباتهم المشروعة. لذلك انخرط وصادق على العديد من الاتفاقيات الدولية في مختلف المجالات، منها ما يتعلق بالحقوق الشخصية للشخص كان قاصرا أو راشدا ذاتيا أو معنويا، ومنها ما يتعلق بالتعاون القضائي وتنفيذ الأحكام الأجنبية وتسليم المجرمين.

موضوع تقييد العقود والأحكام القضائية الأجنبية بالسجلات العقارية موضوع متشعب وشائك أن محتواه صعب المنال، والإحاطة بكل جوانبه مهمة صعبة حتى على مستوى المحافظة العقارية لأن الأمر يتعلق بأوراق رسمية وعرفية تخضع لقوانين أجنبية وغالبا محررة بلغاتها الرسمية ليس من المفروض على المحافظ العقاري معرفتها والتمكن منها. غير أنه بصفته هاته يجد نفسه مجبرا على اتخاذ القرار المناسب إما بقبول الطلب وإما برفضه، وفي كلا الحالتين يتحمل المسؤولية الكاملة من موقفه السلبي أو الإيجابي. وما يسري على طلبات التقييد يسري على طلبات التشطيب. وقد يتعلق الطلب برسم عقاري كما يمكن أن يتعلق بمطلب تحفيظ وهنا تكون مسؤولية المحافظ أقل وقعا من تلك المتعلقة بالتقييدات والتشطيبات. عموما لما يتلقى المحافظ أحكاما أو عقودا صادرة من الخارج فإنه يطبق بشأنها ما يطبق على الوثائق والمحررات الصادرة داخل أرض الوطن بمفهومها الواسع الذي يشمل القنصليات والسفارات المغربية بالخارج التي هي امتداد للتراب الوطني ولسيادته.

إن قانون التحفيظ العقاري مفتوح على جميع الأشخاص الذاتيين والاعتباريين وحتى على الدول إن كانت القوانين والأنظمة لا تحد من حرية الشخص أو الدولة الأجنبية في التصرف في العقار الموجود بالمغرب أو تمنعه تماما من اقتنائه أو التصرف فيه. فلا مناص للمحافظ من تطبيق مقتضيات الفصول 72، 73 و 74 من ظهير التحفيظ العقاري المؤرخ في 12/08/1913 كما تم تعديله وتتميمه بالقانون 14-07، و ما ينتج عنها من مسؤولية شخصية للمحافظ إذا حصل ضرر للغير، زيادة على ما يقتضيه قانون المسطرة المدنية المغربي وبالخصوص الفصول 430، 431 و 432، ومدونة الأسرة على مستوى المادة 128 من القانون 70-03، مع مراعاة بعض الخصوصيات المتعلقة بالاتفاقيات الدولية كالتي أبرمت بين المغرب وفرنسا الاتفاقية المبرمة بتاريخ 05-10-1957 بين المغرب وفرنسا و المتعلقة بالتعاون القضائي وتنفيذ الأحكام وتسليم المجرمين والبروتوكول الملحق بها، والبروتوكول الإضافي المؤرخ في 10-08–1981 وبين المغرب و إسبانيا الاتفاقية المؤرخة في 30 – 05 – 1997 المتعلقة بالتعاون القضائي في المواد المدنية والتجارية والإدارية التي تعفى من التصديق، أو من أي إجراء مماثل على الوثائق الصادرة عن السلطات القضائية أو السلطات الأخرى لإحدى الدولتين وكذا الوثائق التي تشهد بصحتها وتاريخها وصحة توقيعها أو مطابقتها للأصل عند الإدلاء بها فوق تراب الدولة الأخرى. وبين المغرب والسنغال الاتفاقية المبرمة بتاريخ 27-03-1964 والمتعلقة باقتناء عقارات فلاحية خارج المدار الحضري وبين المغرب وتونس اتفاقية الاستيطان المبرمة بتاريخ 09 -12 -1964 المتعلقة بحيازة الأملاك العقارية والمنقولة والتصرف فيها بكافة أنواع التصرف.

ونتساءل لمعرفة هل فعلا تعفي هذه الاتفاقيات من الإدلاء برخص أو شهادات إدارية، وحتى من التذييل بالصيغة التنفيذية من طرف القضاء المغربي؟ وكثيرا ما تكون من بين هذه الوثائق كلها وثائق لا تحتاج إلا للتصديق من طرف وزارة الخارجية بالمغرب ومنها التي تخضع سوى لشكلية الأبوستيل وهو نظام مستحدث صدر بموجب الظهير الشريف رقم 1.15.149 بتاريخ 12 يناير 2016، يتعلق بالمصادقة على الاتفاقية الدولية المتعلقة بإلغاء إلزامية التصديق على العقود الأجنبية الموقعة بلاهاي 5 أكتوبر 1961. بمجرد دخوله حيز التطبيق بتاريخ 14 غشت 2016، أصبحت كل العقود العمومية الأجنبية الواردة على المغرب أو الصادرة منه ،بما فيها العقود الرسمية تخضع لشكلية الأبوستيل. وهو إجراء شكلي يرمي فقط للتصديق على صفة الموقع، التعريف بالختم والتوقيع دون المساس بجوهر ومضمون الوثيقة أو العقد. ولا يمكن الخلط بينه وبين التذييل بالصيغة التنفيذية، حيث هاته الأخيرة تركز في جوهر ومضمون العقد أو الوثيقة.

1 قبول طلب التذييل بالصيغة التنفيذية
رغم أن العقود الأجنبية عقود مستوفية لكافة الشروط الشكلية والجوهرية، أو أن هذه الأحكام حازت قوة الشيء المقضي به في البلدان التي أصدرتها وقابلة للتنفيذ خارجيا، إلا أنها عند تقديمها للمحافظ العقاري لا يمكنها أن تحظى بالتقييد مباشرة والتمتع بالحصانة والحماية التي يتميز بها ظهير12-08-1913 المتعلق بالتحفيظ العقاري، بل لابد لهذه العقود والأحكام أن تذيل بالصيغة التنفيذية كما ورد في الفصل 418 من قانون الالتزامات والعقود الذي بين على أن الأحكام الأجنبية تكون حجة على الوقائع التي تثبتها قبل أن تكون واجبة التنفيذ ولكنها لا تقبل التنفيذ الجبري في المغرب على حالتها، وإنما يجب تذييلها بالصيغة التنفيذية، لأنه بدونها ما هي إلا مجرد سندات، لذلك أخضعها المشرع المغربي في قانون المسطرة المدنية للإجراءات نفسها التي تخضع لها العقود المبرمة بالخارج أمام الضباط والموظفين العموميين المختصين.

* موثق بالبيضاء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق