حوادث

المجلس الأعلى للقضاء والإصلاح القضائي

عبد الرحيم بن بركة
الدستور والنظام الأساسي للقضاة لم يتطرقا إلى مسطرة تقلد منصبي الرئيس الأول والوكيل العام للملك لدى المجلس الأعلى

أجمعت الآراء على ضرورة إصلاح القضاء، واعتبرت أن الأمر يقتضي إعادة النظر في عديد من الأمور المرتبطة به، خصوصا أن القضاء لم يعرف لعدة عقود أي تغيير أو تحديث يـوازي التحولات العميقة التي عرفها المجتمع المغربي منذ استقلاله، أي منذ أزيد من خمسين سنة.

لم يبق موضوع إصلاح القضاء مجرد شعار يتم رفعه لهدف سياسي لمرحلة معينة وإنما أصبح مطلبا من المطالب المحورية التي نادت بها أحزاب المعارضة سابقا والجمعيات الحقوقية، وفي مقدمتها جمعية هيآت المحامين بالمغرب التي ظلت منذ تأسيسها تنادي بضرورة إصلاح القضاء، وذلك بضمان استقلاله أساسا، مما حذا بهيأة الإنصاف والمصالحة أن تخصص في تقريرها النهائي جزءا هاما يهم القضاء وما طاله من تجاوزات، واعتبرت أن موضوع القضاء من الأوراش الهامة التي ينبغي أن يطولها الإصلاح.
وظل موضوع الإصلاح الذي رفعته الدوائر الحكومية نفسها بداية من سنة 1996 مع ذلك موضوعا مرحليا محددا لم يعرف إصلاحا شاملا رغم أن صاحب الجلالة دعا في خطابي العرش لسنتي 2007 و 2008 إلى الإصلاح الشامل، إلا أن الدوائر الحكومية لم تلتقط فحوى هذا الخطاب ولم تبادر إلى تطبيق مضمونه والتفكير في إيجاد الصيغة المثلى لذلك، واكتفت بعرض بعض القوانين على الكتابة للحكومة قصد اتباع الطرق التقليدية دون أي حرص أو تعجيل، ودون إعطاء برنامج شامل، مما حذا بجلالته إلى تخصيص خطابه بمناسبة الذكرى السادسة والخمسين لثورة الملك والشعب لسنة 2009 لهذا الموضوع، ودعا إلى»بلورة مخطط متكامل ومضبوط يسجد العمق الاستراتيجي للإصلاح كما دعا إلى «الإصلاح الشامل والعميق للقضاء، مـوازاة وتعزيزا لأوراش التحديث المؤسسي والتنموي الذي نقوده».
فبعد أن أشاد جلالته بتجاوب كافة الهيآت والفعاليات المؤهلة مع الإصلاح، وحرصها على استمرارية هذا النهج البناء فانه أعلن عن اعتزامه على «إيجاد هيأة استشارية قارة تعددية وتمثيلية تتيح للقضاء الانفتاح على محيطه، ويشكل إطارا مؤسسيا للتفكير في تبادل الخبرات بشأن القضايا ذات الصلة بالعدالة، في احترام المؤسسات الدستورية واستقلال السلطة القضائية».
بهذه العبارات التي استهل بها جلالته خطابه الهام الذي كرسه أساسا للإصلاح القضائي الشامل، فانه حدد في خطابه سبل هذا الإصلاح، بل أعطى المنهجية والخطوط العريضة والدقيقة لمنهجية الإصلاح المطلوب، واعتبر جلالته أن «الإصلاح الجوهري للقضاء حجر الزاوية في ترسيخ الديمقراطية والمواطنة لدى الشباب والأجيال الحاضرة والصاعدة».
وبذلك فان محاور الإصلاح الشامل للقضاء عديدة ومتنوعة سأقتصر على محور واحد منها، على اعتبار انه هو المحور الأساسي لكل إصلاح، وهو المجلس الأعلى للقضاء كمؤسسة دستورية بإمكانها، اذا أعطيت الإمكانيات، أن تقود الإصلاح وتسجد بعمق مبدأ استقلال القضاء.
إن المجلس الأعلى للقضاء مؤسسة دستورية تم إنشاؤها مع أول دستور للمملكة سنة 1962 وظلت على حالتها لم يلحقها أي تغيير أو تعديل في جميع صيغ دساتير سنـوات 1970 و1972 و1992 و 1996، فقد نصت جميعها وبالصيغة نفسها على أن: «القضاء مستقل عن السلطتين التشريعية أو التنفيذية» (المادة 82)، و»الملك هو الذي يعين القضاة بظهير باقتراح من المجلس الأعلى للقضاء (المادتان 83 و84)، و» قضاة الأحكام لا يعزلون ولا ينقلون إلا بمقتضى القانون» (المادة 85)، و»المجلس الأعلى للقضاء هو الذي يسهر على تطبيق الضمانات الممنوحة للقضاة في ما يرجع  لترقيتهم وتأديبهم» (المادة 87).
ويتكون المجلس الأعلى حسب المادة نفسها من الدستور برئاسة الملك من أعضاء معينين بقوة القانون بحكم مناصبهم القضائية، ومن أعضاء منتخبين من لدن رجال ونساء القضاء، وفق النظام الذي حدده مرسوم 27/12/1975 كما وقع تغييره وتتميمه، فالأعضاء المعينون، هم وزير العدل بصفته نائبا للرئيس، والرئيس الأول للمجلس الأعلى، والوكيل العام للملك لدى المجلس نفسه، ورئيس الغرفة الأولى به.
أما الأعضاء المنتخبون فعددهم ستة اثنان يمثلون هيأة قضاة محاكم الاستئناف وأربعة يمثلون قضاة محاكم الدرجة الأولى، إلا أن النظام الداخلي للمجلس الأعلى للقضاء الذي احدث في دورة دجنبر 1999 أضاف إلى هيأة المجلس عضوا تنفيذيا آخر هـو الكاتب العام لوزارة العدل الذي وإن كان يحضر الأشغال دون حق التصويت ولكنه يحضر بصفته الإدارية والتنفيذية.
وبما أن الملك لا يترأس مباشرة وبصفة فعلية اجتماعات المجلس وأشغاله خلال الدورات التي يعقدها والتي تدوم لمدد قد تطول أحيانا إلى شهور فان الرئاسة تنتقل بصفة فعلية إلى نائب الرئيس الذي هو وزير العدل.
ويبقى التساؤل المطروح دائما حول مدى فعالية المبادئ التي حددها الدستور، وهل النصوص التشريعية والتنظيمية المتعلقة بالتنظيم الهيكلي المؤسساتي للقضاء والتي تنظم العلاقات المختلفة للقضاة داخل المحاكم، أو مع وزارة العدل ووزير العدل ومع المجلس الأعلى للقضاء تضمن بصورة صحيحة وتامة استقلال القضاء؟
فالدستور والنظام الأساسي للقضاة لم يتطرقا إلى مسطرة وشروط تقلد منصبي الرئيس الأول والوكيل العام للملك لدى المجلس الأعلى، وهما عضوان رسميان في المجلس، فهما منصبان رفيعان في الهرم القضائي، وكان من المفروض أن يكون تعيينهما بظهير، بناء على اقتراح من المجلس الأعلى للقضاء، لكن الأمر جرى على تعيينهما بظهير فقط، كما هو الشأن في تعيين كبار موظفي الدولة، وهذا يعني أن تعيينهم يخرج عن سلطة القضاة أنفسهم، ويبقى بذلك اقتراحهما بيد السلطة التنفيذية، مما يؤثر سلبا على مبدأ استقلال القضاء.
ولضمان عمل المجلس وتسيير وتنظيم وتدبير شؤونه الإدارية أحدث القانون هيأة كتابة المجلس تسند إلى قاض من الدرجة الثانية، وان كان القانون أعطى سلطة تعيينه للملك بصفته رئيس المجلس، إلا انه وضع سلطة الاقتراح بيد وزير العدل، الذي يملك أيضا في حالة شغر هذا المنسب لأي سبب كان سلطة مباشرة في تعيين خلف له، ولم يحدد النص لا أسباب الشغر، ولا مدة تعيين الخلف ولم يربط كل ذلك باستشارة المجلس الأعلى للقضاء المعني المباشر بالأمر، إضافة إلى ذلك فان التنظيم الهيكلي لوزارة العدل جعل كتابة المجلس مرتبطة بصفة مباشرة بالوزير وتابعة له، بل وجعل مقرها ومقر المجلس الأعلى للقضاء أيضا ببناية وزارة العدل نفسها، فلا يتوفر بذلك المجلس على بناية مستقلة، وليست له ميزانية خاصة به، وبذلك يندمج بصفة كلية في هيكلة وزارة العدل.
وان نظام انتخاب ممثلي القضاة في المجلس الأعلى لا يعكس هو أيضا الاستقلال المفترض في هيأة اسند لها الدستور صلاحية السهر على الضمانات الممنوحة للقضاة ومنها ضمان استقلالهم، إذ أعطى النظام الأساسي للقضاة لوزير العدل صلاحيات واسعة ومطلقة في مجال تحديد قواعد وشروط انتخاب ممثلي القضاة بالمجلس، فهو الذي يضع اللائحة الانتخابية، ويتلقى الشكايات والطعون بشأنها، وبشأن الترشيحات، له سلطة البت فيها، وهو الذي يحدد موعد الاقتراع ويعين القضاة من أعضاء مكاتب التصويت، بناء على اقتراح الرئيس الأول والوكيل العام للملك لدى المجلس الأعلى، واليه ترفع نتائج الفرز عبر كاتب المجلس الأعلى للقضاء ومنه تقدم للجنة الفرز.    

 عبد الرحيم بن بركة: نقيب سابق بهيأة المحامين بالرباط

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق