الأولى

الكاميرا الخفية … عسر الإفطار في التلفزيون

ملايين المغاربة يقهقهون إعجابا والآلاف يبكون فرحا ووكالات عالمية تنقل إعجازها

سَكَنَ الليل، مباشرة بعد إفطار أول أيام رمضان، ثم فجأة، تعالت قهقهات ملايين المغاربة، وبكى الآلاف فرحا، فتدفقت دموعهم وديانا وأنهارا بين شوارع المدن ومسالك القرى، وتردد صداها ليصل إلى كل القنوات التلفزيونية العالمية التي بثت خبرا عاجلا بشريط أحمر:” وفيات بالمغرب بسبب أزمات قلبية من كثرة الضحك”.

ولأن المغاربة شعب يحب الابتسامة، ويعشق المقالب، فقد من عليه المسؤولون في القناتين المغربيتين، الأولى والثانية، بكاميرات خفية ونادرة وخفيفة ظل، لا ترى بالعين المجردة، ولا تصطاد إلا البسطاء المؤدبين الذين يصدقون كل شيء.

يقهقه المغاربة، هما وحزنا على رداءة برامج تلفزيونية، فتظهر أسنان “العقل”، حين يشاهدون سائق سيارة أجرة يقود سيارته بجلابة ولحية كثيفة، في حركات مصطنعة (عدم التحكم في المقود ومحاولات الانعطاف)، أو يعاينون مراقب امتحانات السياقة، يحمل ورقة، ويتكلم عن علامات تشوير غريبة، وظهور فرق موسيقية وسكة قطار خيالية… ويصدق الزبناء والممتحنون كل ذلك، ثم يبتسمون في نهاية الكاميرا الخفية.

لم ترق قساة القلوب “الكاميرا الضاحكة” في القناة التلفزيونية الأولى، فهي، في نظرهم، ابتذالا للذوق، واستهتارا بذكاء المشاهدين، فالضحايا لا يكتشفون موقع الكاميرا مبثوثة داخل السيارة رغم تعدد زوايا التصوير، والمخرجون لا ينتبهون إلى رداءة المونتاج حين يظل السائق يدور في دائرة محدودة من الأزقة، فتعاد اللقطات الخلفية، ثم يصدم المشاهدون بالوصول إلى منطقة فلاحية … أما الحوار وفحوى المقلب، فتتعلق أساسا بحوار ممل غير واقعي، وردود أفعال مصطنعة من قبيل:”دور هنا… أ صاحبي ماشي هذيك الطريق…”.

وأصيب غلاظ القلوب أنفسهم بأزمات حادة، مباشرة بعد مشاهدتهم فقرة “كاميرا شو” بالقناة الثانية، فرشيد العلالي الذي وعد بمفاجآت ولحظات طريفة مختلفة، ومضمون مميز أتحف المفطرين ب”كاميرا خفية” لا ذوق ولا طعم ولا رائحة لها، وربما لن تضحك، حتى رشيد نفسه، وتحكي اجتياز مرشحين امتحانات السياقة (في منطقة يعلم البيضاويون أنها لا تنظم فيها الامتحانات)، ثم يكشف مضمونها عن مستوى هزيل في التعامل مع المشاهدين، بحثا عن إضحاكهم، فسقط في  التمييع، فظهور “الجمل” و”الدقايقية” والقطار وشخص يطير في الهواء، وتصوير خارجي رديء، والحبكة البسيطة جدا جعلت مقالبه أكثر تعبيرا عن فقر في الإبداع.

ولأن القناتين معا تؤمنان أن “الكاميرات الخفية”، وحدها تضحك المغاربة، وتضمن عائدات مالية من الإشهار، فلا بأس من بثهما في أوقات الذروة، ولو تحولت إلى فقرة “غدايد” تدفع الأسر إلى الضغط على زر التحكم في القنوات للهروب إلى “الفضاء”، فالفكاهة على طريقة “كاميرا شو”، و”الضاحكة” وسائق سيارة الأجرة “بسالة” وضحالة في الإبداع.

خالد العطاوي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق