حوادث

المجلس الأعلى للأمن

لم يتم التنصيص على تنظيمه وتسييره بمقتضى قانون تنظيمي

الحديث عن مجلس أعلى للأمن بالمغرب، له جوانب متعددة، حيث إننا بحاجة لتحقيق تراكم معرفي ضروري ولاجتهادات حاضرة، وتنبؤات موضوعية مستقبلية،  لا تحتمل الخطأ، فالبحث فيه وتتبع معالمه و رسم أسسه ومفاهيمه، وتخطيط هيكله كلها أفكار لإثارة موضوعه ومحاولة لتوليد مفاهيمه،  خصوصا أن الموضوع ما زال يفتقر إلى الدراسات الأولية.

(2/1)

بقلم:   عبد اللطيف الشامي  *

رغم أهمية الموضوع فالمكتبة المغربية عامة والأمنية بالخصوص مازالت في حاجة لمعالجة الموضوع معالجة دستورية وعلمية وأمنية .                                                                               

الإثبات التاريخي قائم على أن المجتمع البشري ومنذ وجود الدولة وعبر كل أشكال تكويناتها السياسية،  كان حريصا على أمنه وسلامته، واستقراره وبقائه، بل وعلى امتداد سيطرته عبر ما كان يتخذه وبواسطة الدولة، من التدابير والأوضاع التنظيمية والعملية والعسكرية، إلا أن الأمن بمفهومه ومحدداته ومصطلحاته، وكما هو معروض اليوم في النظريات السياسية والتطبيقات العملية، متضمن معنى الحفاظ على المجتمع بنظامه ومؤسساته القائمة وأفراده وقيمه الداخلية، من التهديدات التي قد تعاظمت بتطور التكنولوجيا كالجريمة المنظمة، والهجرة السرية، والإرهاب، والمخدرات، وندرة موارد الطاقة والمياه …، وكل ما يرتبط من مشاكل اقتصادية .

إن التركيز على الفصل 54 من الدستور 2011  (الظهير الشريف رقم 1.11.91 بتاريخ 29  يوليوز 2011 ، بتنفيذ دستور المملكة المغربية الجديد، والمنشور بالجريدة الرسمية في 30 يوليوز ) كناظم بنيوي بحيث ارتقى الفصل المذكور بالمجلس الأعلى، للأمن فأصبح مؤسسة دستورية، بالإضافة إلى توليه الإستراتيجيات الأمنية، وتدبير الملفات الأمنية الكبرى التي تعرفها البلاد.   

فالتنصيص الجديد على هذه المؤسسة التي تم إحداثها لأول مرة في الحياة الأمنية والسياسية المغربية نظرا لأهميتها وحساسيتها، تم مباشرة في الوثيقة الدستورية مما أعطاه مصداقية وصبغة دستورية محضة.

فقراءة نص الفصل 54 من دستور المملكة المغربية توضح الاختصاصات الأولية للمجلس الأعلى للأمن في:

– هيأة للتشاور بشأن إستراتيجيات الأمن الداخلي و الخارجي للبلاد.

– تدبير حالات الأزمات

– السهر على مؤسسة ضوابط الحكامة الأمنية الجيدة .

قد يطرح التساؤل أن مؤسسة المجلس الأعلى للأمن بالمغرب، لم يتم التنصيص على تنظيمها وتسييرها بمقتضى قانون تنظيمي كما هو حال تنظيم المحكمة الدستورية أو البرلمان أو المجلس الاقتصادي و الاجتماعي، بل تم التنصيص من خلال الفقرة الأخيرة من الفصل 54 من الدستور، على أن هذه المؤسسة ينظمها نظام داخلي هو الذي يحدد قواعد سيرها وتنظيمها، ما يطرح سؤال القيمة الدستورية أمام القانون التنظيمي مقارنة مع القانون الداخلي .           

وإذا كانت الفقرة الأخيرة من الفصل 54 من الدستور تدخل في اختصاص القانون، فإن ذلك اعتراف بأهمية مثل هذا القرار الذي يبرز مسطرة دستورية واضحة المعالم.                 

فالمفهوم الشامل للأمن، على اعتباره يهيئ الظروف المناسبة لانطلاق الإستراتيجية المخططة للتنمية الشاملة، يهدف تأمين الدولة من الداخل والخارج، بما يدفع التهديدات باختلاف أبعادها وبالقدر الذي يكفل للمواطنين حياة مستقرة توفر لهم أقصى طاقة للنهوض والتقدم، وقد ظهرت وبرزت في الدراسات الحديثة مفاهيم و كتابات لتحديد مفهوم  موحد للأمن، هذه المفاهيم التي أصبحت واضحة، ومحددة في الحقل العلمي داخل علم السياسة،  أو في العلوم الإستراتيجية .

على هذا الأساس فالأمن يمثل في مفهومه المعاصر جملة السياسات والإجراءات التي تتخذها دولة لحماية مصالحها البنيوية التي يهدد النيل منها وجود هذه الدولة سواء كانت هذه المصالح عسكرية أم سياسية أم اقتصادية أم اجتماعية.                                                                                              

انطلاقا من مفهوم الإستراتيجية بصفة عامة ومحاولة إضفائها على الأمن الداخلي والخارجي، فالإستراتيجية ليست فكرة محددة المعالم، جلية السمات والأشكال، ولكن لكل دولة إستراتيجية تناسبها وتتلاءم مع ظروفها. وقد يكون اختيار هذه الإستراتيجية أو تلك صائبا في زمان أو مكان معينين، وتتأثر بعوامل الزمان و المكان وبفعلية المخططين، وهكذا يمكن الجزم بأن الإستراتيجية هي تخطيط على مستوى عال أو خطط توضع لتحقيق هدف معين على المدى البعيد، اعتمادا على الإجراءات الأمنية في استخدام المصادر المتوفرة على المدى القصير، و من ذلك الإستراتيجية العسكرية والسياسية والأمنية التي تؤمن للإنسان تحقيق الأهداف من خلال استخدامه وسائل معينة .                                         

ويستخدم تعبير الإستراتيجية العليا، لشرح فكرة السياسة خلال التنفيذ وإيضاح دورها الفعال في توجيه وتنسيق جميع إمكانيات الدولة، لتحقيق الأهداف الوطنية، فهي علم تطوير واستخدام القوى السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية للدولة في جميع الظروف لتحقيق الغايات والأهداف السياسية .                                                                          

إن تدبير حالات الأزمات يدفعنا مبدئيا إلى التعرف عن مفهوم الأزمة، خصوصا بعد تلاشي حدود البعد الزماني والمكاني بين مواقع الأحداث وبين متابعيها، حيث أصبح استخدام المنهج العلمي كأسلوب للتعامل مع الأزمات أكثر ضرورة و أكثر حتمية، من هنا أصبح مرادف الأزمة مصاحبا لإنجاز مهام عاجلة أو لحل مشاكل طارئة، وفي سبيل ذلك ظهرت قوة المهام الخاصة السرية منها والعلنية.   

فتدبير حالات الأزمات هي كيفية التغلب على الأزمة بالأدوات العلمية الإدارية المختلفة و تجنب سلبياتها والإفادة من إيجابياتها، حيث إنها تصبح تقنية تستخدم لمواجهة الحالات الطارئة والتخطيط للتعامل مع الحالات التي لا يمكن تجنبها والإجراءات التحضيرية اللازمة لها أو هي منهج منطقي في التعامل مع الأزمات الحقيقية بطريقة تجعل المؤسسة تعمل بشكل منتظم في كل الظروف الاعتيادية، من هنا سوف نطرح في خضم البحث مجموعة من الإشكاليات كأسباب نشوء الأزمات، وكيفية تشخيص الأزمات، تم المراحل السابقة لأي أزمة، كما سوف نتطرق لقواعد وأسس التعامل مع الأزمات، ومبادئ إستراتيجيات مواجهته مع تحليل للأزمة ومنهج التشخيص المصاحب لها  مع التذكير دائما بأهمية ومنهجية تدبير حالات الأزمات واستحضار مجموعة من المراحل: مرحلة التصميم، ومرحلة التطبيق، ومرحلة التقييم، دون إغفال مقومات إدارة الأزمات الدولية والتي يكون فيها الوطن طرفا مع بلد أجنبي.

وإذا كان الدستور الجديد لم يقدم معطيات كثيرة حول طريقة أشغال المجلس الجديد، فإن التجربة الفرنسية من خلال مجلس الدفاع والأمن الوطني، وضع إستراتيجية طويلة الأمد تهم 15 سنة القادمة كشف خطوطها العريضة ما سمي بالكتاب الأبيض حول سياسة الدفاع والأمن الوطني الذي ساهمت في إعداده  مجموعة من النخبة الفرنسية  (أمنيون، وعسكريون، ورجال سياسة وخبراء في مجالي الدفاع والأمن بمختلف مكوناته).

* باحث في الشؤون الأمنية

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق