الأولى

حديث الصباح: نجاعة الضبط الأمني والعفو في التعامل مع السلفية الجهادية

قرار العفو يضفي المصداقية على عمل مؤسسات حقوق الإنسان ويعالج الاختلالات التي شابت المحاكمات

تميزت تجربة المغرب في التعامل مع التهديدات الإرهابية التي شكلتها وما زالت تشكلها التنظيمات المتطرفة، منذ تاريخ اعتقال المجموعة المسلحة التي تسللت من التراب الجزائري إلى المغرب لتنفيذ مخطط إجرامي أعدت له حينها حركة الشبيبة

الإسلامية بعد فترة تدريب وتأطير داخل الجزائر.
تميزت التجربة المغربية بالمزاوجة بين الضبط الأمني الذي مكن الأجهزة الأمنية من توجيه ضربات استباقية جنبت المغرب أنهارا من الدماء وفتنا كانت ستدخله في المجهول، وبين العفو الملكي الذي شمل العناصر التي تراجعت عن قناعتها وتطرفها وأبدت استعدادها للعمل من داخل مؤسسات النظام ونبذ العنف.
وكانت لتجربة السجن آثارها على عقائد المتطرفين ومواقفهم من الدولة والنظام والمجتمع. وتراجع كثير من هؤلاء عن الأفكار التي أدخلوا بسببها إلى السجن؛ وكانت شجاعة منهم أن يعلنوا تراجعهم ويجهروا به. وفي هذا الإطار، يمكن التنويه بما سبق وكتبه حكيمي بلقاسم من داخل السجن إقرارا وتراجعا كالتالي (ولم يكن عمري آنذاك ولا ثقافتي يسعفاني لأتساءل عن معنى الدولة الإسلامية المنشودة، ولا عن وسائل التغيير المرتقب من الناحيتين السياسية والشرعية، كان الأمر لا يعدو خطابا دينيا تهييجيا. في هذا الإطار قيل لنا: ستذهبون لتتدربوا في الخارج، فذهبنا، والآن وبعد هذه السنين الطويلة داخل المعتقل.. أطرح الأسئلة المرة التالية: أي مشروع للدولة الإسلامية كنا سنأتي به من عند جنرالات الجزائر؟ وضد من كنا سنحمل السلاح؟ وهل العنف يمكن أن يكون وسيلة للتغيير؟ وهل كانت حركة الشبيبة الإسلامية قادرة ماديا ومعنويا على إدارة هذا العنف ضد النظام؟ هذه الأسئلة تجعلني أفكر أننا لم نكن إلا أدوات صغيرة في عنف صغير كانت له أهداف أخرى غير معروفة، إذن تدربنا في الجزائر، وأدخلنا السلاح ليتم اعتقالنا في 10/7/1985 (الصحيفة عدد 56). بالطبع لم يكن للعناصر المتطرفة أن تتراجع عن مواقفها دون أن تعاني قسوة السجن وظروف الاعتقال، بل حتى الشيوخ الذين نظّروا للجماعات الجهادية تراجع أغلبهم عن فتاواهم التدميرية أو التكفيرية، وعلى رأسهم الدكتور فضل المصري الذي ألف كتاب «العمدة في إعداد العدة» الذي اعتمده تنظيم القاعدة مرجعا رئيسيا له، فتراجع عنه بإصدار سلسلة من الكتب التي يبين فيها انحراف المنهج الذي اعتمده في التحريض على الإرهاب، فضلا عن الرسائل التي كتبها الدكتور فضل ينتقد فيها الظواهري وبن لادن، ومنها «ترشيد الجهاد في مصر والعالم» و»التعرية لكتاب التبرئة».
وكما وصل الغلو والتطرف متأخرا إلى المغرب، وصلت المراجعات أكثر تأخرا من ناحية الزمن والمضمون على حد سواء، جعلت الشيخ عبد المنعم المشوح، رئيس «حملة السكينة لتعزيز الوسطية» يلاحظ على مراجعة شيوخ السلفية الجهادية بالمغرب بأنها  «ما زالت في مرحلة التكوين، وما زالوا، يقصد الشيوخ، يناقشون قضايا جزئية أو حوادث عين، والمراجعات يجب أن تكون في أصول ومنهج وأسلوب، ويجب أن تكون واضحة في مسائل مفصلية كمسائل البيعة والراية والجهاد والحدود». أيا كانت مسوغات المراجعة أو التراجع، فإن قرار العفو الملكي عن شيوخ السلفية الجهادية له أبعاده السياسية والفكرية تلزمهم أخلاقيا باستحضارها واستخلاص الدروس منها. بخصوص الأبعاد السياسية يمكن اعتبار قرار العفو دعما لحكومة عبد الإله بنكيران، ورفعا للحرج عنها بسبب ملف المعتقلين الجهاديين والسياسيين على حد سواء.
ولا شك أن حزب العدالة والتنمية تلقى خبر قرار العفو بارتياح أسعد وزيره في العدل الذي أعرب عن مشاعره كالتالي «إني لسعيد لقرار صاحب الجلالة الذي استجاب لملتمس وزيره في العدل والحريات، خاصة أن هذا القرار شمل مناضلين من الحزب الاشتراكي الموحد هم الصديق كبوري ومن معه»، مؤكدا أن القرار الملكي هو «من هذا الجانب إشارة واضحة أيضا إلى نوع العلاقة التي تربط الدولة بالأحزاب السياسية المسؤولة حتى وإن كانت اتخذت قرارات صعبة من قبيل مقاطعة الاستفتاء على الدستور والانتخابات».

فقرار العفو من هذا النوع يضفي المصداقية على عمل المؤسسات العاملة في مجال حقوق الإنسان، كما يعالج الأخطاء والاختلالات التي شابت المحاكمات والأحكام.
فطالما اتهم حزب العدالة والتنمية وهيآت حقوقية الدولة إما بـ»فبركة» الملفات أو بتوجيه القضاء لإصدار أحكام قاسية. واليوم، وبعد قرار العفو هذا الذي يعد الأول في ظل حكومة يرأسها حزب إسلامي ناصر شيوخ ومعتقلي السلفية الجهادية، يمكن إشراك الحزب في تتبع مسار المستفيدين من العفو ودعم وتسهيل اندماجهم في الحياة السياسية من داخل مؤسسات الدولة، فضلا عن تحرك ذراعه الدعوية، حركة التوحيد والإصلاح، لفتح أوراش فكرية تناقش أفكار وعقائد التطرف وتحاور معتنقيها داخل السجون وخارجها من أجل تصحيح الانحرافات العقدية وتقويم المنهج الذي يعتمدونه في الاجتهاد والتنزيل. وهذه مسؤولية دينية، أخلاقية وسياسية؛ لأن ترك هؤلاء المعفى عنهم دون مساعدة أو توجيه، خصوصا حديثي السن ومحدودي المعرفة والإطلاع على المراجعات التي قام بها شيوخ التيار الجهادي في مصر وليبيا وموريتانيا والأردن، فمسؤولية الحزب السياسية، باعتباره يقود الحكومة والدولة، ومسؤوليته الدعوية كحزب يقود خيار المشاركة السياسية من داخل مؤسسات النظام، تلزمه بأن يكون حاضنا ومشرفا على التوجهات التي سيختارها المستفيدون من قرار العفو عبر تقديم النصح والتيسير القانوني لتشكيل هيآت سياسية أو جمعوية تؤطر التيار السلفي الجهادي وتمكنه من الانخراط في العملية السياسية السلمية.
وهنا يأتي البعد الفكري لقرار العفو لأنه يمنح هؤلاء الشيوخ فرصة ثمينة لتعميق الاجتهاد وإشاعة ثقافة الاختلاف وقيم التسامح بين أتباع التيار الجهادي، وجعلهم يؤمنون أن المغرب بحاجة إلى كل أبنائه وكفاءاته، وأن الغلو مهلك للنفس وللوطن. وستكون لوسائل الإعلام العمومية أدوارا هامة لفتح النقاش ودعم الحوار، سواء بين أطياف التيار السلفي، أو بينهم وباقي مكونات الحقل الديني من إسلاميين وصوفيين وسلفيين حتى تتبلور اجتهادات فقهية منفتحة تصير أرضية يجتمع عليها كل الفاعلين، سياسيين ودعويين، إذ تقلص مساحة الخلاف وتؤسس لطريقة تدبيره بعيدا عن الصدام أو التكفير، وفي الوقت نفسه توسع مجال المشترك بين الفرقاء بما تدعم جهود التعاون بينهم لما فيه مصلحة الوطن.

بقلم : سعيد الكحل: أستاذ باحث

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق