الأولى

حديث الصباح: من يحاكم الوزراء والعسكريين في الربيع القضائي؟

على رئيس الحكومة ألا يصدر أمرا بانعقاد المحكمة العسكرية احتراما للدستور وما خالف ذلك يعتبر نقيضا للشرعية

هل انطلق الربيع القضائي بالمغرب ليخلد بأسلوبه الخاص ذكرى انطلاق ثورة الربيع المغربي السلمي بقيادة شباب 20 فبراير؟ وهل قررت الحكومة ووزارة العدل والحريات بداية العد العكسي للقطيعة مع مؤسسات ” شبه قضائية ” يسمونها قضائية مجازا، تذكرنا بالتنظيم القضائي الذي اختاره الاستعمار لبلدنا حين قرر أن يؤسس للفرنسيين قضاءهم وللمغاربة قضاءهم ولليهود المغاربة قضاءهم، ويؤكد للسكان الأصليين بسياسته تلك، أنه  مع التمييز بين الإنسان النقي والإنسان المصنوع من الطين؟ وهل قررت الحكومة ووزارة العدل والحريات الانتفاضة ضد المحاكم الاستثنائية التي ظل القانونيون منذ عقود يشككون في مصداقيتها وفي عدالتها وفي أدوارها ويطالبون برحيلها، رغم أن إحداها كانت وما زالت مرسومة في الورق ذاتا فارغة قائمة بأرشيف التاريخ ولم يكتب لها يوما أن تثبت وجودها؟
الأمر بالطبع يتعلق بالمحكمة العسكرية وبالمحكمة العليا المُحْدَثَة لمحاكمة الوزراء، وهما بقوة القانون من المحاكم الاستثنائية، تقومان أصلا على التمييز أمام القانون وأمام القضاء وهو التمييز الممنوع دستوريا، ما بين المحَاكمين أمام كل واحدة منهما، والمحَاكمين أمام المحاكم العادية، ليبقى وجودهما مثار جدل حول مشروعيتهما الدستورية، خصوصا أن في كل واحدة منهما يوجد بعض ” القضاة ” لا علاقة لهم بالسلك القضائي أي قضاة من غير المحترفين، لا يفترض فيهم القانون شرط التكوين والكفاءة القانونية بالضرورة، حيث نجد في المحكمة العسكرية أعضاء” قضاة” من الثكنات العسكرية، وفي المحكمة العليا ” قضاة ” برلمانيين من أحزاب شتى ليس من المفروض فيهم أن يكونوا كذلك عارفين بالقانون والمساطر، ولذلك كيف يقبل اليوم بالمغرب هذا الوضع الاستثنائي في أخطر قطاع وهو قطاع العدل، ولماذا اختارت الدولة للعسكريين محكمتهم واختارت للوزراء السياسيين محكمتهم (رغم أنها لم تتألف إلى اليوم)، وكأننا في إمارات وممالك أو دويلات داخل الدولة كل واحدة تسبح في فلكها؟ ولماذا لا يحاكم الوزير والضابط والجنرال والملازم والجندي البسيط، بمقتضيات قانونية واحدة وأمام محاكم عادية من درجة المحاكم التي يتألف منها النظام القضائي العادي؟ ولماذا مسطرة متميزة خاصة بالوزراء، ومسطرة متميزة خاصة بمن يرتدي لباس الجندية؟
بعد عقود، لاحت في أفق الربيع القضائي الذي يتبناه وزير العدل اليوم، ما يفيد بداية نهاية هذا النظام القضائي الذي لا يٌـفهم له معنى ولا يمكن أن يٌدافع عن بقائه عاقل، ولابد من أن تتوقف المحاكم الاستثنائية، ولابد على وجه الخصوص من وضع حد لدور المحكمة العسكرية التي عرفت النور منذ مطلع فجر الاستقلال.
لم يَعد مقبولا على الإطلاق ألا يتساوى العسكري مع المدني امام القانون في ظل المادة السادسة من الدستور، وألا يتمتع كل مغربي مهما كانت وظيفته وطبيعة التهم المنسوبة إليه، من الحق في المحاكمة العادية والعادلة في ظل المادة المائة والعشرين من الدستور، والحق في المثول امام قضاة محترفين مصنفين في السلك القضائي يحملون الثقافة القضائية والمرجعيات القانونية نفسها ويلبسون اللباس القضائي نفسه، وبين أيديهم قانون العقوبات وقانون الإجراءات نفسه، ولابد  اليوم وأمام وحدة مؤسسة السلطة القضائية في الوضع الدستوري الجديد من أن ينتهي الوضع الذي يوزع الجسم القضائي ويخلط بين الانتماءات في الصف القضائي ليتعايش القاضي مع غير القاضي والمدني بالعسكري والبرلماني ، فأين استقلال السلطة القضائية وبالمغرب محاكم أحكم فيها كل السلط؟ محكمة يحكم فيها القاضي مع البرلماني، ومحكمة يحكم فيها القاضي مع الجندي، وأين المساواة أمام القانون مع وضع قضائي ليسمح فيه لمتهم عسكري ما يسمح به لمتهم مدني، وتتميز فيه المسطرة ما بين جريمة وزير وجريمة موظف غير وزير؟

لابد ، إذن، أن يتوقف نظامنا القضائي من السير ضد الطبيعة وضد الحداثة وضد العقل وضد قيم العدالة الكونية وضد مواثيق حقوق الإنسان، ولابد من أن يتمتع الضابط والجندي والجنرال ولاجودان والسرجان واللواء والطيار والمقاتل والعقيد والملازم، من الحماية القانونية التي يكفلها القانون والدستور لكل مواطن وهو أمام القضاء، حتى ولو كانت الضوابط العسكرية ونظام الانضباط يحتم التقيد بما يضمن الامتثال والاحترام، كما هو الشأن في كل مدارس الجندية في العالم، ولن تحترم هذه الضمانات إلا إذا طبقت أمام المحكمة العسكرية ما تطبقه باقي المحاكم، وإلا إذا شعر هؤلاء كلهم أنهم ككل مواطن امام قضاء واحد وتحت لواء قانون ومسطرة واحدة.
نعم، المحكمة العسكرية جهاز متميز في أسلوب اشتغال موظفيها وأطرها، حيث تظهر الجدية في التنظيم، والمهنية في ضبط الملفات وتداولها، والتجاوب بسرعة مع روادها وزبنائها، وهذا شيء مشهود به، لكن، المحكمة العسكرية في الآن نفسه ليست محكمة بكل معاني الكلمة، فقضاتها العسكريون منضبطون للرؤساء العسكريين ممتثلون لتعليماتهم لا علاقة لهم بمؤسسة المجلس الأعلى للقضاء سابقا السلطة القضائية حاليا، وقضاتها المدنيون كالزائرين المنضبطين للرئاسة الحقيقية للمحكمة في شخص مديرية العدل العسكري، وبمعنى آخر إنهم كالحمام لا يحلق إلا إذا فتح له باب القفص، وجنرالات إدارة العدل العسكري هم من يقرر الإحالة على القضاء العسكري بواسطة الأمر الصادر من الوزير الأول، والذي يتعين اليوم على رئيس الحكومة بين قوسين، أن ينتبه حتى لا يصدر أمرا بانعقادها قبل أن يتم تغيير قانون العدل العسكري، لأن الوزير الأول لم يعد مؤسسة لها وجود دستويا، ومن هنا سيتوقف عمل المحكمة العسكرية، لأنها لن تجتمع بأمر من رئيس الحكومة الذي لا يعطيه قانون العدل العسكري هذا الحق إلى اليوم، وكل انعقاد لها قبل تغيير النظام يعتبر انعقادا غير دستوري ويفتقد الشرعية.
قبل تسع سنوات، ألغيت محكمة العدل الخاصة، فهل دقت ساعة نهاية المحكمة العسكرية الاستثنائية بعد عرض مشروع مرسوم أمام مجلس الوزراء ومجلس الحكومة يوم الثلاثاء ثامن فبراير الجاري؟
يبدو أن عرض الموضوع على مجلس الحكومة يمكن أن يعتبر المنطلق لفتح تاريخ جديد أمام المتقاضين ممن يحملون الصفة العسكرية، ومن باب العدالة أن يسير المشروع نحو مداه النهائي، لإن إصلاح القضاء ومنظومة العدالة الذي يشتغل من أجلهما وزير العدل الجديد مع أطر وزارته، يجب أن يبتدئ من عمق ومن فلسفة الإصلاح المتمثلة في إقرار المساواة امام القانون وامام القضاء كما ينص عليها الدستور الجديد، وبالتالي لا إصلاح للعدالة من دون إلغاء كلي للقضاء الاستثنائي وللمحاكم الاستثنائية، أي إلغاء نظام المحكمة العسكرية، الاستثنائية في مسطرتها وتركيبة مؤسستها ودور وصلاحيات نيابتها العامة وصلاحية قضاة الحكم فيها، الاستثنائية بانعدام أي وجود لحقوق الدفاع وحقوق المتهمين العسكريين وحتى المدنيين أمامها، الاستثنائية لطريقة حكم قضاتها القائم على الإجابة حسب ميولاتهم وعقليتهم بنعم أو بلا على أسئلة دون حاجة لتعليل أو إثبات أو حجة في حكمهم، وسذاجة الطعون في قرارات التحقيق والمحكمة.
ومن هنا يبدو أن العسكريين المحاكمين أمام المحكمة العسكرية هم ضحية تمييز قضائي غير مسموح به اليوم، فهم وحدهم وبسبب وظيفتهم من لا يستحق  قرارات قضائية قائمة على احترام التحليل والتعليل والتطبيق السليم للقانون تحت مراقبة محكمة النقض.
وكم هو صادم للفكر القانوني والقضائي وللأمن القضائي، أن يؤكد ويعتبر المجلس الأعلى في ما سار عليه في قرارته، أن الأحكام الصادرة عن المحكمة العسكرية تكون “معللة” لما يجيب قضاتها على الأسئلة التي يختارونها وحدهم، بكلمة ” نعم أو لا ” فقط  ودون تبرير، لكي يصدروا أحكامهم  قد تصل إلى الإعدام أو لعشرات السنين، ومن دون حاجة إلى أي كلمة أخرى إضافية، في الوقت الذي تسمح فيه محكمة النقض لنفسها أن تراجع  قراراتها بطريقة إعادة النظر لما يغفل عن تعليلها، وفي الوقت الذي كان عليه أن يدفع بعجلة تغيير هذه المحكمة ليفرض إخضاعها لرقابته الحقيقية، ويفرض على الدولة والمشرع تغييرا جذريا لهياكلها ومساطرها وقضاتها.
حان الوقت إذن، أن يتحرك المتقاضون والمحامون وبعد صدور المرسوم الذي ينظم مسطرة الدفع بعدم الدستورية طبقا لنص المادة 133 من الدستور، لمناقشة لا دستورية هذا النوع من المحاكم ومن القضاء ومن المساطر المطبقة أمامها، لأنها تتعارض مع عدد كبير من نصوصه، كالمادة 125 التي تفرض أن تصدر الأحكام معللة، والمادة 107 التي تؤكد على استقلال السلطة القضائية عن كل السلط، والمادة 117 المتعلقة بالأمن القضائي، والمادة 120 المتعلقة بحقوق الدفاع امام جميع المحاكم، والمادة 127 المتعلقة بمنع إحداث محاكم استثنائية.
الدستور يعطيكم السيد رئيس الحكومة والسيد وزير العدل والحريات التداول في القضايا التي تهم النظام العام طبقا للمادة 92، وأن من صلب النظام العام أن يتمتع كل المتقاضين مدنيين وعسكريين بالأمن القضائي، وبوقف المحاكم الاستثنائية التي تنتهك قواعد عملها ونظام قضائها نصوص الدستور، وأن تقوموا بالإسراع بإلغاء وجود المحكمة العسكرية غير العادلة التي  تصيب العدالة أصلا وتصيب المحاكمين امامها، والتي تتسبب أحكامها في مآس نفسية وصحية لا مجال لحصرها سواء للمحكومين من ضباط وجنود أو من مدنيين، أو لعائلاتهم، والتي لا يليق للزي العسكري أن يتحمل قساوة دموع الأبناء والزوجات والآباء…. ولابد أن لا تتكرر مستقبلا ( والكل يعلم أشهر القضايا قساوة )  مأساة محاكمات شهيرة لا تشرف المغرب ولا العدالة العسكرية، ومن بينها محاكمة القبطان أديب، ومحاكمة الضابطين الزعيم والجلطي ومحاكمة الكولونيل ماجور طرزاز، وليوتنان الكولونيل بديع بلوط، ومحاكمة الجنود والضباط في قضية جريدة ” الوطن الآن”…. وغير ذلك من الملفات.
اليوم وصل صوت المعذبين من أحكام المحكمة العسكرية وشكاوى المظلومين من قضائها إلى من يهمهم الأمر، واليوم تم الاعتراف بأن صنفا من المتقاضين والمحاكمين ضحية انعدام الضمانات فيها، واليوم لابد من إنصاف ضحايا المحكمة العسكرية الذين لم يتمتعوا بالضمانات الدستورية، والذين حرموا من حرياتهم وحقوقهم تحت طاحونة لم ترحم ولم تَـذَرْ لقيم العدالة مكانا، واليوم لابد كذلك من إعادة النظر في قرارات هذه المحكمة ، بل لابد من التقصي والتحقيق في عدد من الملفات التي أثارت تساؤلات مدهشة، حتى تستقر النفوس وتتحقق الكرامة، و حتى يتوقف النزيف النفسي والمعنوي الذي يعانيه عدد من السجناء الأبرياء بسبب قرارات المحكمة العسكرية.
إننا لا نريد محكمة عسكرية تستبد بقانونها الخاص، ويستبد قضاتها بسلطة استثنائية، نريد محكمة باختصاصات جديدة وقضاء حقيقي، تحترم فيها حقوق الإنسان، ومقومات العدالة والمساواة  وأسس الدستور، واليوم ربما سيبعث الأمل ومن بيت مجلس الوزراء ومجلس الحكومة الذي تحدثت الأخبار عن عرضه لمرسوم يضمن المحاكمة العادلة للعسكريين، فليكن وزير العدل في موعده مع التاريخ في الإصلاح والتخليق والمساءلة.

بقلم: النقيب عبد الرحيم الجامعي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق