fbpx
ربورتاج

الثلوج تشل الحركة بجبال الريف

سكان قطعوا عن الحياة بدواوير تاركيست وفلاحون تضررت أراضيهم والسلطات شبه غائبة
تزايدت معاناة سكان مختلف المناطق الجبلية بإقليم الحسيمة، بفعل الصقيع والبرد القارس، الناتجين عن التساقطات الثلجية التي شهدتها مواقع مختلفة، سيما تلك الممتدة من تاركيست حتى حدود إقليم تاونات، وكذا المناطق الواقعة بدائرة بني ورياغل.

جمال الفكيكي (الناظور)
لا يجد سكان العديد من الدواوير بمناطق كتامة وإساكن وتامساوت وتبرانت وعبد الغاية السواحل وشقران وبني حذيفة، للتدفئة إلا مايوفرونه بجهودهم الخاصة من وسائل تقليدية وضعيفة وغير كافية للوفاء بحاجياتهم.
وأدى انقطاع بعض المسالك الطرقية التي تربط هذه المناطق بالعالم الخارجي إلى خصاص كبير في المواد الغذائية، وصعب تنقل التلاميذ إلى مدارسهم.
وعاشت الجماعات القروية كتامة وإساكن وإيكاون وبني بوشيبت وبني بونصار وزاوية سيدي عبد القادر، حالة استثناء، بسبب إغلاق الثلوج للعديد من المسالك القروية التي تربطها بالمراكز شبه الحضرية.

إغلاق مسالك
وحسب العديد من المصادر، فإن الثلوج التي تساقطت على المنطقة، تسببت في إغلاق العديد من المسالك القروية، مؤكدة أن السكان القاطنين بها باتوا شبه معزولين عن العالم الخارجي بسبب الثلوج التي تحول دون تنقلهم في اتجاه المراكز الحضرية، للتزود بحاجياتهم ولقضاء مآربهم، خاصة وأن أشكال الاقتصاد المعيشي لمناطق الريف العميق تعتمد بالأساس على التزود بالحاجيات الأساسية السكان من الأسواق الأسبوعية، وهو ما أصبح متعذرا الآن في تلك المناطق بسبب تساقط كميات مهمة من الثلوج.
وأدت الثلوج التي تجاوز علوها نصف متر بأساكن وكتامة، بشكل لم تعرفه المنطقة منذ ست سنوات، إلى تعليق الدراسة بالعديد من المؤسسات التعليمية، وكذا إلى إغلاق الطريق الوطنية رقم 2 على مستوى المقطع الرابط بين تطوان وتارجيست، وكذا طريق الوحدة في المقطع الرابط بين إساكن وفاس. ويعاني مواطنون بشقران نفاد المؤن الغذائية وقلتها، بسبب شل حركة السير، وباتت الدواب الوسيلة الوحيدة لبلوغ المراكز الحضرية لجلب حاجيات السكان.
وأوضحت بعض المصادر أن البرد القارس إضافة إلى بعض الشقوق والتصدعات التي نخرت الحجرات الدراسية وتسببت في سيلان المياه منها، وتوقف السخانات التقليدية عن الاشتغال بسبب قلة حطب التدفئة، عوامل أدت إلى تعليق الدراسة في العديد من المؤسسات التعليمية بجماعة بني بونصار ومدارس أخرى.

في انتظار مساعدات
سكان محاصرون ينتظرون المساعدة، وآخرون يصارعون من أجل البقاء، مستعينين بما حصدوه خلال فصل الصيف، ليبقى الأهم بالنسبة إلى السكان هو التدفئة. تشمر النساء والأطفال والشباب على سواعدهم، ويخرجون في رحلات قد تكون طويلة لجمع أغصان الأشجار المتساقطة، ليعودوا وهم محملون بكمية كبيرة منها على أكتافهم، أو في عربات.
إن المأساة تعم المنطقة مع مطلع كل فصل شتاء، والطرق الجهوية والوطنية عادة ما يتم فتحها من قبل عمال التجهيز، بعد أن تغمرها الثلوج، غير أن الأمر يختلف بالنسبة لآلاف السكان الذين يظلون عالقين بدواويرهم بعد تساقط الثلوج، فالمسالك غير المعبدة تزيد من تعقيد الوضعية، وتجعل العزاء الوحيد للفلاحين هو انتظار أشعة الشمس وارتفاع درجة الحرارة علها تعمل على إذابة الثلج لينساب بعيدا عن الطريق، لتفتح المجال بذلك أمام السكان للمرور بسياراتهم باتجاه المراكز شبه حضرية لقضاء حاجياتهم اليومية ” يقول أحد الفاعلين الجمعويين بإساكن.
ويضيف “إن غياب مبادرات جمعوية إلى المناطق الجبلية التي تحاصر بكميات الثلوج التي تنجم عنها برودة قاتلة، يساهم في انتشار الأمراض التي تحول أجساد السكان إلى هياكل متحركة بسبب صعوبة الولوج إلى المستوصفات القريبة من التجمعات السكنية.” ولا تؤجل قساوة البرد أشغال شاقة تتحملها النساء، إذ تجدهن منشغلات بتنظيف الملابس في مياه الوادي الباردة جدا، قبل أن يحملن حبالا لنقل الحطب وعلف الماشية من الحقول والغابات المجاورة لمنازلهن”.
“تنتابنا مشاعر الخوف قبل كل شتاء، ونواجه متاعب جمة، ويصبح التنقل مستحيلا في بعض المناطق، ومحفوفا بالمخاطر بسبب قساوة الظروف المناخية، وتعيش هذه المناطق التابعة لجماعة كتامة عزلة تامة نظرا لصعوبة المسالك الجبلية التي يستحيل التنقل فيها على متن وسائل نقل، كما أن استحالة المرور في المسالك الجبلية بسبب الثلوج، يساهم بدوره في نفاذ السلع، ليتجه السكان عبر الدواب إلى الدكاكين المجاورة لاقتناء المواد الضرورية”، تقول إحدى نساء التعليم العاملات بالمنطقة.
وتضيف “يصبح الأستاذ ومعه سكان الدوار في يد الله، فلا دكان ولا خضر ولا طبيب، فقط تضامن السكان وإصرارهم على تحدي الطبيعة يبقى هو القادر على ضمان أن يجتازوا هذه الفترة العصيبة من الشتاء ” مؤكدة أن ” ذاكرتها لازالت موشومة بالعديد من الذكريات التي تحمل لها صور نساء فاجأهن المخاض في هذه الفترة ، ورجال ألم بهم المرض واستدعى تنقلهم للطبيب حيث أن كل الاحتمالات الممكنة لم تكن لتسمح لهم بمغادرة دوارهم لأن في ذلك مغامرة حقيقية بأرواحهم”.

محاولات تدخل
من جانبها، تسعى السلطات الإقليمية بالحسيمة إلى اتخاذ بعض التدابير لمواجهة موجة الصقيع التي ضربت المنطقة، وإلى الحد من الآثار السلبية الناجمة عنها، في ظل ضعف البنية التحتية بهذه المناطق، ومخاوف متصاعدة من تسجيل وفيات بسبب البرد في ظل صعوبة الحصول على مواد التدفئة.
وفي هذا الإطار، علم من مصدر مطلع، أن ولاية جهة طنجة تطوان الحسيمة، عملت على إنشاء خلية أزمة استعجالية، وكذا لجن فرعية على مستوى كل إقليم، لمتابعة الأوضاع الجوية بهذه المناطق عن كثب، خاصة بالمناطق الجبلية الممتدة بين شفشاون حتى الحسيمة، والتي عرفت تساقطات مطرية وثلجية مهمة، ورافقتها برودة كبيرة، أثرت بشكل كبير من لا يتوفرون على وسائل التدفئة التي يمكنها أن تخفف عليهم قساوة البرد.
وعلم من مصدر مطلع، أن العديد من المناطق تنتظر التوصل ببعض المساعدات، خاصة الأغطية و المواد الغذائية، فيما يطالب البعض وباستعجال، بتمكينهم من حطب التدفئة الذي منعوا من جمعه من الغابات الموجودة بالمنطقة، لفائدة تجار الخشب الذين يسيطرون على تلك الغابات، ويمنعون المواطنين من جمع ولو بقايا بعض الأعشاب الغابوية التي يستعملونها في التدفئة. وفي الوقت الذي أعطيت التعليمات الصارمة من أجل تعزيز أسطول الآليات لفتح الطرق والمسالك القروية، لضمان حركية أكبر، يتحدث بعض المواطنين عن محدودية التدخل الذي تباشره الدولة لإزالة الثلوج عن المسالك الطرقية المقطوعة منذ تساقط الثلوج الأخيرة، خاصة وأن العملية تتطلب توفير العديد من الآليات والشاحنات لفك الحصار الذي ضربته الثلوج عن السكان المنهوكين بالفقر والحرمان والبرد

مصدر وحيد

يؤكد العديد من الفلاحين على أن مصدر عيشهم الوحيد المتمثل في الفلاحة، أصبح الآن تحت رحمة الثلوج التي غمرت الأراضي، وأتلفت المحاصيل الزراعية المعاشية، وجعلتهم ينتظرون على أحر من الجمر التفاتة من الحكومة، لفك الحصار عنهم، وتسخير الآليات لشق المسالك القروية المقطوعة، وكذلك توفير المساعدات الإنسانية خاصة للأطفال والنساء والشيوخ الذين أصبحوا لا يبرحون بيوتهم إلا للضرورة القصوى بسبب موجة البرد غير مسبوقة والثلوج التي تكاد تغمر كل سطوح بيوتهم القديمة المبنية من القش والتراب محولة إياه لثلاجة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى