fbpx
ربورتاج

“حمقى” يغرقون سلا

شوارع مدينة القراصنة تحت رحمتهم ومستشفى الرازي دون أسرة كافية لاستقبالهم

ألف سلاويون، مشاهدة بعض المرضى يعانون اضطرابات نفسية وعقلية، يجوبون الأزقة والشوارع. تارة يجدونهم قربهم في محل تجاري قبل أن يبادر صاحبه إلى طردهم، وتارة أخرى، يفاجؤون بهم، وهو يعرقلون الطريق، سيما أن الكثير منهم يحكمون قبضتهم على المدينة، ويجعلون بعض المواطنين تحت تصرفهم، وفي أحيان كثيرة، يخرجون إلى الشارع دون ملابس!

إنجاز: إيمان رضيف

في حي تابريكت بسلا، أكثر من مريض نفسي يجوب الحي، علما أن بعضهم، وحسب ما يؤكده سكان المنطقة، قد يشكلون خطرا، سيما أنهم في الكثير من الأوقات تنتاب بعضهم أزمات نفسية، يفقدون بسببها السيطرة على أنفسهم. والوضع ذاته يشهده حي كريمة وأحياء أخرى عشوائية، فلا مفر من مصادفة رجل، بوجه متسخ وملابس رثة وممزقة، وشعر منكوش، يصرخ ويتحدث مع نفسه بصوت عال، وفي أحيان أخرى، يضحك بصوت مرتفع، قبل أن يترك العنان لغضبه ليرعب الناس حوله. إنه حال جارة العاصمة الإدارية. حال دفع الكثير من السكان إلى دق ناقوس الخطر ومطالبة المسؤولين بالتدخل، وهي الخطوات التي لا تجد الآذان الصاغية.
قلق وخوف

مازال سكان حي السلام، يتذكرون، ما عاشته المنطقة، في يوم من أيام غشت الماضي، وكيف أن رجال الأمن طوقوا المكان، ومنعوا بعضهم من الاقتراب من منزل شهد جريمة بشعة، بطلها شاب مريض نفسيا، ذبح جدته من الوريد. مازال السكان، يتذكرون كيف خرج الشاب وفي يده سلاح أبيض يهدد به كل من اقترب منه، قبل أن تنتهي الجريمة بإطلاق النار. فما عاشه ذلك الحي، يمكن أن يتكرر، بالنسبة إلى الكثير من السلاويين، مرة أخرى، سيما أنهم يعتبرون أن المرضى نفسيا الذين يتجولون قربهم، يشكلون خطرا عليهم، مادام أنهم لا يستفيدون من الرعاية الطبية اللازمة.
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، فالكثير من الأسر، حسب ما أكده، محمد، من سكان الحي الشعبي، فشلت في إيجاد سرير لأبنائها بمستشفى الرازي للأمراض النفسية، لأن ذلك، يتطلب الكثير من الإجراءات المعقدة، والتي تؤكد أن المسؤولين لا يأخذون بعين الاعتبار أن الحالة الصحية لمرضى قد تتدهور. “أغلب الذين يجوبون شوارع المدينة، إما فارون من مستشفى الرازي، والذين وضعوا فيه بعدما أغلق بويا عمر، لأن لا عائلة لهم، أو أن الحظ لم يكن إلى جانبهم للاستفادة من الرعاية الصحية”، حسب ما أكده محمد قبل أن يضيف أن ما تعيشه مدينة القراصنة، يدعو للقلق، ويحتم على مسؤولي وزارة الصحة، والجمعيات التدخل، لمنع تكرار جرائم يكون فيها المرضى نفسيا “أبطالا”.

عذرا لا يوجد سرير شاغر

من أمام مقهى يمر كل يوم، غير مبال بأعين المارة التي تلاحقه، ولا لخوف النساء والأطفال، الذين حوله. تارة يجري ويسابق الرياح، وتارة أخرى، يطلب من المتوجهين لمحطة القطار سلا تابريكت، درهما، ليقتني سيجارة. إنه واحد من المرضى نفسيا الذين يجوبون شوارع سلا، والذين يثيرون خوف المارة، سيما أنه أظهر، أكثر من مرة، حقيقة وضعيته الصحية، وهاج في وجه بعض شباب الحي، وكاد أن يتسبب في حادثة مميتة. يقول سكان الحي إن الشاب من أسرة ميسورة، عانى اضطرابات نفسية نتيجة إدمانه على المخدرات، مؤكدين أن أسرته عرضته على اختصاصيين في الأمراض النفسية، قبل أن تدق باب مستشفى الرازي للأمراض النفسية، آملة في أن يلج المكان والاستفادة من الخدمات الصحية المقدمة فيها، ففوجئت بأن أبوابه موصدة، وأنه من الصعب استقباله، فالحل الوحيد الذي وضع أمام الأسرة، زيارة المستشفى، في أوقات معينة، وأخذ بعض الأدوية، التي تساعده على أن يظل هادئا، ولا يعاني نوبات اضطراب النفسي الذي يعانيه.
وهو الأمر الذي أكده، رشيد مصباحي، عضو الشبكة المغربية للدفاع عن الصحة، وأستاذ بالمعهد العالي لمهن التمريض وتقنيات الصحة، مؤكدا أن عائلات كثيرة، عادت أدراجها بعدما أخبرت ألا مكان لابنها الذي يعاني مشاكل نفسية بالمستشفى، وأن القدرة الاستيعابية للمؤسسة الصحية، لا تسمح باستقبال مريض جديد “وهو الأمر الذي لابد أن يأخذه مسؤولو الحكومة بعين الاعتبار، ويدفعهم إلى التحرك من أجل تدارك ما يمكن تداركه”، على حد تعبيره.
وأوضح مصباحي، في حديثه مع “الصباح”، أن حالات كثيرة، قصدت المستشفى، في حالة خطيرة، إلا أنه تم التعامل معها بشكل سطحي، دون أن توفر لها الظروف الملائمة للعلاج، و”طردت” منه، لعدم التوفر على سرير شاغر، وهو الأمر الذي يؤثر على وضعية الصحة النفسية والعقلية في المغرب.
المستشفى غير مسؤول

في الوقت الذي توجه فيه أصابع الاتهام لمستشفى الرازي للأمراض النفسية، ويحمله بعض السكان، مسؤولية انتشار المرضى في الشوارع وأزقة المدينة، دون حسيب أو رقيب، نفى جلال التوفيق مدير المؤسسة الاستشفائية، أن يكون المستشفى يتحمل تلك المسؤولية، مشيرا في حديثه مع “الصباح”، إلى أن المرضى نفسيا، هم مواطنون، لا يمكن تقييدهم أو منعهم من عيش حياتهم بشكل عاد.
وأوضح التوفيق، في حديثه مع “الصباح”، أنه من الصعب اعتبار كل شخص متسول أو متشرد، مريضا نفسيا، يشكل خطرا، وذلك في ظل غياب دراسة تؤكد الأمر، مشيرا إلى أن المستشفى مسؤول فقط عن الذين طلبوا العلاج فيه والذين لجؤوا إليه “التكفل بهؤلاء المغاربة، لابد أن يكون على يد الحكومة والمجتمع المدني”، على حد تعبيره.
وكشف المتحدث ذاته أن هناك قواعد واضحة لولوج “الرازي”، منها مدة الايواء به القصيرة المدى، حتى يتمكن مرضى آخرون من الاستفادة من العلاج.
ورد مدير مستشفى الرازي على الذين يعتبرون أن المرضى النفسانيين، قد يشكلون خطرا على المواطنين، مؤكدا أن شخصا عاديا لا يعاني أي مشكل نفسيا، يمارس العنف 17 مرة أكثر مقارنة مع مريض نفسني الذي يمارسه 8 مرات فقط، مسترسلا “المستشفى غير مسؤول عما يجري في الشارع”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى