fbpx
ملف الصباح

“اللهطة” … الشعباني: “عام البون”

< كيف يمكن تفسير انتشار سلوك “اللهطة” في المجتمع المغربي؟
< تفسير هذا السلوك هو معقد، لكن لا بد من الإشارة إلى أن هناك من المغاربة من تعودوا على “اللهفة” وكأن القيامة ستقوم غدا، إذ نجد الأشخاص الذين يتسابقون لاقتناء الكثير من المواد والمنتوجات عن طريق التدافع رغم عدم حاجتهم الشديدة لها، سرعان ما تتعرض للتلف في ما بعد للأسف الشديد.
هذه الأشياء التي يقتنيها الناس في رمضان أو عيد الفطر أو الأضحى أو عاشوراء أو ذكرى المولد النبوي تتعرض للتلف لأنها غير قابلة للتخزين لمدة طويلة، والمغاربة لم يتعودوا على التخزين لمدة طويلة جدا.
لماذا هذه “اللهفة” أو “اللهطة”؟ بطبيعة الحال هذا سلوك غير مبرر، فالعديد من الناس عندما نسألهم عن الأسباب التي تدفعهم إلى ذلك لا يعطونك تبريرا مقنعا، لكن يمكن اعتبارها حالة نفسية عند المغربي الذي يخاف من الغد وكأنه سيتعرض للمجاعة، وبالتالي تسكنه هذه اللهفة والخوف والهاجس من افتقاد ما يحتاجه في الأيام الأخرى.
انتشار سلوك اللهفة في المجتمع المغربي، لا نتوفر فيه على دراسة لكي نستقي نتائج علمية حتى نتوصل إلى أسباب هذه اللهفة وهذا الجوع الداخلي وهذا الهاجس من التعرض للحاجة والمجاعة، إذ لا نتوفر على دراسة أكاديمية في هذا المجال، لكن يمكن تفسير ذلك بوجود الوازع النفسي الذي يترجم عن طريق الهاجس الذي يعيش عليه الإنسان، لذلك نرى الناس يتزاحمون خلال بعض المناسبات أو عندما يسمعون بإعلانات تجارية أو عندما يكون هناك نقص في بعض المواد الغذائية.

< الملاحظ أن “اللهطة” لا تقتصر على فئة محددة بل تجمع بين الفقراء والأغنياء؟
< المغربي سواء الفقير أو الغني، فإن هاجس اللهفة مسيطر على عقليته.
في حالات كثيرة لا يختلف الغني عن الفقير في سلوك اللهفة أو “اللهطة”، باستثناء بعض الأمور، وهي أن الغني يتلهف للحصول على امتيازات كبيرة ويسعى وراءها لكي يكسب ما سيزيده حظوة في المجتمع، وما سيمكنه من التمتع بامتيازات غير تلك التي توجد عند الآخرين، في حين أن الفقير تكون لهفته و”لهطته” فقط عندما يتعلق الأمر بالرغبة في الحصول على بعض الحاجيات الضرورية، ولكن الفئتين وكل مكونات المجتمع سواء في البوادي أو المدن تشترك في سلوك اللهفة، إذ نشاهدها وهي تقوم بسلوكات “اللهطة” للأسف وتتساوى في الإحساس الخطير بالجوع الذي لا ندري مصدره. هل يعود إلى تلك السنوات العجاف التي عرفها أجدادنا وهي ما يعرف ب”سنوات الجوع” و”عام البون”، وكأن الأجداد والآباء ورثوا للأبناء هذا الخوف من التعرض لمثل هذه الأحداث، أم أنها حالات تولدت لدى المغربي نتيجة نقص وعيه ولفقر الآفاق وقراءة للمستقبل وعدم معرفة كيفية مواجهة الطوارئ في حال نقص بعض الموارد، وفي حال التعرض لبعض الكوارث الطبيعية.
الغريب هو أن من له الرغبة في الاقتناء ومن ليست له الرغبة كلاهما يتسابقان ويتدافعان للدخول إلى المحلات التجارية، وهي حالات نفسية يصعب تحليلها عند المغربي، وللأسف الشديد المواطن المغربي يعيش تحت تأثير هذا الهاجس، وهو ما نشاهده في واقعنا اليومي وفي مجالات متعددة.

< هل تنحصر سلوكات “اللهطة” في الدول النامية؟
خلال فترة مقامي بالديار الفرنسية كنت أشاهد “اللهفة” فقط عند المهاجرين الأفارقة والعرب، إذ يتسابقون ويتزاحمون بشدة على بعض المحلات التجارية، التي تعرف بانخفاض أثمنتها وبعروضها المتوفرة، والتدافع كان فقط من قبل الأجانب.
الفرنسيون لم أشاهدهم يتدافعون بتلك اللهفة أمام تلك المحلات التجارية، بل كنا نجد الطوابير الطويلة للفرنسيين والأوربيين فقط عندما يتعلق الأمر بالرغبة في دخول السينما لمشاهدة بعض الأفلام الجديدة والناجحة، ولكن لا نشاهد تلك “اللهطة” وذلك التدافع الكبير الذي نشاهده عند مواطني الدول النامية الذين يتزاحمون في ديار الغربة من أجل الدخول إلى بعض المحلات التجارية المنخفضة الأثمان للظفر ببعض المنتوجات والمواد للعودة بها إلى بلدانهم.
للأسف اللهفة أو “اللهطة” نحملها معنا من داخل الدول النامية وكأنها ثقافة تربينا عليها داخل مجتمعاتنا.
أجرى الحوار: محمد بها
* أستاذ باحث في علم الاجتماع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى