fbpx
حوادث

عدم رجعية القوانين قاعدة دستورية

الوكالات العرفية توقف العمل بها ولا يمكن إبرامها إلا وهي رسمية

(2/1)

بقلم: مبارك السباغي *

إذا كان القانون حسب الفصل 6 من الدستور المغربي هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة، فإنه وجب على الجميع من أشخاص ذاتيين أو اعتباريين، الالتزام بمضامينه والامتثال له. وعلى السلطات العمومية توفير الظروف التي تمكن من تعميم الطابع الفعلي لحرية المواطنات والمواطنين، والمساواة بينهم، ومن مشاركتهم في الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، وتضيف المادة نفسها إلى ضرورة دستورية القواعد القانونية، وتراتبيتها، وجوب نشرها.

 

ما يهمنا في هذا البحث هو ما جاء في فقرتها الأخيرة: ” …ليس للقانون أثر رجعي”، فهي مربط الفرس، وهذا ما سنشرحه في هذا المقال.
لو افترضنا أن نص المادة الرابعة صدر أصلا كما هو الآن بعد التعديل الأخير (قانون 69 – 16 ) منذ 2011، تاريخ دخول القانون رقم 39 – 08 المتعلق بمدونة الحقوق العينية، حيز التنفيذ. هنا للتوضيح أكثر، يكون العقد العرفي والوكالة العرفية المتعلقان بالتصرفات الواجب إثباتها بمحرر رسمي أو ثابت التاريخ مهددين بالبطلان إن أبرما بعد 24 ماي 2012. وهل تم إبطال العقود العرفية المنجزة قبل هذا التاريخ ؟. لا يمكن أبدا إبطالها ولذلك لا زال مفعولها قائما وصحيحا إلى يومنا هذا. وما يطبق على العقد العرفي يطبق على عقد الوكالة. لكن إبرام عقود عرفية جديدة في ظل القانون 39 – 08 باطل بطلانا مطلقا، كما تكون الوكالة العرفية المنشأة في ظل القانون 69 – 16، باطلة بدورها بطلانا كاملا، لأن هذا البطلان من النظام العام، لا تجوز فيه الإجازة أو الإقرار. فالباطل والعدم سواسية، وحتى المتعاقدون أنفسهم لا يمكنهم إجازة ما هو معدوم، ولكن الإجازة التي لا ترد على العقد الباطل لا تمنع من إبرام التصرف أو عقد الوكالة من جديد بعد تلافي سبب بطلانه. وفي هذا السياق، ينعقد عقد جديد لا صلة له بالعقد الباطل، وينتج آثاره من تاريخ انعقاده. بمعنى أنه لا يمكن بإقرار تصرف باطل بقوة القانون.
أما التصرفات العقارية والوكالات العرفية المنجزة ( أقول ) قبل 20 شتنبر 2017، صحيحة أو باطلة، لا ثالث لهما.
وبما أن المشرع المغربي قرر إبطال مفعول الوكالات العرفية المحررة في ظل القانون الجديد، فالسلطة التشريعية التي تلغي القاعدة القانونية المعمول بها، بوقف العمل بها وتجريدها من قوتها الملزمة وإزالة الصفة القانونية عنها، هي السلطة التشريعية نفسها التي تملك صلاحية إحداثها أو إحداث قاعدة أعلى منها درجة. فالقاعدة القانونية لا تلغى إلا بقاعدة أخرى من القوة نفسها أو بقاعدة أعلى منها.
بالرجوع إلى القانون 69 – 16، نتأكد يقينا أن الوكالات العرفية قد توقف العمل بها ولا يمكن إبرامها بعد 14 شتنبر 2016، إلا وهي رسمية. يعني أن هذا التاريخ هو الفاصل، وهو نقطة الانطلاقة الجديدة لتعميم الرسمية والوكالات ذات تاريخ ثابت. هذا هو المنحى الجديد الذي فرضته ظروف خطيرة كادت أن تزعزع الأمن القانوني عموما والأمن العقاري خصوصا. في هذا السياق وجه جلالة الملك محمد السادس رسالة إلى وزير العدل للحد من حالات التزوير المفضي للاستيلاء على أملاك الغير وذلك بالضرب على أيدي المتورطين والنصابين.
لم يمر وقت طويل حتى حل فجأة القانون 69 – 16 المتمم للمادة الرابعة المذكورة أعلاه، دون سابق إنذار، حل هذا القانون الجديد وباغت كافة المواطنين والمواطنات وحتى الأجانب، مما جعله يثير حالة من الاضطراب ويرغمنا على طرح رزمة من الأسئلة والتساؤلات ومحاولة الاجتهاد والتحليل، علنا نجد الحل الناجع أو على الأقل معرفة ما يقصده المشرع.
في نظري المتواضع، أرى أن العبرة بتاريخ الوكالة العرفية لا بتاريخ التصرف، لأن الأثر المباشر أو الفوري أو الحالي للقانون “Effet imédiat” يسري على الوقائع التي تحدث من يوم نفاذه ( 14 شتنبر 2016 ) إلى يوم إلغائه، ( ولو أنه في الحقيقة ابتداء من العلم به في هذه النازلة أي بتاريخ 20 – 09 – 2017 ). وهذا هو السائد والمعمول به لأن الدستور المغربي ينص على عدم رجعية القوانين أو عدم سريان القوانين على الماضي أو عدم استناد القوانين على الماضي، ما نطلق عليه باللغة الفرنسية: Principe de la non- rétroactivité des lois، ومفاده أن القانون لا يسري على الوقائع التي تحدث قبل نفاذه.
ويقصد بالأثر المباشر أن القانون الجديد لا يسري على العقود والوكالات العرفية الذي تمت قبل أن يصير نافذا، إذ أن هذه الوقائع يحكمها القانون القديم التي عرضت تحت ظلــه، ولو تم إلغاؤه بالقانون الجديد.

*محافظ ممتاز سابقا وموثق حاليا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى