fbpx
مجتمع

كواليـس صفقـة “خيرنـا مـا يديـه غيرنـا”

بن الشيخ استعبد تلاميذ بـ 85 درهما يوميا وحصاد رهن الوزارة في صفقة تجهيزات مدرسية رديئة

مازالت ارتدادات الزلزال السياسي الذي أطاح برؤوس وزراء ومسؤولين كبار متواصلة، بانتقال لجان المفتشيات الوزارية إلى السرعة القصوى، في افتحاص أوراش ومشاريع وبرامج وصفقات، طالتها شبهات الاختلالات خلال فترة تدبير هؤلاء المسؤولين. يتعلق الأمر خصوصا بصفقة “صينية”، في إشارة إلى تدني جودة المنتوجات التي صنعت في إطارها، أثارت جدلا واسعا قبل الدخول المدرسي الجديد، حين فوت محمد حصاد، وزير التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي السابق، صفقة بالملايير لإنجاز 350 ألف طاولة مدرسية لمكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل، الذي يديره زميله في الحكومة، العربي بن الشيخ، كاتب الدولة المكلف بالتكوين المهني سابقا.

خرج تلاميذ في شعب النجارة والحدادة والتلحيم في مراكز التكوين، التابعة لمكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل والكفاءات، إلى موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” للاحتجاج ضد إدارة المكتب، الذي أعفي مديره العام من مهامه أخيرا بتعليمات ملكية، عصفت أيضا، بالوزير صاحب صفقة التجهيزات المدرسية، إذ طالب هؤلاء التلاميذ بتسديد “أجورهم”، البالغة قيمتها 85 درهما يوميا، وتسريع صرف ما بذمة المكتب من متأخرات عن الأجور، عن عملهم في تصنيع طاولات ومكاتب وكراس منذ غشت الماضي، إذ لم يتوصلوا إلا بمبالغ هزيلة عن مجمل ساعات الشغل التي قضوها طيلة ثلاثة أشهر الماضية، وكذا التعجيل بإنهاء اختباراتهم والحصول على دبلومات التخرج، بعد تأجيلها بسبب ورش ضخم، فتحته وزارة التربية الوطنية تحت مسمى “خيرنا ما يديه غيرنا”، حسب تعبير مصدر مهني.
واستعانت الوزارة، باعتبارها الجهة صاحبة المشروع، في سابقة من نوعها، بخدمات مكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل، لغاية تصنيع 350 ألف طاولة للتلاميذ، و146 ألف مكتب ومثلها من الكراسي للأساتذة، إلى جانب إلزام الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين بتجديد جزء من التجهيزات المدرسية الموجودة بوسائلها الخاصة، إذ اقترح العربي بن الشيخ، مدير مكتب التكوين وكاتب الدولة في التكوين المهني حينها، بإحالة مهام التصنيع على التلاميذ المتدربين في مختلف مراكز التكوين التابعة لمؤسسته.
نظام “سخرة”

استطاع العربي بن الشيخ، كاتب الدولة في التكوين المهني سابقا، ومدير مكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل في الوقت نفسه، إقناع محمد حصاد، وزير التربية الوطنية السابق، بقدرة المراكز التابعة للمكتب الذي يديره، على إنجاز طلبية ضخمة من الطاولات (350 ألف طاولة)، وتوفرها على الإمكانيات اللازمة للقيام بهذه المهمة، ليورطه في صفقة متعثرة، ما زال مسار تنفيذها مجهولا، ليبدأ المشروع بعقد الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين اتفاقات شراكة مع المراكز التابعة لمكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل، استنادا إلى المادة 86 من مرسوم الصفقات العمومية، التي تتيح إبرام صفقات تفاوضية في مجموعة من الحالات، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالأعمال التي يجب إنجازها في حالة الاستعجال القصوى.
وأفاد مصدر مهني، أنه عند تنزيل القانون على أرض الواقع، في إشارة إلى مقتضيات مرسوم الصفقات العمومية، لوت الجهة صاحبة المشروع عنق النص، الذي يتضمن حالات أخرى لا تنطبق على صفقة التجهيزات المدرسية، التي كرست نظام “سخرة” جديدا في المغرب، من خلال تشغيل تلاميذ قاصرين، تقل أعمارهم عن 18 سنة في أعمال تصنيع شاقة مع استعمال مواد أولية غير مسموح العمل بها، إذ تضر بصحة العمال، وذلك مقابل أجر يومي لا يتجاوز 85 درهما، ناهيك عن تعريضهم لمخاطر حوادث الشغل دون الاستفادة من تأمين خاص عليها.
ونبه المصدر ذاته، إلى تحول جديد في تطبيق القانون أيضا، من خلال الالتفاف على أهداف الإطار التشريعي المنظم للصفقات العمومية، المتمثلة في إحداث القيمة ومناصب الشغل وتحفيز الرواج التجاري، من خلال ضمان توزيع واستفادة المقاولات المتوسطة والصغرى من حصصها في المشاريع المرتبطة بطلبات عروض تعلن عنها الدولة. وعليه، فإن تفويت وزارة التربية الوطنية لصفقة تجهيزات مدرسية ضخمة لمرفق عمومي (مكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل)، يتعارض مع روح القانون.

سباق الزمن

عملية التصنيع التي انطلقت منذ غشت الماضي، في إطار صفقة كان هدفها الظاهر تقليص التكاليف بأزيد من الثلث ما زالت تراوح مكانها، إذ لم يتم تسليم الدفعات المتفق عليها من التجهيزات إلا لعدد قليل من الأكاديميات الجهوية، إذ تساءل مصدر مهني عن دوافع تفويت صفقة الطاولات إلى مكتب التكوين المهني، الذي لم يصنع حتى تجهيزاته الخاصة، ذلك أنه يستعين بمزودين خارجيين في هذا الشأن. وتسابق الأنامل الصغيرة الزمن من أجل الوفاء بالتزامات، يستغرق تنفيذها سنوات، حسب مصدر مهني، موضحا أن وتيرة التسليم الحالية، التي تجاوزت موعد الدخول المدرسي، غطت قرابة 10 % فقط من الحاجيات، من خلال ثلاثة أشهر عمل.
تداعيات الصفقة المثيرة للجدل، ظهرت منذ غشت الماضي، إذ لم تتحرك هواتف المصنعين المعروفين طلبا للمواد الأولية، بعد تحييد دورهم لفائدة مكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل، وتوقف رواج عدد كبير من مزودي المواد الأولية، خصوصا الخشب والحديد والغراء، إذ يتحدث مصدر مهني عن تهديد الصفقة بفقدان عدد كبير من مناصب الشغل في الشركات المتخصصة في تصنيع التجهيزات المدرسية، التي تنشط في إطار هذا النوع من الصفقات العمومية منذ السبعينات، وراكمت خبرة طويلة في هذا الشأن، ناهيك عن أدائها التزامات ضريبية مختلفة، من الضريبة على القيمة المضافة إلى الضريبة على الشركات، وتحملاتها عن أجور العاملين (الضمان الاجتماعي والتأمين الصحي…). وشدد المصدر ذاته، على استحالة وفاء مراكز التكوين المهني بالتزاماتها في الصفقة المذكورة، انطلاقا من عدم توفرها على الخبرة اللازمة، إذ تمثل اليد العاملة 30 % من إجمالي التكاليف في الشركات المتخصصة، موضحا أن أطنانا من الحديد تتعرض للصدأ وخطر التلف بسبب رداءة ظروف تخزينها في المراكز، ونقلها من منطقة إلى أخرى، ذلك أن مكتب التكوين المهني لجأ إلى خدمات شركات من أجل تطويع الحديد، بسبب عدم وجود يد عاملة مؤهلة للقيام بهذه المهمة، والأمر نفسه بالنسبة إلى الصباغة ومهام أخرى، ما يمثل زيادة في التكاليف، التي أعلن عن استهداف تخفيضها.
طاولات “جوطابل”

اجتاحت صور من حجرات الدراسة موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” لمناسبة موسم الدخول المدرسي الجديد، توثق طاولات تعرضت للتلف بعد تسلمها من مراكز التكوين المهني، إذ تعرض خشب المقعد والمنضدة للكسر، وهو الأمر الذي فسره مصدر مهني، باعتماد التكوين المهني على الخشب الجديد “نوفو بوار”، عوض رقائق الخشب “كونطر بلاكي”، وبالتالي تدني آجال ضمان جودة المنتوج، الذي أصبح موجها للاستهلاك لمرة واحدة “جوطابل”. وتحدث المصدر عن مراكمة الشركات المتخصصة خبرة طويلة في تعاملها مع الطلبات العمومية للمدراس والمؤسسات التعليمية خلال العقود الماضية، طورت خلالها فهما جيدا لحاجيات التلاميذ، خصوصا عند الجلوس، إذ لا تتوفر الطاولات الجديدة على دعامة للظهر مريحة، إلى جانب “قمطر”، أي فسحة خشبية تحت المنضدة لتخزين المحفظة، كما أن هيكل الطاولة تغير ليصبح أكثر ضيقا، ما صعب عملية التصفيف والتخزين، عند نقل الطاولات من منطقة إلى أخرى.
بدر الدين عتيقي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى