متسولون ولصوص ومحتاجون يبيعون كيلوغراما من "الغنمي" بعشرين درهما إنه سوق فريد من نوعه، لا وجود فيه للخيام أو المحلات التجارية، بل تعرض السلع في الهواء الطلق وعلى الأرض مرة واحدة في السنة لثلاثة أيام متتالية، ثم يختفي الجميع، مثل أشباح أو عفاريت تخرج من مصباحها السحري، فقط، يوم عيد الأضحى.يشد متسولون ولصوص، ابتداء من زوال يوم العيد، الرحال إلى سوق "درب ميلا" بالدار البيضاء، فهو سوق لا مثيل له، خاص، فقط، بعرض لحوم الأضاحي، ولا يخضع إلى قانون العرض والطلب أو لجان المراقبة أو منطق المنافسة، فـ "سوق الفقراء"، كما يحلو للبعض تسميته، يجذب إليه نوعية غير متجانسة من البائعين والمشترين، وسط سخط البعض وتبريرات آخرين.يستمر السوق ثلاثة أيام التي تلي العيد، ويشهد حركة دؤوبة، خصوصا بعد تزايد "الحركة التجارية" به، خلال السنين الأخيرة، حتى أنه أصبح قبلة للمتسولين والمعوزين وبعض اللصوص الذين يجنون مبالغ مالية تنسيهم، مؤقتا، ارتفاع تكاليف عيد الأضحى.يروي عزيز (متسول في حوالي الأربعين من عمره) تفاصيل رحلة تنتهي به في السوق، إذ يستيقظ يوم العيد باكرا، وما إن تبدأ بعض الأسر في نحر الأضحية بالحي المحمدي ودرب السلطان والمناطق المجاورة حتى يحصل على جزء من "السكيطة"، ثم يخزنها في أكياس بلاستيكية في انتظار شحنها إلى سوق "درب ميلا"، ثم يعاود الكرة طيلة الأيام الثلاثة الموالية، فلولا صدقة المحسنين لما نجح في الحصول على بعض المال يغنيه شهرا كاملا، يقولها مبتسما بعد أن باع كيسا من اللحم بحوالي ثلاثين درهما.يبدو السوق (وهو عبارة عن أزقة) أشبه بمجزرة، إذ تفوح منه رائحة اللحم إلى حد الاختناق، ويفترش عدة أشخاص الأرض، غير آبهين بزخات المطر، لعرض أكياس ممتلئة بلحم الغنم، بعضهم يفضل بيع الكيلوغرام الواحد ب20 درهما، وآخرون يفضلون عملية البيع بالمزايدة عليها.. لكن هل كل البائعين متسولون؟يجيب أحدهم أن الأمر ليس بهذه البساطة، فرغم أن أغلبية البائعين من المتسولين، إلا أن هناك فئات أخرى تفضل بيع أضحية العيد علها تسترجع بعض المال، فالفئات المعوزة التي اقترضت لتوفير الأضحية تفضل بيع أجزاء كبيرة منها علها توفر بعض المال، في حين أن بعضهم، وهم قلة، من اللصوص، إذ سبق لمصالح الشرطة القضائية، خلال السنة الماضية، أن ضبطت لصا سرق أضحية من أحد المنازل. أجواء من الحزن تخيم على السوق، إذ تختفي البسمة من ملامح الجميع، فهم مكرهون على بيع اللحم، إلا أن آخرين، ومنهم أصحاب مطاعم، وجدوها تجارة مربحة تمكنهم من الحصول على لحم الغنمي بثمن حطم كل الأرقام القياسية في تدني الأسعار.خالد العطاوي