شهادات بطعم العلقم لنساء قدمن لزيارة معتقلين بسجن "سيدي سعيد" بمكناس كانت عقارب الساعة تزحف نحو تمام الحادية عشرة من صباح يوم مشمس وحار من شهر شتنبر الماضي، عندما اقتربت "الصباح" من بوابة السجن المحلي "سيدي سعيد" بمكناس. أمام هذه البوابة الحديدية الزرقاء، التي تخفي وراءها ما تخفيه من آلام وأسرار، تجمعت عشرات النساء، من مختلف الأعمار والمستويات الثقافية والاجتماعية، يترقبن بلهفة كبيرة لحظة السماح لهن بتخطي عتبة السجن، إيذانا بـ"الاستمتاع" بالزيارة الأسبوعية لفلذات أكبادهن أو أقربائهن، الذين حكمت عليهم الظروف والأقدار بقضاء مدد، قد تطول أو تقصر، خلف الأسوار الإسمنتية العالية للسجن، علو نظيراتها الإسماعيلية التي تؤثث مساحات كبيرة من حاضرة باب منصور.مشهد تلك النسوة في ذلك اليوم، وهن يتصببن عرقا في انتظار ساعة الخلاص، يدعو إلى الشفقة والرأفة، كما أنه يجسد واقعا ملموسا لن يختلف حوله عاقلان، وهو أن معاناة أهالي وأسر السجناء لا تقل حدة عن مآسي المعتقلين أنفسهم، بل وتتعداها على أكثر من مستوى وصعيد، لأنه خلال الفترة التي يقضيها السجين خلف القضبان، تظل عائلته كلها سجينة معه، بتفكيرها وتحركاتها وزياراتها وهمومها. فما إن ينطق القاضي بالحكم السالب للحرية في حق متهم ما، حتى تجد أسرة الأخير نفسها مدانة بشكل أو بآخر، خصوصا النساء، أمهات كن أم زوجات أو غيرهن، واللواتي يتحملن في الغالب الأعباء النفسية والمادية لمواجهة تدبير مصاريف تحضير مستلزمات السجناء، وهو ما يعرف بـ "القفة" أو "البانيي"، علما أن الأسر التي تنتمي في الغالب إلى الفئات المعوزة، تتحمل الجانب الأكبر من تغذية أبنائها أو أقربائها داخل السجون، بطلب من السجناء أنفسهم، لأن ما يقدم لهم من وجبات داخل السجن لا يفي بالحد الأدنى للحفاظ على صحتهم، فبالأحرى تمكينهم من تغذية كاملة ومتوازنة، فضلا عن توفير أشياء أخرى، خصوصا إذا كان السجين مدمنا على السجائر، كما تصبح العائلة مطالبة بالملبس والمال أيضا.والغريب في الأمر أن جل السجناء يتحولون إلى مدللين لدى أسرهم، المعوزة منها والميسورة، إذ تصبح تلبية مطالبهم شيئا أكثر من "مقدس"، ما يفتح الباب على مصراعيه لهموم و مشاكل اجتماعية يقود إليها هذا الحرمان، كالتعاطي للدعارة والسرقة والعنف والتسول.. "زيارة موقوفة التنفيذ"على بعد حوالي عشرة أمتار من مدخل السجن، تحلقت نسوة حول امرأة في عقدها السادس، وهي تندب حظها العاثر، جراء عدم السماح لها بزيارة ابنها الذي لم تنعم برؤيته طيلة شهر رمضان الأخير نتيجة معاناتها مع داء السكري المزمن، والسبب في تجريدها من حقها المشروع في مقابلة نجلها، المتابع في قضية جنائية لم يقل فيها القضاء كلمته بعد، كما أخبرها أحد الحراس المكلفين بتنظيم عملية الدخول، هو أن القانون المعمول به بالمؤسسات السجنية المغربية ينص على معاقبة السجناء غير "المنضبطين" أخلاقيا، والذين يتم الزج بهم في غياهب الزنازين التأديبية الانفرادية، أو ما يعرف لدى السجناء بـ "الكاشو"، بالحرمان من مقابلة الأهل أو الأقارب ممن لهم الحق في الزيارة الأسبوعية. وبما أن ابنها يعيش الوضعية ذاتها، فإنه سيكون محروما من هذا الحق لمدة 45 يوما بالتمام و الكمال، وبالمعنى الأصح ستعاقب والدته، التي لا ذنب لها في ما حصل. لم تستسغ تلك المرأة قرار المنع من الزيارة، التي ظلت تنتظرها على أحر من الجمر، كما أنها لم تتقبل سماع الخبر الصاعقة، أن فلذة كبدها سيظل حبيس الزنزانة لردح من الزمن، ما جعلها تجهش بالبكاء. تقول "لم أقو على تحمل الصدمة التي ستضاعف لا محالة من معاناتي الصحية والنفسية، أنا لست ضد اتخاذ القرارات التأديبية في حق المعتقلين "المشاغبين" على حد قول "الكارديان" (الله وحدو اللي كيعلم الحق أسيدي)، لكني أرفض بالمقابل أن تحرم أم، هي مكلومة أصلا من هول وفاجعة الاعتقال، من احتضان ابنها ولو لبضع دقائق". لا تجد المرأة بدا من إيداع "القفة"، التي قالت إنها دبرت مصاريفها من سلف من إحدى الجمعيات الخاصة بالقروض الصغرى، لدى موظفي السجن، علها تصل إلى ابنها. "القفة والحكرة""ما قدهومش هم "القفة" زايدنها بالحكرة حتى هي"، بهذه الجملة التي تحمل في طياتها أكثر من معنى ومدلول، أبت عائشة (39 سنة) إلا أن تنصب نفسها نائبة عن زائرات سجن "سيدي سعيد" في التعبير عن معاناتهن المريرة مع تحضير"القفة"، وما يسبق هذه العملية من كد وعرق في سبيل إحضار وتوفير المال، قبل الاستعداد لتقبل شتى أنواع الشتائم والإهانات من طرف بعض حراس السجن، تقول عائشة، التي جاءت لزيارة زوجها المحكوم ابتدائيا بسنة ونصف بتهمة الحيازة والاتجار في المخدرات مع حالة العود، والذي ينتظر صدور الحكم الاستئنافي: "بكل صراحة، سئمت الاستمرار في هذه الوضعية الكارثية،التي يتحمل أفراد الأسرة تبعاتها، إذ أجوع أنا وأبنائي الثلاثة من أجل توفير المتطلبات اليومية لزوجي المدان، من طعام وملابس وسجائر.. ذلك أن الحد الأدنى لمصاريف "القفة" التي أحضرها له أسبوعيا هو 1250 درهم، فضلا عن مصاريف بعض الأدوية التي يتناولها بين الحين والآخر نتيجة إصابته بنوبات الصداع النصفي (الشقيقة)، علما أننا لا نتوفر على موارد مالية قارة من شأنها تلبية هذه الطلبات، وما أكثرها داخل سجن ما كاين فيه لا حنين ولا رحيم سوى ربي تعالى، ما أجبرني على الاشتغال خادمة في البيوت، في حين يقوم ابني البكر، الذي انقطع منذ ثلاث سنوات عن متابعة مساره الدراسي، ببيع السجائر بالتقسيط، أما شقيقه الأصغر فيتحمل هو الآخر عناء بيع الأكياس البلاستيكية في سوق الخضر القريب من البيت الذي نقطنه بأحد أحياء المدينة، ونحمد الله تعالى على امتلاكنا لبيت يقيني أنا وأبنائي شر التسكع في الطرقات".معاناة الزائرات لا تقف عند حدود عبء "القفة"، بل تتجاوزه إلى التعرض في غالب الأحيان للعنف اللفظي الذي يصدر من بعض الحراس، سواء أثناء عملية الدخول إلى السجن، والتي تخضع لإجراءات معقدة جدا، أو أثناء مدة الزيارة نفسها، على حد شهادة المتحدثة ذاتها، والتي أضافت وعلامات الحزن تعلو محياها الشاحب "اعتدنا في كل زيارة سماع ما جد في قاموس الكلام النابي و الفاحش، والذي يندى له الجبين، ومن أراد التأكد من صحة هذا الكلام فما عليه إلا أن يأخذ مكانه قبالة إحدى المؤسسات السجنية المغربية في أوقات الزيارة، إذ أن السجناء وزائريهم ليسوا إلا أذناب سجائر في نظر بعض موظفي السجون المغربية، التي يتغنى الساهرون عليها بموشحات التربية والتكوين وإعادة الإدماج". تصريح هذه الشابة، الحاصلة على شهادة الباكلوريا في العلوم التجريبية دورة يونيو1991، على حد قولها، يفسر بوضوح كيف تتقاطع زائرات سجن سيدي سعيد مع أقربائهن المعتقلين في التعرض للإهانة والتعنيف اللفظي لأبسط الأسباب. خليل المنوني (مكناس)