رحيل الأب الروحي وأيقونة آبل يحرم الشركة ألقها توفي ستيف جوبز مدير شركة آبل السابق وأحد مؤسسيها، عن عمر يناهز 56 عاما، وكان جوبز رائدا في صناعة أجهزة الكمبيوتر الشخصية وأسهم إلى حد كبير في تغيير طريقة تفكير الناس حول التكنولوجيا.وكانت مجموعة آبل الأمريكية أعلنت في غشت الماضي استقالته ودخوله في عطلة مرضية منذ يناير لمدة، ولأسباب غير محددة. تتعدد قصص النجاح، وتتنوع أسبابها، ولكن قليلا منها يستحق التوقف عنده، خاصة إذا كانت قصة النجاح تجمع بين العبقرية والمثابرة. فقد تتوافر العبقرية لدى أناس، ولكن بلا مثابرة، وقد توجد المثابرة ولكن بلا عبقرية، أما أن يتوافر الاثنان في قصة نجاح، فلن تكون هذه القصة سوى قصة نجاح ستيف جوبز الرئيس التنفيذي السابق لشركة “آبل".تنشئة اجتماعية صعبة ولد ستيف جوبز في 24 فبراير1955 في مدينة سان فرانسيسكو، عرضته والدته للتبني بعد ولادته، لأنها لم تكن متزوجة وطالبة في الجامعة، وكان شرطها أن يكون من يتبناه حاصلا على مؤهل جامعي، وتبنى الزوجان بول وكلارا جوبز المولود، رغم عدم تلبيتهما للشرط المذكور، وذلك بعد تعهدهما بإرساله إلى الجامعة.تدرج جوبز في المراحل الدراسية المختلفة وما إن وصل إلى مرحلة الصفوف الثانوية، حتى ابتكر أول شريحة الكترونية في حياته.ومرة، أراد الحصول على قطعة نادرة تصنعها شركة هوليت باكرد لمتابعة أحد مشاريعه فوجه إلى أحد مؤسسي الشركة، رسالة طالبا فيها إرسال القطعة. فلم يكتف مسوؤل الشركة بتسليمه ما يريد، بل دعاه إلى العمل في مصنع شركته خلال الإجازة المدرسية في الصيف. هناك، التقى جوبز لأول مرة بستيفن وزنياك أحد المهندسين الإلكترونيين.وفي عام 1972، تخرج جوبز من ثانوية هوم ستيد في كاليفورنيا ودخل إلى جامعة ريد في ولاية أوريجون. لكنه رسب في الفصل الأول، فقرر عدم متابعة دراسته الجامعية، لكنه بقي في محيط الكلية يلتقط بعض دروس الفلسفة والثقافات الأجنبية.يقول جوبز عن السنة الأولى التي قضاها في كليته “بعد ستة شهور لم أجد لها قيمة، لم يكن لدي تصور عن الهدف الذي أريد تحقيقه في حياتي، ولا عن فائدة الجامعة في تحقيق هذا الهدف، كما أنني انفق كل ما أدخره والداي طوال حياتهما، ولذلك قررت التوقف. لقد كان الأمر مخيفا وقتها، لكنني أرى الآن انه أفضل القرارات التي اتخذتها في حياتي”.بدايات العمل وانطلاقة آبلوبعد عام تقريبا، قدم المبتكر الصغير ورقة عن أفكاره في قطاع الالكترونيات إلى شركة أتاري، الرائدة في صناعة ألعاب الفيديو.وما لبث أن حصل على وظيفة فيها. وقضى جوبز جزءا من عام 1974 كمصمم للألعاب.وبعد جمعه بعض الأموال، توجه إلى الهند ليدرس رفقة صديقه دان كوتكي روحانيات شرقية. وما هي إلا أشهر حتى بدأ يعاني مرضا أجبره على العودة إلى الولايات المتحدة، حيث عاش لفترة قصيرة في مزرعة، قبل العودة إلى بيت أهله وإلى عمله السابق في “أتاري”.في 1975، انضم جوبز إلى “هومبرو كمبيوتر” وهو ناد لمطوري أجهزة الكمبيوترات الشخصية، من بين أعضائه وزنياك الذي تعرف عليه في ‘إتش بي” فشجع جوبز صديقه على ترك وظيفته مهندسا في “إتش بي”، لينضم إليه في مغامرة تتعلق بالكمبيوتر الشخصي.وسجل التاريخ عام 1976 بداية انطلاق شركة آبل، فجوبز، ابن الـ21 ربيعا، ووزنياك، الذي يكبره بأربع سنوات، صنعا أول نموذج لكمبيوتر شخصي وحمل الاختراع الجديد اسم “آبل 1”. وأول ما بدأ جوبز بيع كمبيوتره، أقنع متجرا للالكترونيات بشراء 50 كمبيوترا شخصيا ليبيعها لتلاميذ المدرسة، فانتهى جوبز ووزنياك ببيع أكثر من 600 كمبيوتر محققين ثروة تقدر بنحو 774 ألف دولار. وفي عام 1977، قرر الرئيس التنفيذي السابق لشركة “إنتل” مايك ماركولا الاستثمار في “آبل”، ليصبح رئيس مجلس إدارتها ويدخل معه استثمارات رجال أعمال عديدين. في هذا العام، خرج “آبل 2” إلى الضوء. ومع قدرة جوبز على إقناع الشركات لشراء كمبيوتره، أصبح “آبل 2” أنجح كمبيوتر شخصي في السوق الأمريكي.ولادة ماكنتوشونجح جوبز في بيع مئات الأجهزة، وكذلك في الدمج بين ابتكار الالكترونيات عالية الجودة والبيزنس اليومي. ولم يكتب لوزنياك الاستمتاع بنجاح الشركة، فتعرض لجراح بالغة إثر تحطم طائرته الخاصة. فقرر التفرغ لحياته الأسرية والمشاريع الاجتماعية والتعليم.وفي دجنبر 1980، طرحت “آبل” في اكتتاب عام أولي بسعر 22 دولارا للسهم.وسرعان ما قفز السعر إلى 29 دولارا، لتصبح قيمة “آبل” السوقية 1.2 مليار دولار. وكان جوبز المساهم الرئيسي في الشركة مع حصة 15 في المائة من الأسهم. وفي العام نفسه، أنتجت الشركة “آبل3”، لكن استعادت الكمية الأولى من 14 ألف جهاز من السوق بسبب بعض المشاكل التقنية.وفي 1982، أتى جوبز بجون سكولي من شركة بيبسي ليكون الرئيس التنفيذي ل”آبل”. وفي العام نفسه، ربحت “آبل” للمرة الأولى مليار دولار. وبعد إطلاق جهاز “ليزا” عام 1983 الفاشل نسبياً بسبب سعره المرتفع وتقنيته المرتفعة، وضع جوبز وسكولي خطة لتطوير جهاز جديد اسمه “ماكنتوش”، إذ استخدمت تكنولوجيا “ليزا” نفسها، لكن بأسلوب أبسط. وفي عام 1984، أطلق أول كمبيوتر “ماكنتوش”، أصبح في ما بعد معيارا للكمبيوترات في العالم. وشكل الجهاز الجديد، الذي بيع بـ 2495 دولارا، ضربة موفقة.الرحيل من آبل يعتبر جوبز موظفا جيدا للكفاءات، لكنه يملك نزعة للسخرية من الموظفين بعد إدخالهم إلى فريق العمل. وعانى سكولي نفسه من مزاجية جوبز. فأقنع مجلس الإدارة بانتخابه رئيسا للمجلس دون أي سلطات. ووافقه زملاؤه الرأي، فوجد جوبز نفسه دون عمل ينجزه.وفي 1985، ترك مؤسس “آبل” مؤسسته، وباع كامل حصته ليخسر حينها 500 مليون دولار بسبب انخفاض مؤشر سوق المال، لكنه خرج محملا بـ 250 مليون دولار.جوبز يبدأ الرحلة مجددا وما هي إلا أيام حتى دخل مغامرة علامة جديدة. فأسس جوبز شركة تصنيع كمبيوترات بـ7 ملايين دولار من أمواله الخاصة أسماها “نكست ستيب” (أي الخطوة التالية)، لأنه كان مؤمنا بقدراته على تغيير الصناعة.واكتشف جوبز أن كبار رجال الأعمال ومصنعي التكنولوجيا في “سليكون فالي” لا يزالون يقدرونه. فبعد مشاهدة جوبز في فيلم وثائقي تلفزيوني، قرر الملياردير روس بيرو تمويل “نكست”، وتبعه الكثير من أصحاب الثروات، مما سمح لجوبز بجمع رأسمال تخطى مليار دولار .ولم يكتف جوبز الطموح بابتكاراته التقنية، وقرر دخول عالم أفلام الكارتون. وفي عام 1986، اشترى استديو للرسوم المتحركة من جورج لوكاس بحوالي 10 ملايين دولار منقذا الشركة من الانهيار. وتحت اسم “بيكسار أنيميشن ستوديوز”، وجدت الشركة الجديدة بجوبز رئيسا تنفيذيا ورئيس مجلس إدارة يفهم أفكار المبدعين ويريد دمج فن الرسوم المتحركة مع تكنولوجيا الكمبيوترات.وبعد ذلك أنتج جوبز أول كمبيوتر “نكست”، الذي كان متفوقا تقنيا، لكنه فشل تجاريا بسبب سعره المرتفع (9950 دولار)، فلم يبع بين عامي 1989 و1992 أكثر من 50 ألف جهاز. وخلال إلقائه محاضرة في جامعة ستانفرود عام 1989، التقى جوبز بطالبة دكتوراه اسمها لورين باول. وما لبث أن تزوجها بعد عامين، وأنجبت له 3 أولاد.وبسبب الخسائر وسوء الإدارة، أقفل جوبز مصنع “نكست” في فبراير 1993 مسرحا نصف عدد موظفيه. وتوقف بعدها عن تصنيع الكمبيوترات ليركز على البرامج.في هذه الأثناء، كانت آبل تسير في طريق الانهيار. إذ لم تتعد حصتها من سوق الكمبيوترات الخاصة عام 1993 حوالي 8 في المائة فطرد سكولي من الرئاسة التنفيذية وعين مكانه مايكل سبندلير.عام الانتصارات في 1995، خلف سبندلير جيلبرت أميليو، الذي تولى رئاسة مجلس الإدارة أيضا. ووجد أميليو شركة منهارة يائسة: يدعو على اجتماعات دون أن يجد آذانا مصغية، كما رفض الموظفون الامتثال لأوامره والتعاون معه. فسقطت حصة “آبل” من السوق إلى 5.4 في المائة.وقاد اليأس أميليو ليسأل جوبز العودة والانضمام إلى مجلس إدارة آبل مستشارا عام 1995 الذي كان عاما ناجحا بكل المقاييس بالنسبة إلى جوبز فلأول مرة، تحقق “نكست” أرباحا، وبدأ التعاون مع “مايكروسوفت” شركة صديقه بيل غيتس، لتصميم برنامج “ويندوز إن تي”.وفي 22 نوفمبر من العام نفسه، أطلق فيلم “توي ستوري” من إنتاج “بيكسار” و”ولت ديزني”، ليحصد إيرادات تخطت الـ360 مليون دولار. وبعد أسبوع فقط، أي في 29 نونبر 1995، طرحت الشركة في اكتتاب عام أولي. فبيع السهم بـ 22 دولارا سرعان ما قفز إلى 39 دولار. وامتلك جوبز 80 مليون سهم وأصبح مليارديرا. وفي دجنبر 1995، اشترت “آبل” شركة “نكست” بـ400 مليون دولار. بعدها، عين جوبز عام 1997 رئيسا تنفيذيا مؤقتا لـ”آبل” براتب دولار واحد سنويا، مما أدخله في مجموعة غينيس للأرقام القياسية كأقل الرؤساء التنفيذيين تقاضيا للراتب في العالم. وهذا الراتب يعتبر احتيالا على الدولة لعدم خصم الضرائب منه ، في حين أن جوبز يملك أسهما يتقاضى أرباحها كلما زاد نشاط الشركة. ومع استمرار الثقة بنفسه، تغير أسلوب جوبز الإداري بطريقة كبيرة عما كان عليه عام 1985، فأصبح أكثر انفتاحا على الأفكار وأحاط نفسه بخبراء تنفيذيين في القطاعات كافة.وفي غشت 1998، أطلق جوبز “أي ماك” أحد أكثر المنتجات مخاطرة. وتميز الكمبيوتر الجديد بتصميمه الانسيابي، واستخدم حرف الـ”أي” للدلالة على الانترنت. بعد بيع 278 ألف وحدة في 6 أسابيع فقط، لم يبد “أي ماك” في البداية نجاحا كافيا لانتشال “آبل” من قعر الخسائر، لكن سرعان ما بيع 6 ملايين جهاز، لتعود شركة جوبز لاعبا أساسيا في سوق الكمبيوترات الشخصية. وأصبح مؤسس آبل للمرة ثانية رئيسا تنفيذيا دائما للشركة في يناير عام 2000، ومالك 30 مليون سهم فيها. وحصدت الشركة المتجددة في العام نفسه إيرادات تخطت الـ7.9 مليارات دولار مع 786 مليون دولار كانت ربحا صافيا.وفي عام 2001، بدأ جوبز بافتتاح سلسلة متاجر ‘آبل’ للتجزئة، حيث يمكن للزبائن اختبار الكمبيوترات واختيار البرامج بمساعدة أشخاص متخصصين. وما هي إلا سنتان حتى بدأت هذه المتاجر تدر أرباحا.تكنولوجيا الموسيقي أراد جوبز خوض جولة أخرى من الثورة في صناعة جديدة. هذه المرة كانت صناعة الموسيقى. فابتكر ال”أي بود”، جهاز الموسيقى المحمول، في أكتوبر من عام 2001 ليصبح حديث الناس بشكله الفريد وقدرته على تحميل آلاف الأغاني “غم بي 3” في البداية، اقتصرت عملية التحميل على كمبيوترات “آبل”. لكن بعد عام، أصبح تحميل الأغاني ممكنا عبر كمبيوترات “أي بي أم” أيضا، لينتشر المنتج المبتكر بقوة بسعر 399 دولارا. في أكثر المراحل نجاحا في مسيرته كمسوق للإلكترونيات، أقنع جوبز معظم شركات تسجيل الأغاني بمنحه حقوق تسويق أغانيها على الانترنت، خصوصا أن هذه الشركات كانت تعتبر الشبكة العنكبوتية مرتعا للصوص والقراصنة. وفي أبريل عام 2003، أسس جوبز “أي تيون”، وهو برنامج موسيقي رقمي يبيع الأغاني ويحملها على الـ”أي بود” عبر الانترنت.كما طرح جوبز وآبل أحد أهم إنجازاتهم التكنولوجية متمثلا في هواتف “آي فون”.وتمكن جوبز بعد غياب ومشاكل تجارية مدمرة من إعادة أبل إلى مجدها بسلسلة من الأجهزة السحرية الفريدة مثل “آي بود” و”آي فون” و”آي باد”. إعداد: جمال الخنوسي