fbpx
حوادث

دراسة في القانون

قوة دور المحامي أثناء الاستنطاق

المشرع كفل حقوق الشخص الموضوع تحت الحراسة النظرية منذ إلقاء القبض عليه إلى غاية إحالته على قاضي التحقيق

بقلم: د. رشيد تاشفين*

إذا كان المحامي يحرص كل الحرص على ضمان حقوق موكله أو مؤازره أمام القضاء والنيابة العامة، منذ تقديم الشكاية إلى حين عرض القضية على المحكمة، فإن دوره يكتسي قوة كبيرة أثناء مرحلة البحث بنوعيه: البحث التمهيدي والتلبس بالجناية أو بالجنحة، وكذا خلال مرحلة الاستنطاق سواء أمام وكيل الملك أو أمام الوكيل العام للملك بحسب نوعية الجريمة المرتكبة، فإن المشرع المغربي اهتم بحقوق ومصالح المتهم أو المشتبه فيه بارتكاب الجريمة من خلال تكريس مبدأ قرينة البراءة وضمان قواعد المحاكمة العادلة التي التزم بتوفير كل الضمانات القانونية خلال مختلف مراحلها، بمقتضى المادة الأولى من قانون المسطرة الجنائية، التزاما بمبادئ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في مادته العاشرة.

من أهم الضمانات التي أحاطها المشرع بالمشتبه فيه أثناء وضعه تحت تدابير الحراسة النظرية، أنه جعل السلطة القضائية تتولى مراقبة وتتبع جميع الإجراءات المتخذة وخاصة خلال الاستنطاق.
كما حرص المشرع المغربي على إعطاء المحامي دورا أساسيا خلال هذه المرحلة الدقيقة التي يتعين على ضابط الشرطة القضائية احترام مجموعة من التدابير التي تعتبر بحق ضمانات كبيرة تم سنها لفائدة الموضوع تحت الحراسة النظرية بمقتضى المادة 66 من قانون المسطرة الجنائية، ومن ضمنها تحديد مدة الوضع تحت الحراسة النظرية في 48 ساعة حدا أقصى في الجرائم العادية و96 ساعة إذا تعلق الأمر بالمس بأمن الدولة الداخلي أو الخارجي أو بجريمة إرهابية، قابلة للتمديد مرة واحدة لمدة 96 ساعة في الحالة الأخيرة، بناء على إذن كتابي من النيابة العامة وفق ما تقتضيه ضرورة البحث.
ومن الضمانات أيضا الممنوحة للشخص الموضوع تحت الحراسة النظرية، الحق في الاستفادة من المساعدة القانونية، ومن إمكانية الاتصال بأحد أقاربه والحق في تعيين محام أو طلب تعيينه في إطار المساعدة القضائية، حيث تتولى الشرطة القضائية في الحال إشعار المحامي الذي عينه الشخص المعني مع إخبار النقيب بذلك في الحالة الأولى أو تتولى الشرطة القضائية في الحال إشعار النقيب الذي يتولى تعيين المحامي في حالة طلب المساعدة القضائية.
ونظريا للحالة الهشة التي يكون عليها الشخص الذي ارتأى ضابط الشرطة القضائية وضعه تحت الحراسة النظرية، والتي ستؤدي لا محالة إلى حرمانه من حريته ومن حقه في التنقل، فقد ارتأى أن يكون هذا الشخص الموجود في هذه الوضعية غير العادية، في حاجة إلى مؤازرة من محاميه الذي سينير له طريق الحفاظ على حقوقه، لذلك جعل الاتصال بالمحامي يكون خلال النصف الأول من مدة الحراسة النظرية الأصلية، أي منذ الساعة الأولى للاعتقال والوضع تحت الحراسة النظرية إلى غاية انتهاء نصف المدة الأصلية للحراسة النظرية.
وتتولى النيابة العامة الترخيص للمحامي بالاتصال بالموضوع تحت الحراسة النظرية، لمدة لا تتجاوز 30 دقيقة، تحت مراقبة ضابط الشرطة القضائية، مع ضمان توفير كل ما يكفل سرية المقابلة.
وللمحامي المرخص له أن يقدم أثناء مدة تمديد الحراسة النظرية كل الوثائق والملاحظات الكتابية التي يراها مفيدة للشرطة القضائية أو للنيابة العامة قصد إضافتها إلى المحضر مقابل إشهاد، ومن ضمنها ما يتعلق بالحالة الصحية والبدنية للموضوع تحت الحراسة النظرية وما لاحظه المحامي عليه من آثار أو إصابات خلال زياته الأولى له.
ومعلوم أن ضابط الشرطة القضائية ألزمه المشرع أن يقيد في السجل الممسوك من قبله والمتعلق بالحراسة النظرية، هوية الشخص الموضوع تحتها والجريمة المقترفة من قبله وساعة بداية ونهاية الحراسة النظرية والمدة التي استغرقها استنطاقه وأوقات الراحة وحالته البدنية والصحية والتغذية المقدمة له (المادة 66 من قانون المسطرة الجنائية).
ويجب توقيع هذا السجل من قبل الشخص الموضوع تحت الحراسة النظرية إلى جانب ضابط الشرطة القضائية، بمجرد انتهائها، وإذا كان الشخص غير قادر على التوقيع أو الإبصام أو إذا رفض ذلك، يشار إليه بالسجل الذي يجب عرضه على وكيل الملك للاطلاع عليه ومراقبته والتأشير عليه مرة واحدة في الشهر على الأقل.
وبذلك يتضح أن المشرع أحاط الإجراءات التي تقوم بها الشرطة القضائية بمراقبة وكيل الملك باعتباره سلطة قضائية مختصة.
وبعد انتهاء مدة الوضع تحت الحراسة النظرية وإنجاز المسطرة، يتعين تقديم الأشخاص أمام النيابة العامة المختصة، حيث، ضمانا لحقوقهم، يمكن للمحامي المختار أو المعين أن يرافق موكله أو مؤازره أمام الوكيل العام للملك أو وكيل الملك، ويحضر استنطاقه، ويحق له أن يلتمس إجراء فحص طبي على موكله كلما بلغ إلى علمه، سواء من قبله أو من قبل أفراد عائلته أو من أي جهة، أنه تعرض للعنف أو الإكراه أو الضغط خلال وضعه تحت الحراسة النظرية، أو عاين ذلك، ويتعين على الوكيل العام للملك أو وكيل الملك الاستجابة للطلب، كما يتعين عليه إخضاع المشتبه فيه لإجراء فحص طبي إذا عاين بنفسه آثارا تبرر ذلك. وإذا تعلق الأمر بحدث يحمل آثارا ظاهرة للعنف، أو إذا اشتكى من ارتكاب عنف ضده أو طلب ذلك محاميه، يجب عليهما، أي الوكيل العام للملك أو وكيل الملك، وقبل الشروع في الاستنطاق إحالته على فحص يتولى طبيب مختص إجراءه، مع ترتيب الآثار القانونية حسب نتيجة هذا الفحص.
وتقع الواجبات نفسها على عاتق قاضي التحقيق الذي يمكنه أن يأمر في أي وقت وخلال مرحلة التحقيق الإعدادي، باتخاذ جميع التدابير المفيدة وخاصة إجراء فحص طبي على المشتبه فيه المقدم أمامه من قبل النيابة العامة (المادة 88 من قانون المسطرة الجنائية)..
ويتضح من خلال هذه النصوص أن المشرع كفل حقوق الشخص الموضوع تحت الحراسة النظرية منذ إلقاء القبض عليه إلى غاية إحالته على قاضي التحقيق مرورا باستنطاقه من قبل النيابة العامة المختصة، تطبيقا لقواعد المحاكمة العادلة المضمونة بمقتضى الدستور والقانون على السواء، ومنع كل مس أو تهديد أو عنف أو إكراه قد يتعرض له، حيث تتولى النيابة العامة التأكد من كل ادعاء بممارسة العنف أو الإكراه بعرض المعني بالأمر على الخبرة إذا عاينت ما يبرر ذلك أو إذا طلب منها ذلك من قبل المشتبه فيه أو محاميه عند تقديمه أمامها، حيث يجب تفادي الادعاء بالتعرض للعنف بعد ذلك، لأن العبرة بما هو محدد من قبل المشرع، أي أن يتم طلب ذلك أمام النيابة العامة المختصة أو أمام قاضي التحقيق، مما يظهر قدوة دور المحامي أثناء عملية الاستنطاق سواء أمام الشرطة القضائية أو النيابة العامة أو قاضي التحقيق باعتباره مساعدا للقضاء وجزء من أسرته.
* أستاذ باحث

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى