تأطير قانوني والتزام بالمعايير الدولية رغم أن المغرب أشرك منذ استحقاقات سنة 1997 ملاحظين وطنيين ودوليين في ملاحظة وتتبع العملية الانتخابية بهدف تكريس نزاهة وشفافية الاستحقاقات المغربية، إلا أن هذه الملاحظة للعملية الانتخابية ظلت تعرف فراغا تشريعيا، إذ لم تكن ممأسة بشكل قانوني، خصوصا أن مدونة الانتخابات لا تقر سوى بمراقبة الانتخابات بواسطة ممثلي الهيآت السياسية يوم الاقتراع، ما دفع العديد من الجمعيات الحقوقية إلى المطالبة بخلق قانون للملاحظة المستقلة للانتخابات. ظل هذا المطلب حاضرا في مختلف التقارير التي أصدرتها هذه المنظمات بمناسبة استحقاقات 2002 و2007 و2009، وبمناسبة الاستفتاء حول الدستور في فاتح يوليوز الماضي.إزاء مطالب الجمعيات الحقوقية، وبالنظر إلى المستجدات الدستورية التي أتى بها الدستور الجديد، خصوصا مقتضيات الفصل 11 الذي يشير إلى» أنه يحدد هذا القانون شروط وكيفيات الملاحظة المستقلة والمحايدة للانتخابات، طبقا للمعايير المتعارف عليها دوليا»، فإن الحكومة صاغت مشروع قانون عاد حمل رقم 11ـ 30 حيث اشتمل إلى جانب التمهيد على 17 مادة مستهدفا تحديد شروط وكيفيات الملاحظة المستقلة والمحايدة للانتخابات لتتم المصادقة عليه في المجلس الحكومي بتاريخ02ـ08ـ2011.إن صياغة مثل هذا النوع من القوانين تقتضي استحضار ثلاثة مبادئ أساسية أولها يتعلق بالوضوح في الصياغة، وثانيها ضرورة التدقيق في المساطر المتبعة، وثالثها يتمثل في صياغة ميثاق أخلاقي وفق مقاربة تشاركية بين الدولة وجمعيات المجتمع المدني، بحيث ينبغي لهذا الميثاق أن يستند على المعايير والمواثيق الدولية في مجال الملاحظة الانتخابية.ـ فكيف تعاطى المشرع المغربي مع هذه المبادئ الأساسية؟بداية عرف هذا القانون الملاحظة المستقلة والمحايدة للانتخابات بأنها كل عملية تهدف إلى التتبع الميداني لسير العمليات الانتخابية وتجميع معطياتها بموضوعية وتجرد وحياد، وتقييم ظروف تنظيمها وإجرائها ومدى احترامها للمبادئ الدستورية والنصوص التشريعية والتنظيمية المتعلقة بالانتخابات، من خلال إعداد تقارير بشأنها، وعند الاقتضاء تقديم توصيات ترفع إلى الجهات المعنية.وباستقراء لمقتضيات هذا القانون، نجد ثلاث جهات أوكل إليها المشرع مهمة ملاحظة وتتبع العملية الانتخابية وهي:أولا: المؤسسات الوطنية المؤهلة بحكم القانون للقيام بمهام الملاحظة الانتخابية؛ والأمر هنا يحيلنا إلى المجلس الوطني لحقوق الإنسان باعتباره مؤسسة حقوقية تعنى بحقوق الإنسان، وضمان نزاهة ومصداقية العملية الانتخابية يندرج ضمن مهامه الأساسية في إطار ما أصبح يعرف اليوم بإقرار مبادئ الحكامة الانتخابية.ثانيا: جمعيات المجتمع المدني، وهو أمر ينسجم مع ما جاء به الفصل الأول من الدستور، مثلما يتضمن تكريسا فعليا للديمقراطية التشاركية من خلال إشراك المواطن في تتبع العملية الانتخابية برمتها.ثالثا: المنظمات غير الحكومية الأجنبية، هذا في الوقت الذي استبعد فيه إدماج المنظمات الدولية كملاحظ في الاستحقاقات القادمة، وهو توجه منطقي ليس فقط بحكم استحضار وضعية الأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية، بل أيضا منعا لبعض المنظمات الدولية التي تتخذ أحكاما قيمية مسبقة عن واقع حقوق الإنسان في المغرب.وقد أوكل أمر إنشاء لجنة خاصة بقبول أو رفض طلبات هذه الجهات الثلاث إلى المجلس الوطني لحقوق الإنسان، فيما كانت بعض الهيآت السياسية تطالب بأن يوكل أمر إنشاء هذه اللجنة إلى اللجنة الوطنية للانتخابات، إلا أن مطلبها ووجه بالرفض، حيث أوكل هذا الأمر للجنة خاصة ستحدث لدى المجلس الوطني لحقوق الإنسان. ونص هذا القانون على أن تكون مكونة من رئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان أو من ينوب عنه، ومن أربعة أعضاء يمثلون السلطات الحكومية المكلفة بالعدل والداخلية والخارجية والاتصال؛ وممثل عن المندوبية الوزارية المكلفة بحقوق الإنسان؛ وممثل عن الهيأة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها إلى جانب تمثيلية خمسة ممثلين عن جمعيات المجتمع المدني الممثلة داخل المجلس الوطني لحقوق الإنسان تقترحهم الجمعيات المذكورة على رئيس اللجنة.أما على مستوى الاختصاصات التي أسندت إلى هذه اللجنة فقد عهد إليها بتلقي طلبات الاعتماد ودراستها والبت فيها، بحيث ينبغي أن يتضمن نموذج طلب الاعتماد كل المعطيات المتعلقة بالجهة الراغبة في القيام بالملاحظة المستقلة والمحايدة للانتخابات وكذا مختلف المعلومات المتعلقة بهوية الأشخاص المرشحين للقيام بهذه الملاحظة إلى جانب مجالات الملاحظة المرغوب القيام بها، وينبغي أن يقدم طلب الاعتماد وفق نموذج يعبأ إلكترونيا، مرفقا بالوثائق التي تحددها اللجنة نفسها.وتبعث طلبات اعتماد الملاحظين الانتخابيين إلى هذه اللجنة لاعتماد الملاحظين الانتخابيين خلال الأجل الذي تحدده، والذي يتعين أن تخبر به العموم عن طريق وسائل الإعلام العمومية، إلا أن الفقرة الثانية من المادة 5 اشترطت أن تقدم الطلبات المقدمة من قبل المنظمات غير الحكومية الأجنبية إلى اللجنة المذكورة بواسطة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، كما أسندت لهذه اللجنة تسليم بطائق اعتماد وشارات للملاحظين، بغض النظر عن كيفية تأسيس هذه اللجنة فإنه ينبغي الحرص على وضع هيكلة دقيقة لتركيبة وطريقة اشتغالها خصوصا على مستوى ضمان استقلاليتها المالية تجنبا لأي مؤاخذة محتملة في هذا الصدد.أما على مستوى التحديد الزمني، فإننا نلاحظ أنه لم يتم وضع تحديد دقيق للآجال التي على ضوئها تمنح اللجنة الاعتماد أو ترفضه، بحيث اقتصرت المادة 10 على الإشارة إلى «أنه تقوم اللجنة بدراسة طلبات الاعتماد والبت فيها في آجال معقولة، بعد التأكد من توفر الشروط المطلوبة في الجهة التي ترغب في القيام بمهام الملاحظة المستقلة والمحايدة للانتخابات وفي الأشخاص المقترحين من قبلها في «أجل معقول»، في حين نجد المادة 12 من نفس القانون تشير إلى أنه يتعين على اللجنة إخبار الجهات المعنية بمآل طلباتها بعد البت فيها وبأسماء الملاحظين الانتخابيين المقترحين من قبلها والذين تم اعتمادهم، قبل تاريخ إجراء عملية الاقتراع بخمسة عشر يوما على الأقل، وتبلغ نسخة من قرارات اللجنة إلى السلطة المكلفة بالعمليات الانتخابية داخل الأجل نفسه.وبالنظر إلى مقتضيات المادة 14 من القانون نفسه، نجدها تنص على أن اللجنة تضع رهن إشارة الأشخاص المعتمدين للقيام بمهام الملاحظة المستقلة والمحايدة للانتخابات ميثاقا يحدد المبادئ والضوابط الأساسية التي يتعين عليهم التقيد بها أثناء ممارستهم لمهامهم، بحيث ينبغي أن تراعى في هذا الميثاق كل المعايير والممارسات الجيدة المتعارف عليها دوليا في مجال الملاحظة الانتخابية؛كما ينبغي أثناء صياغة هذا الميثاق إشراك المنظمات الحقوقية الوطنية وليس فقط إخبارها بمقتضياته مثلما جاء في المادة 14، لأن هذا الإشراك سيمكن الجميع من الاستناد بشكل مضبوط ودقيق على المعايير الدولية المعمول بها لملاحظة مدى نزاهة هذه الاستحقاقات. الدكتور محمد زين الدين