fbpx
بانوراما

تمرد داخل السجن

حسن مرزوق…ذاكرة “الخياط” (3)

حسن مرزوق، الملقب في صفوف المقاومة بـ”الخياط”، يروي قصة التحاقه بالعمل السياسي ضمن حزب الاستقلال في سن مبكرة، قبل أن يلتحق بصفوف المقاومة المسلحة بالجنوب الشرقي. تجربة كلها مطاردات واعتقالات، وتنقل بين العمل السياسي والكفاح ضمن خلايا المقاومة في فترة ما قبل الاستقلال، قبل أن تضطره الظروف السياسية لمرحلة ما بعد الاستقلال، خلال فترة تعيين عدي أوبيهي عاملا على إقليم الرشيدية، إلى الهروب واللجوء إلى الجزائر ضمن عدد من المنفيين من رجال المقاومة وجيش التحرير سنة 1963. كان يظن أن مقامه بالجارة الشرقية سيكون لبضعة اشهر، لكن ظل هناك لأزيد من 37 سنة، واصل خلالها النضال إلى جانب مقاومين آخرين، قبل أن يلتحق برفاق بنسعيد أيت يدر في حركة 23 مارس، وبعدها بمنظمة العمل الديمقراطي الشعبي، التي انتخب عضوا بلجنتها المركزية، وهو بالمنفى. عاد إلى المغرب في 2006، لكن علاقته بالجزائر لم تنقطع، فقد ظل حريصا على زيارة البلد الذي قضى فيه نصف عمره.
لم تكن إقامتنا في السجن سهلة، بل كنا نعاني التعذيب والأعمال الشاقة، وتعسفات الحراس وأفراد الجيش الفرنسي، وكان أن أخبرنا بزيارة مسؤول فرنسي عن جهة مكناس تافيلالت إلى السجن، وكنا وقتها منشغلين في أوراش الحفر، واتفقنا نحن ثلة من السجناء على عدم التوقف لتحية الوفد، ما أزعج المسؤولين الفرنسيين، والذين قرروا حبسنا لـ 6 أشهر إضافية، بسب ما أسموه عدم احترام الحاكم الفرنسي، خلال زيارته للسجن.
والأكثر من ذلك، حولنا السجن إلى مدرسة لتعليم السجناء، حيث فاجأنا كومندار الناحية يوما في زيارة مفاجئة، ونحن ندرس السجناء، ليصدر أوامره بمعاقبتنا بإضافة 6 أشهر جديدة، إلى درجة لم تعد تهمنا الأحكام ولا مددها، وقد قلت يومها خلال إحدى جلسات الحكم “أحكموا بما شئتم ما دمتم في المغرب”.
وكنت أول معتقل استدعاه الضابط الفرنسي “كاستيم” في محاولة لإقناعنا بالعدول عن المقاومة ومعاداة فرنسا، ومعرفة أسباب تمردنا. وأتذكر جيدا أنني خاطبته قائلا “إن فرنسا بمثابة الشخص الذي يمسك بقرني بقرة، فيما آخرون يحلبونها” في إشارة إلى ممارسات القياد والشيوخ من عملاء الجيش الفرنسي، الذين باتوا يستغلون أراضي الفلاحين ويتصرفون في غلاتها، دون موجب حق، وقدمت له مثال المسمى القائد ابراهيم الذي كان يشغل أبناء منطقة تلوين في الحرث بالمجان، ليحصد المنتوج في الصيف لصالحه.
وقد اتفقنا نحن مجموعة من المقاومين المعتقلين على أن ندبر مقلبا لحارس السجن المسمى عبد النور، المعروف بعدوانيته في حق الوطنيين، من خلال الوشاية به إلى الحاكم الفرنسي، والقول بابتزازه للسجناء مقبل نقل الرسائل، أو السماح لبعضهم بلقاء زوجاتهم. وأتذكر أن أحد المقاومين هو مولاي لحسن اضطر إلى بيع غطاء بخمسة دراهم إلى معتقل آخر، لمنحها للسجان.
صدق كاستيم الواقعة، واتصل هاتفيا بحارس سجن تناديغوست للاستفسار عن الطالب موح، الذي اقتنى الغطاء، وتأكد من صحة الواقعة، ليأمر بإحضار حارس جديد إلى السجن، وإبعاد عبد النور من منصبه. كما جرى عزل القائد ابراهيم ومساعده احماد أحدا، وجرى اعتقال عدد من الأعوان والوسطاء بتلوين وكلميمة، وجرى إحضارهم إلى السجن الذي كنا نقضي به المدة الحبسية..
لقد تمكنا من داخل السجن من زرع الرعب في المستعمر وأعوانه وعملائه، ونشر الوعي بضرورة المقاومة ومكافحة المستعمر. كانت إقامتنا بالسجن صعبة بسبب الحرمان والأعمال الشاقة والتعذيب، وقد أصبت خلالها بالمرض، نقلت إثره إلى الرشيدية قصد العلاج، وهناك التقيت بالغرفة التي كنت أعالج بها، بأحمد بلعباس، أحد المقاومين المعروفين بمكناس الذي أحضر رفقة الحبيب الحوات بعد اعتقالهما.
بعد أيام، عدت من جديد إلى كلميمة، ومن داخل السجن قررت استئناف الحكم، بعد نقاش مع بلعباس الذي اقترح علي الفكرة، وقدمت الطلب رفقة عدد من المقاومين، لكن لم نتلق أي جواب.
برقية
اتفقنا نحن أربعة مقاومين معتقلين في السجن على توجيه برقية للمطالبة بعودة الملك محمد الخامس، الذي نفته القوات الفرنسية إلى مدغشقر، وهم ما أثار بلبلة في أوساط السجناء والقوات الفرنسية على حد سواء، اضطر معه عدد من المقاومين إلى التبرؤ من البرقية، والتنكر للفكرة، خوفا من الانتقام والتعذيب، فيما قررنا نحن مواصلة النضال من داخل السجن، رغم ظروف المعاناة.
برحو بوزياني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق