fbpx
حوار

الاتحاد لا يخرج سالما من مؤتمراته

راشيدي قال إن الاتحاد أصبح منهك القوى مشلول التنظيمات وفاقد لفكره الإيديولوجي

وجه الدكتور إبراهيم رشيدي، عضو اللجنة الإدارية وعضو المجلس الوطني للاتحاد الاشتراكي، نداء إلى الاتحاديين من أجلس جعل المؤتمر العاشر المنعقد نهاية الأسبوع الجاري، فرصة لوقف النزيف التنظيمي ومحطة لإعادة النظر في الهياكل التنظيمية للحزب، التي تجاوزتها التحولات الاجتماعية والسياسية الجارية في العالم، معتبرا أن ما يقع الآن في فرنسا درس كبير بالنسبة للاشتراكيين في المغرب.

واستبق  القيادي الاتحادي موعد مؤتمر الحزبي ليحذر رفاقه من السماح للتاريخ أن يعيد نفسه، في إشارة إلى حقيقة مفادها أن الحزب لم يخرج سالما من كل مؤتمراته منذ 1975.

أجرى الحوار : ياسين قٌطيب

* ما هو المطلوب لكي يعود الاتحاد كما كان ؟

** ليس أمامنا اليوم إلا أن نجعل من المؤتمر فرصة لوقف نزيف شتات الحزب، وشخصيا أتمنى أن يكون محطة اتحادية مفصلية أساسها إعادة النظر في التنظيم والهوية والإيدولوجية، ولن يتحقق ذلك إلا بتجنب اختزاله، على طريقة المؤتمرات السابقة، في مسألة انتخاب الأجهزة.

 ذلك أن أعضاء الحزب لم يفتحوا منذ المؤتمر السادس ملفات المشاركة في الحكومة ولا تداولوا لكشف حقيقة ما يتم الترويج له في أعقاب كل محطة تنظيمية.

يجب علينا أن نواجه بشجاعة عقدة المؤتمر في الاتحاد، على اعتبار أن الحزب لم يخرج سالما من كل المؤتمرات، ودائما كانت مشاكل تعكر صفو المسألة التنظيمية، وليست الظاهرة وليدة السنوات الأخيرة، ولا يمكن أن نحمل القيادة الحالية كل المسؤولية عليها، فمنذ المؤتمر الاستثنائي لـ 1975، الذي تبنى خيار النضال الديمقراطي والعمل من خلال المؤسسات ـ على اعتبار أن هدف كل الأحزاب هو خوض غمار الانتخابات والمشاركة في الحكومة من أجل محاولة تطبيق برنامجها ـ سجلت عدة تصدعات خرج من رحمها أصحاب الخيار الثوري مع الراحل الفقيه البصري.

* هل يعني ذلك أن الاتحاد يدفع ثمن خيار المشاركة  منذ النشأة الأولى؟ 

لم تكن هناك وقفة تصحيحية وسار الحزب في الاتجاه نفسه فمباشرة بعد مؤتمر 1978 اشتعل فتيل انتقادات أخرى نتج عنها خروج مجموعة بنعمرو وبالتالي تأسيس حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، وبعد ذلك تحكم التيار النقابي في مؤتمر 1989 وتأجج الصراع فلم يجد معه الراحل عبد الرحيم بوعبيد الكاتب الأول الأسبق بدا من مغادرة الأشغال ولو لا تدخل بعض الإخوان، الذين أقنعوه بالعودة، لنسفت أشغال لمؤتمر.

لكن الحزب لم يتمكن من تجنب هذا القدر إذ توالت الانشقاقات وتأسستحزيبات“. وعوض تدارك الأمر في المؤتمر السادس استمر السير في الاتجاه الخطأ، إذ لم تناقش مشاركة الحزب في حكومة التناوب، التي تتحمل جزءا كبيرا لما آل إليه الوضع الاتحادي الحالي، خاصة في ما يتعلق بتصدع الأجهزة مند المؤتمر السادس بمكتب الصرف بالدار البيضاء والذي أعقبه تأسس حزب المؤتمر الوطني الاتحادي، فيما التحقت مجموعة الساسي بالحزب الاشتراكي الموحد، وسيأتي الدور في ما بعد بالحزب العمالي مع عبد الكريم بنعثيق.

* الانشقاق أصبح ظاهرة حزبية مغربية، فلماذا تستثني الاتحاد؟   

الأمر أخطر من ذلك، إذ يمكن الحديث عن مرض يفتك بالاتحاد من مظاهره فقدان مناعة الديمقراطية الداخلية، وهو ما تأكد في المؤتمر السابع، بعدما انتفض رفاق الراحل أحمد الزايدي ضد بعض ممارسات القيادة الحزبية.

 لذلك أشدد على أن الوضعية التنظيمية الحرجة في الاتحاد كانت نتاج تراكمات المحطات السابقة.

* تكلمت عن مرض اتحادي، فما هي من وجهة نظرك وصفة الدواء؟   

 أولا يجب الإسراع بوقفة من أجل إعادة النظر في قواعد التنظيمات التقليدية، التي تجاوزتها التحولات الاجتماعية والسياسية الجارية في العالم. وما يقع الآن في فرنسا درس كبير بالنسبة للاشتراكيين في المغرب.

 ذلك أن حصيلة الحزب الاشتراكي ينتظر أن تتقلص من 285 نائبا برلمانيا إلى أقل من 50، وهي نكسة سياسية تسببت فيها كثرة التيارات. واعتبر أن الاتحاد الآن في أمس الحاجة إلى كل المناضلين من أجل الوحدة وهي الرغبة التي نعبر عنها من خلال المطالبة بضرورة تدبير الاختلاف في وجهات النظر، ولذلك وجهت نداءات عديدة للقطع مع منطق الإقصاء، وطالبت القيادة بالتراجع على قرارات الطرد وسأواصل المطالبة بجمع كل أطياف الاتحاديين في المؤتمر المقبل، بمن فيهم الغاضبون منذ ما يزيد عن عقد من الزمن.

* ألم تنفع الآلية الديمقرطية أم أن الأمر أصبح يتطلب جرعة من التوافق؟                             

     

** الآلية الديمقراطية لم تطبق أصلا، بالنظر إلى التجاوزات المسجلة. أتمنى ألا يعيد التاريخ نفسه نهاية الأسبوع المقبل، ويجب أن نضع في الحسبان أن الحزب متعدد وتمثلت فيه كل أطياف المجتمع، طبقة عمالية و برجوازية ومثقفون، وطبيعي أن تتناقض المصالح في الطريق إلى تحقيق هدف الدولة الديمقراطية التقدمية الاشتراكية القائمة على التوزيع العادل للثروات.

من الأخطاء القاتلة المرتكبة من قبل القيادات الاتحادية المتعاقبة منذ 1975  كيفية التعامل مع الروافد، إذ تأكدت، مع توالي السنوات، مقولة أن حزبا بلا شبيبة وقطاع النسائي مآله الموت، وكذلك الأمر بالنسبة إلى القطاع النقابي الاتحادي الذي حكم عليه بالجمود.

* لكن ليس هناك من ترشح لمنافسة الكاتب الأول الحالي في سباق الزعامة، هل يمكن للرشيدي أن يكسر هذه المقاطعة؟

** لقد طلب مني ذلك لكنني أعتبر أنني أديت مهمتي وساهمت من مواقع متعددة في عمل الحزب، سواء في فرنسا أو في المغرب. لا يمكن أن أنادي بفتح المجال أمام الشباب وأضع ترشيحي للكتابة الأولى وأنا في العقد السادس من عمري.

ليس بمثل هذه الترشيحات سنواجهه آفة العزوف السياسي، الذي أدى الحزب ثمنه غاليا، على اعتبار أن 12 عضوا من المكتب السياسي لم يحصلوا حتى على العتبة في الانتخابات الجماعية السابقة

الاتحاد اليوم منهك القوى، مشلول التنظيمات وفاقد لفكره الإيديولوجي، ويمكن القول بأن أغلبية عناصر القيادة الاتحادية الحالية همها الانشغال بالمناصب والصراع على مواقع المسؤولية والحقائب الحكومية.

أطلقتم قبل سنتين بمناسبة إصداركم لكتاب حول تجربتكم النضالية نداء للاتحاديين تحت عنوانالاتحاد: التغيير أو الانقراض“. هل ما زلتم على نفس الرأي؟

في 30 غشت 2015 ولمناسبة إصدار كتابيالاتحاد: التغيير أو الانقراضكانت آخر عنوان داخلي في الكتاب هوهل من أدان صاغية تستجيب لهذا النداء؟“. وأقصد به النداء الذي أطلقته مجموعة من أعضاء اللجنة الإدارية وقيادات تاريخية بالحزب.

وفي ختام السيرة الذاتية كتبت العبارة التالية: “أرجو من جميع الغيورين على الحزب أن يبادروا بالدعوة إلى مصالحة شاملة بين مكوناته، تستند على مرجعيات الحزب الثابتة وأسلوبه الديمقراطي في التدبير الذي غاب في السنوات الأخيرة. فليس المهم أن يخسر الحزب الانتخاباتالمهم ألا يفقد هويته الديمقراطية“. 

انشغال بالمناصب وصراع على المواقع

هل كنتم تستشعرون ما يقع حاليا داخل الحزب من تجاذب بين أعضاء المكتب السياسي؟

عنوانالاتحاد: التغيير أو الانقراضكان بمثابة رجّة  لجميع الاتحاديين، لإذكاء الفكر الاتحادي النقدي، حتى يسترجع الاتحاد بريقه وشعبيته، لأجل هذا لا بد من تغيير المفاهيم، والبرامج ومنهجية تدبير العلاقات والاختلاف بين المناضلين، والتحليل الموضوعي قصد تجنب الأخطاء القاتلة نفسها في المستقبل والبحث عن الدواء لمعالجة ما يمكن معالجته، لأن العالم تغير وأصبحت القطبية الأحادية هي المهيمنة.

القيادة الحالية أصبح لديها تضخمالأناومفتقدة للفعالية، ولم يعد لديها من هم سوى البحث عن المناصب ولا أدل على ذلك ما نشهده حاليا من انقسام بين أعضاء المكتب السياسي بسبب الاستوزار والمناصب في المحكمة الدستورية والمجلس الأعلى للسلطة القضائية والسفارات.

هم القيادة الحالية هو الانشغال بالمناصب والصراع على المواقع والمقاعد الوزارية والجامعية والبرلمانية وغيرها، ولم يعد لها هم تجنب تعريض الحزب للاندثار، الذي أصبح وشيكا وهذا ما نبهت إليه في الكتاب

وقد قلت لحظتها أتمنى أن أكون مخطئا في تقديري، لكن ونحن على بعد أسبوع من انعقاد المؤتمر يبدو أن القيادة الحالية صمت آدانها على كل النداءات التي أطلقها الاتحاديون والمتتبعون لمسار هذا الحزب

لا بد من تغيير جذري

* هل يمكن القول بأن القيادة تتجاهل النداءات التي أطلقتموها وغيرها من البلاغات الصادرة عن قياديين حاليين وسابقين بالحزب؟

** بعد الانتخابات الجماعية لسنة 2015 أطلقت عبر مجموعة من المنابر الإعلامية نداء إلى لم الصفوف ودعوت القيادة الحالية بما فيها الأعضاء العشرة الذين انقسموا ضد لشكر عقب الإعلان عن تركيبة الحكومة الحالية إلى التراجع عن قرارات الطرد والتجميد في حق مجموعة من أعضاء اللجنة الإدارية والمكتب السياسي وفتح حوار اتحادي اتحادي.

وقلت إن تجميد عضوية قياديين بالحزب من أمثال الأستاذ محمد بوبكري غير قانونية، وبما أن الجميع ينادي بحزب المؤسسات علينا أن نطبق القانون الداخلي للحزب. وفي الوقت الذي طالبت فيه القيادة بالتراجع عن قرارات الطرد ناشدت الذين قرروا تأسيس حزب جديدالبديل الديمقراطيأن يعودوا إلى حزبهم وإنشاء التيارات داخله وليس خارجه لبناء اتحاد اشتراكي جديد قوي ومنفتح.

* بقيت أيام قليلة على انعقاد المؤتمر، كيف تقيمون الوضع داخل الحزب ؟

** عقب الانتخابات الجماعية التي كانت كارثية بكل المقاييس خصوصا في المدن الكبرى ومنها العاصمة الاقتصادية التي لم نعد ممثلين بها بعدما كنا ممثلين في انتخابات 2002 بـ17 عضوا، لم نعد نملك ولو عضوا واحدا بمجلس المدينة، (عقب) تلك الانتخابات، طالبت القيادة الحالية (بما فيها العشرة الغاضبين بسبب الاستوزار) بتقديم استقالتها وتحمل مسؤوليتها في ما يخص الانتخابات السابقة، وأشرت حينها إلى أن الحزب في حاجة إلى جميع الاتحاديين حتى أولئك الذين جمدوا عضويتهم بأنفسهم منذ مدة.

إن الوضع الراهن للإتحاد الاشتراكي مقلق، ولا بد من التغيير الجذري لتجنيب الحزب الاندثار والزوال إذ لم يستفد قياديوه وجميع مناضليه من أخطاء الماضي، ويحاولون التصدي لها والقضاء عليها، فالحل بالنسبة إلى الاتحاد الاشتراكي هو التغيير والتجديد وإلا المآل هو الانقراض.

ويبقى الأمل معقودا

* قلت بأن الاتحاد مشلول التنظيمات، هل يعني ذلك أن المشكل تنظيمي فقط؟

أكثر من ذلك فقد أصبح حزبنا فاقدا لإيديولوجيته ولأطره الحية التي كانت مفخرة الاتحاد ورافعته السياسية. وأصبح الجميع يقر بأن الإتحاد الاشتراكي أصبح عاجزا عن تأطير الجماهير الشعبية والدفاع عن قضاياها وتبني مطالبها، لأنه ابتعد عن الجماهير الشعبية وعن العمال والشباب والمثقفين، ويبقى الأمل معقودا ليس على إعادة الحياة لجسم مريض، بل على إعادة بناء اتحاد اشتراكي جديد، مبني على أسس، فكرية وتنظيمية وسياسية وإيديولوجية جديدة، وتطهيره وتحصينه من بعض “الانتهازيين” الذين اخترقوا تنظيماته بوسائل  غير  مشروعة.

* كيف يمكن بناء الحزب من جديد خاصة في ظل تشتت القيادة الحالية وانقسامها؟

** هذا البناء الجديد  لن يتم إلا عبر مصالحة حقيقية مع جميع المناضلين الغاضبين، وعن طريق تحديث المفاهيم ومناهج العمل السياسي، لأن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية هو ملك للمغاربة جميعا ويمثل مرتكزا رصينا للمشروع الوطني الحداثي الديمقراطي التنموي الذي انخرطت فيه البلاد بكل عزم وتصميم لبناء مجتمع ديمقراطي حداثي متقدم ومزدهر.

وأرجو كما نبهت إلى ذلك في الكتاب أن تستيقظ الضمائر الحزبية للحفاظ على وحدةالاتحاد الاشتراكي، الذي يعتبر مصلحة وطنية عمومية يملكها كل المغاربة نظرا لتاريخ الحزب النضالي الحافل بالأفكار الجريئة والقرارات الشجاعة والمواقف التاريخية، ولمساهماته في التحولات السياسية والفكرية ببلادنا.

في سطور

 ـ محام بهيئة الدار البيضاء وأستاذ جامعي

ـ عضو اللجنة الإدارية والمجلس الوطني للاتحاد الاشتراكي

ـ دكتوراه في الاقتصاد سنة 1981 من جامعة باريس 1 بانتيون السوربون  

ـ أستاذ الاقتصاد السياسي بجامعة الحسن الثاني عين الشق البيضاء

ـ برلماني من 1993 إلى 2002 ونائب رئيس مجلس النواب

ـ صدر له كتاب عبارة عن سيرة ذاتية عن مطبعة عكاظ الجديدة برسم سنة 2015 أول طبعة لكتابالاتحاد .. التغيير أو الانقراض

ـ له عدة إصدارات علمية في مجال الاقتصاد السياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى