الرياضة

دوري ” الصباح ” … الانفتاح على الأحياء الشعبية

نـــــجــــوم الكــــرة الــــوطــــنــــيـــــة نــــشــــطــــوا الــــنـــســـخـــة الأولــــــى من الـــــــدوري

على خط التماس، يقف الحكم بحار. يتتبع عقارب ساعته اليدوية. يمد يده اليمنى إلى فيه، ينطلق صوت صافرة يتردد صداه في القاعة المغطاة لسيدي مومن. تتدحرج الكرة بين قدمي لاعبين من فريق الرشاد البرنوصي. تتقاذفها الأرجل.”هاهوا..هاهوا..” يصيح أحد لاعبي الرشاد بزميل له. يتلقى الكرة ثم يتوجه بها في هجمة مضادة، يمرر لزميل آخر، يوجه هذا الأخير تسديدة قوية صوب مرمى الفريق الخصم وفاء سيدي مومن.

مباريات روحانية
تمر الكرة محاذية للمرمى. تتعالى الصيحات على جنبات مدرجات قاعة تعج بشباب وأطفال حجوا من الحي الشعبي لمتابعة مباريات ”دوري الصباح الرمضاني 2011”، الذي أعطيت انطلاقته يوم الخامس عشر غشت الجاري. إيقاع المباراة يرتفع. حماسة اللاعبين تزداد. الاحتكاكات بدأت، الحكم يطلق صافرته ثم يتدخل ليحول دون وقوع تشابك بين بعض لاعبي الفريقين.
التغطية التي تخص بها ”الصباح” أطوار مباريات الدوري الرمضاني، الذي يعد أول تجربة من نوعها تقيمها جريدة أو مؤسسة إعلامية بحي شعبي، تزيد من حماسة الفرق المتنافسة، إذ تفرد الجريدة يوميا صفحة كاملة لتغطية مجريات المباريات.
ستة لاعبين أساسيين وأربعة في دكة الاحتياط هو عدد لاعبي كل فريق من الفرق الثمانية المتبارية. عشرون دقيقة هو زمن كل شوط من شوطي المباراة.  الأجواء الروحانية لهذا الشهر الفضيل تخيم على المباريات، لا ألفاظ نابية أو خادشة للحياء أو أعمال شغب من لدن الجمهور المتابع، زيادة على قلة الصدامات بين لاعبي الفرق المتنافسة.
يوم الخميس كان هو اليوم الرابع من المنافسات. تصفيات الفرق مازالت متواصلة. اليوم يشهد مبارتين، الأولى تجمع بين ”وفاء سيدي مومن” و ”الرشاد البرنوصي”، والثانية بين ”اتحاد الحي الحسني” ضد ”شباب بوركون”. الساعة الرابعة عصرا، الجو داخل القاعة المغطاة بسيدي مومن بارد ومنعش ينسي العطش والجوع اللذين راكمهما المرء طيلة يوم من الصيام.
جميع الفئات العمرية تقريبا حاضرة فوق مدرجات قاعة سيدي مومن. الأطفال والشباب والبالغون..وحتى الشيوخ، كلهم يبدو وكأن شغف المستديرة الساحرة قد أحكم قبضته على أفئدتهم. كلهم يهتفون عندما يقود لاعبو فريقهم هجوما ناجحا..أو نصف ناجح، أو يصيحون عندما يشن الفريق الخصم هجوما مضادا يكاد معه يبلغ شباك المرمى..أو يبلغه.

الحراسة اللصيقة
مباراة وفاء سيدي مومن في مواجهة الرشاد البرنوصي مازالت متواصلة. النتيجة صفر لمثله في الدقيقة العشرين. هجمة مضادة للرشاد البرنوصي يتصدى لها حارس فريق وفاء سيدي مومن، الذي شكل لحدود اللحظة رجل المباراة بامتياز، فقد صد الكثير من الكرات ومن مسافات قريبة وبعيدة ومن زوايا مختلفة.. لكن وكما لكل جواد كبوة.. ولكل فارس هفوة.. فقد نجح مهاجمان من الرشاد البرنوصي في الانسلال من المراقبة اللصيقة التي كان يضربها عليهما مدافعان من الفريق الخصم، يتقدمان بسرعة، التمريرة الأولى. التمريرة الثانية.. ينفردان بالحارس، تمريرة ثالثة تستقر في الجانب الأيمن من شباك الحارس الذي تألق في التصدي لعدة كرات قوية ومباغتة. إنه الهدف الأول في المباراة.
تيارات هواء بارد تخترق القاعة طولا وعرضا. حدة المنافسة بين الفريقين مازالت تتأجج. لاعبو وفاء سيدي مومن لم يستسيغوا أن تتلقى شباكهم هدفا، فانخرطوا في هجومات متتالية لمعادلة الكفة..عبثا يحاولون..هجوماتهم تنتهي خارج أرضية الملعب، أو يتصدى لها مدافعو فريق الرشاد البرنوصي.
ينفعل حارس الرشاد البرنوصي، بعد سلسلة هجومات متتالية على شباكه. دفاع الفريق يبدو مفككا ويسهل اختراقه. يتدخل الحارس مطوحا بالكرة إلى خارج أرضية الملعب بعصبية، ثم يصيح بأحد لاعبي الفريق الخصم ملوحا بيديه. الحكم الواقف على خط التماس لا يستحسن الحركة. يتقدم إلى داخل أرضية الملعب، يده اليمنى تلمس جيب قميصه الأسود، يسحبها مُخرجا ورقة صفراء يوجهها للحارس المنفعل.
يرسل لاعبو فريق وفاء سيدي مومن تسديدة قوية، من على بعد عشرة أمتار، تمر بمحاذاة العمود الأيمن لمرمى الرشاد البرنوصي، ترتطم بجدار القاعة محدثة صوتا مدويا..تُتبعه الجماهير الحاضرة بموجة من التصفيق والهتافات..وكثير من الحسرة على هدف التعادل الضائع. هجمة مضادة يقودها ثلاثة مهاجمين ولاعب وسط، بعد تمريرة من خط الدفاع. الثلاثة يتقاذفون الكرة بينهم، لمسة واحدة تكفي لتمريرها. يسدد أحد اللاعبين الذين انفردا بالحارس. قوة التسديدة لم تترك له مجالا لإيقافها، تتجاوزه وتستقر في الركن الأيمن من الشباك..الهدف الثاني.
صدق من قال إن ”كرة القدم لا تولد إلا من رحم الأحياء الشعبية” وأن ”مباريات حيي البرنوصي وسيدي مومن دائما ما تطبعها الحدة”..الدقائق المتبقية من الشوط الأول تشهد الآن عددا كبيرا من الهجمات والهجمات المضادة. الاحتكاكات بدورها تزداد. يصفر الحكم معلنا خطأ لصالح الرشاد البرنوصي. ينفذ الخطأ. تسديدة قوية..والهدف الثالث…يظهر أن مهرجانا من الأهداف قد انطلق. الهدف ألهب حماس المدرجات..تصفيق وهتافات.
يخبو الحماس. ينخفض إيقاع المباراة قليلا..لكنه لا يلبث أن يتأجج من جديد..وهذه المرة الضغط لوفاء سيدي مومن. لاعبو الفريق مستميتون في البحث عن هدف التعادل..يكرون ويفرون لكنهم لا يدركونه..يواصلون زحفهم، لكنهم يصطدمون بجدار دفاع صلب من الفريق الخصم..أو تنتهي كراتهم خارج أرضية الميدان. يجلجل في أرجاء القاعة دوي ثلاث صافرات تضع نهاية لأمل سيدي مومن..وتعلن انتهاء أربعين دقيقة من اللعب (وهو عمر المباراة).
تتوقف حركة الكر والفر..وينسحب اللاعبون وآثار الإعياء بادية عليهم، يتبادلون التحية مع عناصر الفريق الخصم، ويلتقطون صورا جماعية مع بعضهم البعض وبعض أفراد الجمهور.

فرس وبودربالة
وكما هو حافل بالحماس والتنافس والإثارة، فإن برنامج النسخة الأولى من الدوري الرمضاني ل”الصباح” لهذا العام استقطب أيضا عددا كبيرا من نجوم كرة القدم المغربية. وكان أحمد فرس في طليعة النجوم الذين وُجهت لهم الدعوة. فرس، صاحب الكرة الذهبية لسنة 1976، لم يتوان لحظة في تلبية دعوة المشاركة في الدوري، الذي يضم قائمة من ثمانية فرق، من أبناء أحياء مدينة الدار البيضاء، أعمار عناصرها بين 35 و40 عاما.
فرس، ورغم تقدمه في العمر، انخرط مع اللاعبين يعيد ذكريات تألق وإشعاع كرة القدم المغربية. لعب فرس في صفوف رياضة وصداقة. التألق جلبه نجوم آخرون من الحقبة الذهبية للكرة المغربية، منهم عزيز بودربالة، وسعيد بنمنصور وعبد الرحيم ومصطفى خاليف وعبد الله السطاتي.
هؤلاء النجوم انضموا إلى لاعبي فريقي رياضة وصداقة وشباب المدينة في مباراة قوية ومتألقة جمعت بينهما عصر الأربعاء الماضي، في إطار اليوم الثالث من التصفيات المؤهلة إلى المربع الذهبي من منافسات دوري ”الصباح” الرمضاني الذي يستمر إلى يوم 22 من غشت الجاري. الفريقان، والنجوم على الخصوص، قدموا مباراة تليق بماضيهم الكروي المتألق.
وقبيل المباراة، تجمع العشرات من الشغوفين بكرة القدم أمام القاعة المغطاة لسيدي مومن، ينتظرون التقاط صورة إلى جانب هؤلاء النجوم الذين لم يدخروا جهدا للمشاركة في مبادرة إنسانية تهدف إلى الانفتاح على عالم الأحياء الشعبية والمهمشة، والحصول على توقيع منهم لتخليد ذكرى لقاء من أدخلوا يوما البهجة على قلوب الملايين من عشاق كرة القدم في هذا البلد.

شباب بوركون ضد اتحاد الحي الحسني
دقائق قليلة بعد انتهاء مباراة الرشاد البرنوصي ووفاء سيدي مومن، بهزيمة أصحاب الأرض، انطلقت مباراة أكثر فرجة وإثارة. لاعبو فريق الحي الحسني يشرعون في حصة إحماء. يجرون. يقفزون. يتقاذفون كرة فيما بينهم. يصطفون لالتقاط صور جماعية.
يتوجه حارس مرماهم إلى شباكه ويبدأ في تلقي كرات إحمائية. يصد بعضها وتباغته أخرى منسلة إلى داخل المرمى. لاعبو الفريق الخصم مازالوا يرتدون أقمصتهم، وآخرون يربطون أشرطة أحذيتهم. لاعبو الحي الحسني يواصلون إحماءهم. بعض الجماهير التي حجت لمتابعة الدوري تلج أرضية الميدان لالتقاط صور مع لاعبي الفريقين أو لمجرد مبادلتهم التحية.
يعطي الحكم صافرة الانطلاقة. تتدحرج الكرة بين قدمي لاعبين في خط وسط الميدان. يوجه أحد لاعبي الحي الحسني تسديدة قوية إلى مرمى شباب بوركون. تصطدم الكرة بظهر لاعب من الفريق الخصم..وإلى خارج أرضية الميدان.
مزيد من الأطفال والشباب يتوافدون على القاعة المغطاة لسيدي مومن. مباراة قوية مع انطلاقتها، رغم الصيام. هجوم منسق من الخلف تتخلله أربع تمريرات والخامسة تنتهي في المرمى معلنة أول هدف لصالح فريق شباب بوركون، الذين بدؤوا بداية قوية.
أقل من دقيقتين من اللعب بعد الهدف الأول… وهدف ثان. لاعبو اتحاد الحي الحسني يكثفون ضغوطاتهم لإحراز هدف التعادل. هجوم مضاد تكاد كرته تنتهي في المرمى. الضغط مازال متواصلا من جانب لاعبي الحي الحسني لتسجيل هدف يقلصون به الفارق الذي بدأ يتسع..لكن محاولاتهم تذهب أدراج الرياح.
الحماس والإثارة مازالا يطبعان المباراة. أطوارها تزداد قوة، من جانب لاعبي شباب بوركون على وجه الخصوص. محاولات منسقة ويسيرة تمنحهم هدفا ثالثا. تسديدة قوية من على بعد عشرة أمتار عن المرمى. يصد حارس الشباب الكرة. تعود إلى قدمي لاعب من الاتحاد..يسددها بدوره إلى المرمى لكنها تأبى إلا أن تقصد خارج أرض الميدان…وكأنه قدر أبناء اتحاد الحي الحسني ألا تتلقى شباك خصومهم أي هدف.
دقائق قليلة تفصلنا عن نهاية الشوط الأول. هجمات الفريقين مازالت متواصلة، بدون فعالية من جهة لاعبي الحي الحسني. أجواء الحماسة من جانب الجمهور تشتد داخل القاعة. مزيد من الجمهور مازال يتوافد على مدرجات القاعة. هجمة مرتدة سريعة من جانب لاعبي شباب بوركون تنتهي في مرمى خصومهم.. ثوان قليلة ثم يعلن الحكم نهاية الشوط الأول.
لم يجد الأطفال ما ينشغلون به بعد نهاية الشوط الأول غير الركض ومطاردة بعضهم البعض فوق مدرجات ملعب قاعة سيدي مومن. استراحة ما بين الشوطين يستثمرها لاعبو الفريقين في وضع خطط جديدة يدخلون به الشوط الثاني بعد قليل.
طفلان مازالا منغمسين في لعبهما. ينطلق الشوط الثاني من المباراة بنفس الندية والقوة…وأخيرا يحالف الحظ لاعبي الحي الحسني وتلج الكرة مرمى خصومهم موقعة الهدف الأول. كرة أخرى قوية من قدم أحد لاعبي الشباب تصطدم بالعارضة وتعود إلى قدم لاعب آخر من الفريق نفسه فيسددها قوية لا تترك أي مجال لحارس مرمى الحي الحسني..وهدف خامس.
لاعبو الحي الحسني مازالوا يواصلون ضغطهم لإحراز هدف ثان يقلصون به الفارق. هجمة مضادة تجلب معها الهدف الثاني. مهرجان الأهداف يبدو أنه انطلق..شباب بوركون وصلوا إلى هدفهم السابع، ولاعبو اتحاد الحي الحسني قلصوا الفارق حتى صار ثلاثة أهداف…
المباراة تتواصل في أجواء من الاحترام المتبادل والروح الرياضية العالية، إذ اثبت دوري ”الصباح” الرمضاني، أن سكان الأحياء الشعبية والمهمشة هم في أمس الحاجة إلى مبادرات كهذه التي تنظمها ”الصباح” لاستيعاب المواهب الرياضية وتوجيهها الوجهة الصواب، عوض تركها تنساق وراء إغراءات جهات قد تصنع منها يوما قنابل بشرية موقوتة ومتنقلة…كما وقع يوم 16 ماي من العام 2003. وهذا خلافا لما قد يتبادر إلى الذهن من صور نمطية وأحكام مسبقة عن كون هذه الأحياء هي فضاء يتفشى فيه العنف والإجرام وتعاطي كل أنواع المخدرات، وأن أبناءها من السهل أن يسقطوا في براثن الانحراف والإجرام.

إنجاز: محمد أرحمني

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق