ملف الصباح

“كباريهات” البيضاء في رمضان… “حيحة حلال”

تكسب في ليلة 10 ملايين سنتيم وتبيع زبناءها “براد أتاي” بـ400 درهم

انتهت فتيحة من تناول إفطارها سريعا. اليوم، “نوبتها” في غسل المواعين، وعليها أن تتخلص من هذا العبء الثقيل لتتفرغ للعناية بنفسها. اقتناء “اللبسة” وما يناسبها من ماكياج عملية تتطلب منها الكثير من الوقت، وباقي صديقات “الشلة” في انتظارها من أجل الخروج للاستمتاع بالأجواء الممتعة لهذه الليلة الرمضانية المباركة. الوجهة، واحد من “كباريهات” الدار البيضاء المنتشرة على طول “كورنيش عين الدياب”، والتي تفتح أبوابها يوميا من الحادية عشرة ليلا إلى الثالثة صباحا.

الراي والشعبي… الرهان الأفضل
تكاد “كباريهات” العاصمة الاقتصادية، تتفق، في رمضان، على البرنامج نفسه. ويراهن مسيروها كلهم تقريبا على مطربي الأغنية الشعبية، نجوم الليالي الرمضانية بامتياز. وعلى امتداد “الكورنيش”، تطالعك صور و”أفيشات” زينة الداودية وولد الحوات والداودي وسعيد الصنهاجي… يقول أحد المسيرين: “الكباريهات عموما تحقق أرباحا جيدة بفضل مطربي الأغنية الشعبية، الذين يزداد عليهم الإقبال في رمضان أكثر مما يكون عليه الأمر خلال الأيام العادية من السنة. فهم مطلوبون بكثرة من طرف الزبائن، وبفضلهم يكسب صاحب المحل مبلغا مهما من المال كل ليلة، يعوضه نسبيا عن الخسارة التي يتسبب فيها منع بيع الكحول في المحل خلال الشهر الكريم”.محلات أخرى، فضلت المراهنة على نجوم الراي الذين تحظى سهراتهم بغير قليل من الإقبال. فمن أجل الاستماع إلى “صاحبي شوالا هادا” و”شريكي” و”آمين يا ربي أمين”، هناك زبائن مستعدون لأداء 300 درهم ثمنا ل”براد أتاي”، فقط من أجل تشنيف أسماعهم بأغاني الشاب بلال، الذي أحيى حفلا في أحد “كباريهات” البيضاء أخيرا. المحل نفسه، استقدم رضا الطالياني الذي تقاضى 2000 أورو (حوالي 2 مليون سنتيم)، مقابل الغناء لمدة ساعة واحدة، جلب فيها صاحب “البابور يا مون آمور” لصاحب المحل 10 ملايين سنتيم في ليلة واحدة.
يقول أحد العارفين بأمور الليل و”كاشيات” الفنانين وأرباح أصحاب “الكباريهات” في رمضان، “متوسط الربح الذي يجنيه صاحب المحل في الليلة يتراوح بين 5 و6 ملايين سنتيم، تخصم منها أجور الفنانين والموسيقيين وبعض المصاريف الأخرى، ليتبقى منها له 3 ملايين سنتيم ربحا صافيا يجنيه خلال 4 أو 5 ساعات، هي المدة التي يفتح فيها المحل أبوابه”.

“الشيشة” تعوض “البيرة” و”الويسكي”
تغير “كباريهات” عين الدياب جلدها خلال رمضان. أغلبها يخضع لتعديلات على مستوى الطاولات والإضاءة والطلاء والديكورات التي تتناسب مع خصوصية الشهر الفضيل. في الواجهة، أو أمام مدخل المحل، صور و”بوستيرات” النجوم الذين يحيون الليالي الرمضانية. روائح البخور داخل المكان يصبح لها سحر غريب حين تختلط  بدخان “الشيشة” وأنواع “المعسل” من تفاح وعنب ونعناع وليمون… لتخلق أجواء “ضبابية” تزداد كثافتها مع كل جمرة تشتعل.قناني “الشامبانيا” وكؤوس “البيرة” و”الويسكي” تعوضها المشروبات الغازية والحلويات وقطع “سلو” و”الشباكية”. حتى الأسعار يتم تكييفها، حسب مستوى رقي المحل ونوعية الزبائن. فثمن مشروب كيفما كان نوعه، قهوة أو شايا أو “صودا”، في الليالي “العادية”، يبدأ من 100 درهم، وقد يصل إلى 400 درهم في بعض المحلات، والشيء نفسه بالنسبة إلى “الشيشة”، وقد ترتفع تلك الأسعار إذا كان المحل نفسه يستضيف، استثناء، أحد الفنانين النجوم.
ويستعين أصحاب المحلات، خلال رمضان، بطاقم إضافي من المستخدمين المؤقتين، “كراسن” و”جمايرية” (مكلفون بالشيشة) و”فيدورات”، لتلبية طلبات الزبائن، الذين تتزايد أعدادهم خلال الشهر الكريم. يقول نادل في أحد تلك المحلات، في دردشة مع “الصباح”: “أصحاب الكباريهات يجنون في رمضان أرباحا أكثر مما يكسبونه في باقي شهور السنة، وإلا لماذا يكلفون نفسهم عناء جلب مستخدمين جدد بمصاريف إضافية. بل إن بعض أصحاب تلك المحلات، الذين اعتادوا في سنوات سابقة، على إقفال محلاتهم في رمضان الذي كان بالنسبة إليهم بمثابة شهر عطلة، عادوا اليوم يفتحونها للاستفادة من كعكة رمضان”.

“موسم”… “بلا خيل بلا بارود”
لا تتخلى “كباريهات” البيضاء في رمضان عن طقوسها المعتادة. إنها فقط تتحول إلى صيغة “حلال”، في انتظار ما بعد عيد الفطر، لتنفض الغبار عن مخزونها من المشروبات الروحية، وتعود حليمة إلى عادتها القديمة. الازدحام أمام أبوابها من أجل ركن سيارة أو توقف سيارة أجرة، هو نفسه. رجال الأمن الذين يقفون أمام مداخلها يحافظون على السلوك نفسه في “الشخط” والصياح والتصفير على هذا وذاك، من أجل فرض نظام “فوضوي”. نعم… ف”كازابلانكا” مدينة متناقضة، مصابة بالشيزوفرينيا، يعلو فيها صوت القزابري بتلاوة القرآن وقراءة الأدعية من مسجد الحسن الثاني، في الوقت نفسه الذي تصدح فيه الداودية، على إيقاع “كمنجتها”، بأغنية شعبية من “كباري” يوجد على بعد أمتار قليلة فقط. والأغرب، أنك قد تجد مرتاد المسجد هو نفسه زبون “الكباري”.
بعض الفتيات، اللواتي يرتدن تلك المحلات، مثل صاحبتنا فتيحة، غير “مقصرات” من ناحية ملابس السهرة البراقة ولا من ناحية ماكياج الوجه الثقيل. ويسهل بمجرد النظر إلى واحدة منهن، من شكلها، معرفة إن كن متعودات على “سهير الليل”، أم أن رمضان فرصتهن الوحيدة لاكتشاف ليل البيضاء. يرقصن بهياج، رقصا قاسيا… أجسادهن متشنجة… يتحركن بعنف… وكأنهن يفجرن، في دقائق، طاقات مكبوتة لسنوات، في أجساد تلبستها، على حين غرة، جان أو عفاريت. أما حين تبدأ فقرة الموسيقى الشعبية وينتقل الرقص الذي كان قبل قليل، إلى “جديب” و”تحيار” و”ركيز”، يتحول الفضاء إلى “موسم” حقيقي، يلزمه فقط “سربة” الخيل و”طرطقات” البارود.هدى، شابة في حوالي السابعة عشرة من عمرها. بتنورتها القصيرة جدا و”الطوب” الذي ترتديه وماكياجها “الملعلع”، تحس وكأنها تريد أن تكبر قبل الأوان. تحدثت إلى “الصباح” من وراء دخان “شيشتها”، وقالت “كا يعجبني رمضان حيت كانقدر نسلت فيه من داك الحكام ديال دارنا. أدعي أنني مع صديقاتي نصلي في المسجد. أخرج من البيت بالجلابة. أغير ملابسي وأتزين عند إحدى الصديقات، وبعدها نقصد هذا المحل حيث نستمتع بالموسيقى والرقص ونتعرف على الشباب. أما ليلة العواشر، فننتظرها بفارغ الصبر. حينها كانقيمو الليل كله في الشارع”… تقهقه…
“كباريهات” البيضاء، في رمضان، يمكن للإنسان أن يجد فيها من كل فن طرب. زبائن متأنقون، في حدود المعقول، يرتادون المحلات الراقية، وآخرون، من مظهرهم، يمنحونك إحساسا أنك ترتاد سيركا للبهلوانات والمهرجين. أما أصحاب “الكيطمة” و”السبرديلة”، فلهم أيضا فضاءاتهم، حيث ترفع حبات “قاقا” (القرقوبي) شعار “التبويقة” إلى إشعار آخر.الثالثة صباحا. تودع فتيحة وصويحباتها حياة الليل الصاخبة. في المنزل، تسترق بضع دقائق من أجل السحور. تتمدد على سريرها وهي تعيد شريط سهرتها الرمضانية. تحلم بليلة أخرى. غدا يوم آخر من أيام الصيام.

نورا الفواري

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق