مجتمع

كل الطرق تؤدي إلى مسجد الحسن الثاني

عشرات الآلاف من المصلين والمصليات يتدفقون كل ليلة على المسجد لأداء صلاة العشاء ونافلة التراويح

إنه أكبر مساجد المملكة، وأجملها هندسة، وأكثرها جذبا للمصلين، وأشدها نظاما… في الأيام الأولى من الشهر الفضيل يتدفق عليه عشرات الآلاف من ضيوف الرحمان رجالا ونساء وأطفالا..شبابا وشيوخا. كلهم يقصدون هذه المعلمة الدينية يؤدون فريضة العشاء ونافلة التراويح ويصيخون السمع لمقرئ صوته رخيم وشهرته ملأت الآفاق. أعدادهم تصل إلى 52 ألف

مصل…لكنها في ليلة ختم كتاب الله قد تصل إلى ربع المليون…
“الصباح” انتقلت إلى هذه التحفة الدينية والمعمارية لترصد أدق تفاصيل أطوار صلاتي العشاء والتراويح

هدوء شبه تام يعم الدار البيضاء، على غير عادتها. هذه الليلة، حركة السير في غالبية شوارعها، ورغم ما اعترى هذه الشوارع من حفر وتردي حالة إشاراتها الضوئية، تتدفق بانسياب عال. لا ضجيج. لا اكتظاظ. لا زعيق سيارات. لا سائقون ناقمون يتوعدون. لا تجاوز.. وعلى طول جادة مولاي يوسف، تتقدم السيارات المتوجهة إلى مسجد الحسن الثاني، صوب مقصدها، بتؤدة وانتظام في هدوء يعز مثله طيلة النهار وسويعات فقط بعد انتهاء صلاة التراويح.

حركة سير أحادية الاتجاه
في الاتجاه المعاكس من شارع مولاي يوسف، إذا كان المرء متوجها غربا يقصد مسجد الحسن الثاني، ستتراءى له حركة للعربات وللسيارات قليلة جدا تكاد تنعدم. البيضاويون هذه الليلة  (ليلة الأربعاء الماضي) يبدو وكأن نسبة غير يسيرة منهم تقصد مسجد الحسن الثاني، تؤدي فريضة صلاة العشاء وتُردفها بركعات من نافلة التراويح.وبشارع سيدي محمد بن عبد الله تزداد كثافة حركة السير سواء أكان أصحاب العربات يقصدون مسجد الحسن الثاني أم لا، لكن كثافتهم تفوق كثافة الاتجاه الآخر من هذا الشارع الأنيق والفسيح.«لا لا أ سيدي هاديك راها بلاصت المّاطْر،. دخل لهيه. هنا سنركن الدراجات النارية»، يقول أحد حراس السيارات بالموقف الواقع قبالة مسجد الحسن الثاني، وهو يرشد سائق سيارة ظل يبحث، لمدة قاربت الدقيقتين، عن رقعة يركن بها سيارته. الموقف عامر عن آخره بالسيارات والدراجات النارية …وحتى الهوائية، فكل السبل توصل إلى فضاءات عبادة الرحمان.  حراس الموقف، وعلى كثرتهم، يجدون صعوبة بادية في إيجاد مساحات يركن بها من كان حظه عاثرا ووصل متأخرا. المحظوظون حلوا باكرا، وركنوا عرباتهم في هدوء ويسر تامين، وتوجهوا إلى حرم أكبر مساجد المملكة وأكثرها أناقة ونظاما، واصطفوا في الصفوف الأمامية المحاذية لعمر القزابري.المصلون لا يتوافدون على مسجد الحسن الثاني فرادى، إلا في ما ندر. إنهم يقصدون المسجد جماعات من ثلاثة وأربعة وحتى ستة أفراد، فيهم الأطفال والشباب والكهول والشيوخ والعجائز، ذكورا وإناثا. تتقدم شابة وتحت إبطها سجاد صلاة. تحتضن جسدها الرشيق جلابة سوداء، واضعة يدها في مرفق شاب بلحية خفيفة ويعتمر «طاقية» ويتدثر فوقية بيضاء، يتقدمان بثبات وتؤدة صوب مسجد الحسن الثاني.الجو في محيط مسجد الحسن الثاني تخترقه بين الحين والآخر نسائم هواء منعش ترسلها أمواج الأطلسي التي يلاطم زبدها ظهر المسجد. سحب ضباب خفيف بدأت تتشكل في محيط مصابيح الإنارة الليلية المنتشرة هنا وهناك، رذاذها يتساقط باردا رطبا ينسي المرء حرارة واحد من أيام شهر رمضان الذي يتزامن هذا العام مع غشت الذي تشتد فيه درجات الحرارة.

«…وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ»
في الساحة الخارجية لمسجد الحسن الثاني فُرشت الحصائر داخل إطار ترسمه سياجات لأغراض أمنية وإيمانية. عملية الفرش مازالت متواصلة، يتولاها بعض الشباب من المصلين. موعد أذان صلاة العشاء، حسب توقيت الدارالبيضاء، بدأ يدنو، وكلما دنا، ازداد عدد المصلين المتدفقين على مسجد الحسن الثاني.
الساعة الثامنة وواحد وأربعين دقيقة، تسع دقائق قبل أن يُرفع أذان العشاء. عمليات فرد الحصير مازالت متواصلة على قدم وساق. الكثير من النسوة والفتيات، أغلبهن متشحات بالسواد الذي يضفي عليهن رونقا وجمالا لا يضاهيه إلا جمال وأنفة التحفة الدينية الماثلة أمامنا شارعة أبوابها لكل مؤمن ومؤمنة ليركعوا ويسجدوا بين يدي ربهم…و»أُوْلَـئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ».
أذان صلاة العشاء أزف ولم يبق على موعده سوى دقيقتين، حشود المصلين المتوافدة يزداد حجمها أكثر مما كان عليه الحال قبل أربعين دقيقة. عند أحد منافذ السياجات التي نصبت حول الساحة الخارجية للمسجد يقف ثلاثة عناصر شرطة وعنصر من القوات المساعدة يتابعون تدفق حشود قاصدي بيت الله وعيونهم ترقب أدنى «انحراف» أو انزلاق، وبين الحين والآخر يرشدون بعض المصلين الذين يبدون مرتبكين.
سبعة مكبرات صوت تنتصب أمام السياج الذي وضع أمام صفوف المصلين لرسم الحد الذي لا ينبغي لهم تجاوزه «كما توفر فضاء ييسر تنقل رجال الأمن في حال وقوع ما يستدعي تدخلهم»، يقول مصدر رفيع من شرطة المسجد، قبل أن يضيف «ونوظفها كذلك لتيسير تدخل أطقم الإسعاف في حالة تعرض أحد المصلين لحالة طارئة كالإغماء مثلا، و لرسم حدود فاصلة بين الرجال والنساء»، وعلامات الرضا على سير العملية بادية على محياه.
ويؤكد أن الأيام الأولى من رمضان تعرف إقبالا لا بأس به. كم تقريبا؟ «ما بين ثمانية وأربعين ألفا واثنين وخمسين ألفا»، يجيب مصدرنا مؤكدا أن «الأمور متحكم فيها على العموم، ثم إن المسجد فضاء للتعبد وليس للانحراف».الثامنة وخمسون دقيقة ليلا بالضبط. تصدح مكبرات الصوت المنتشرة في صومعة مسجد الحسن الثاني العملاقة وفي محيطه وفي الساحة التي تحتضن ألوف المصلين والمصليات. «الله أكبر..الله أكبر…أشهد أن لا إله إلا الله» ينطق نور الدين الحديوي، مؤذن مسجد الحسن الثاني، بصوته الرخيم.  

عمر القزابري
دقائق قليلة بعيد الأذان، وعلى حين غرة، يبرز إمام ومقرئ تحفة المساجد المغربية عمر القزابري. يتقدم الإمام المراكشي بخطوات ثابتة ووئيدة، وقد أحاطت برأسه عمامة أخضر لونها، ويلتحف «سلهاما» صوفيا أبيض اللون. يلقي التحية بصوت خفيض على عناصر من رجال أمن المسجد وبعض موظفي مؤسسة مسجد الحسن الثاني، الموكل إليها أمر تدبير شؤون المسجد ومرافقه ومن يشرفون على هذه المعلمة الدينية والعمرانية التي تخطف الأبصار وتسحر العقول.
ويدلف إلى القاعة المخصصة لإمام المسجد وهناك يتبادل التحية مرة أخرى، وهذه المرة مع بعض موظفي المسجد بلكنته المراكشية التي لا تخطئها الأذن. وفي دردشة مقتضبة قبل أن يلج الغرفة، حيث ينزع عنه السلهام الصوفي، يقول أكثر الأئمة والمقرئين المغاربة شهرة عن شعوره وعن الأجواء التي تمر فيها صلاة التراويح خلال هذا الشهر الكريم «إنها أجواء إيمانية روحانية تطبعها المودة ويعمها التعاطف والمودة».عمر القزابري حضر هذه الليلة إلى المسجد وفي رفقته ابنه أحمد ذو الستة أعوام. القزابري الصغير يتقلب في قاعة الاستراحة بمرح وحيوية وبراءة طفولية كبيرة. «أؤدي صلاة العشاء بمسجد الحسن الثاني رفقة أبي» يقول الصغير أحمد بصوت رقيق وعذب، قبل أن يذهب ليواصل لعبه. ننادي عليه فيأتي مسرعا وبكل أدب واحترام، ليس بالغريبين عمن تربى في كنف حافظ للقرآن وإمام عشرات الآلاف من المصلين كل يوم. «لكنني لا أؤدي الصلاة هنا كل يوم، وإنما يوم نعم ويوم لا»، يقول أحمد ثم يشرح أن والده لا يُحضره كل يوم لأداء صلاة العشاء والتراويح، ربما رفقا به وبجسده الصغير الذي قد لا يقوى على مسايرة وتيرة عشر ركعات في اليوم، دون ذكر العشر الأخرى التي تسبق صلاة الفجر.

«إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا»
أحمد القزابري يواصل لعبه رفقة صديق له يكبر بعامين، والذي بدوره يحضر يوميا، بصحبة والده، لأداء صلاة العشاء والتراويح، «أصلي العشاء وصلاة التراويح يوميا هنا باستثناء التراويح التي تسبق صلاة الفجر»، يقول المهدي أبلاوي صديق أحمد. «حي على الصلاة حي على الفلاح…قد قامت الصلاة»، ينبعث مرة أخرى صوت الحديوي الرخيم عبر مكبرات الصوت داعيا حشود المؤمنين إلى القيام خلف الإمام القزابري.يقوم المصلون وفي قومتهم تتشكل صفوف متراصة كأنها لوحة تشكيلية رسمتها ريشة فنان مبدع. لما قامت الصفوف تبدى كم من المصلين الذين تحدوا الإعاقة أو العجز والوهن وحضروا في الصف الأول لأداء صلاتي العشاء والتراويح، يقتعدون كراسي يركعون ويسجدون بأعينهم…وقلوبهم ونيتهم أبلغ من الركوع والسجود..طالما أن الإسلام دين يسر وليس دين عسر.
أمام الصفوف المرصوصة والمستقيمة تنتشر قنينات الماء والعصائر. حرارة شهر غشت ولو أن نسائم البحر ورذاذ الضباب تلطفها بالخارج، إلا أن المراوح داخل المسجد بالكاد تخفف من شدتها. وإلى جانب القنينات البلاستيكية والكارتونية تنتشر أكياس بلاستكية من مختلف الألوان بها نعال المصلين وأحذيتهم.«يلاّهْ دخل توضا ويلاّهْ تصلي» يقول كهل في حوالي الخمسين من عمره مخاطبا يافعا ببهو المسجد قرب حمامات الوضوء، محاولا ان يستحث همته للالتحاق بصفوف صلاة التراويح التي كانت انقضت منها ركعتان «راني موضي كانتسنا غير صاحبي يتوضى ونمشيو نصليو»، يرد اليافع على الرجل الخمسيني وبأدب جم ولباقة متناهية. يسجد المصلون فترتسم لوحة متعددة الألوان. يصمت عمر القزابري فيعم المسجد صمت مطبق، وفي ساحته لا تخمد ولا تخفت الأصوات، فالكثير من الأطفال الذين يرافقون أباءهم و/أو أمهاتهم أدوا بضع ركعات وانسحبوا يتراكضون في البقع التي مازالت فارغة من ساحة المسجد، ويلاعبون بعضهم بعضا ويتصايحون.ساحة المسجد هي قاب قوسين أو أدنى من أمواج الأطلسي التي تنفث هواءها البارد الذي لا يزيد صفوف المصليات والمصلين إلا إصرارا وعزما على إتمام الصلاة حتى تصدح المكبرات «السلام عليكم». ومن هذا الموقع الخلفي للمصلى الخارجي للمسجد يتراءى شعاع من الليزر مستقيم ينطلق من قمة الصومعة مخترقا دجى سماء المتروبول المائلة هذه الليلة إلى الاكفهرار. «المسلمون في العالم بأسره صار في إمكانهم متابعة صلاة التروايح بصوت القزابري»، يقول أحد تقنيي قناة السادة للقرآن الكريم، وهو يراقب، من على سطح بناية المسجد، ثلاث شاشات صغيرة تنقل مشاهد أطوار صلاة التراويح بالمسجد الكبير، وبقربه جهاز بث يرسل ما تلتقطه الكاميرات المنتشرة في كل أطراف وأركان المسجد. المصلون بدؤوا ينسحبون. من فوق الطابق الرابع لمكتبة المسجد، الفسيحة والمرتبة، تتبدى صفوف المصلون، ولو أنه بدأت تشوبها بعض الثغرات مع انسحاب البعض، متراصة متناسقة تضفي عليها الأضواء الصفراء المنبعثة من مصابيح المسجد جمالا ورونقا يفتقده المتروبول كثيرا.الأطفال الصغر مازالوا يتراكضون وصخب مرحهم يملأ ساحة المسجد ويطرد الصمت الذي يخلفه القزابري عندما يتوقف عن تلاوة آيات الذكر الحكيم. نسوة كثيرات وشابات طوين سجاداتهن وانسحبن إما مغادرات أو جلسن فوق أسوار قصيرة تحيط بالمصلى الخارجي. الرجال أيضا بدؤوا الانسحاب…ويا لغرابة الصدف كان تدفق المصلين على مسجد الحسن الثاني جماعات جماعات، لكن أكثر المنسحبين فرادى…

محمد أرحمني

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق