الصباح الثـــــــقافـي

مارسيل خليفة: أشياء رحلت مع درويش ولن تعود

الفنان اللبناني الملتزم قال إن مشروعه الموسيقي مفتوح على كل الاحتمالات الإنسانية الجميلة

طلب شايا بزعتز وخبزا مقرمشا وقليلا من الهدوء للتلخص من “دوشة” ندوة صحافية انتهت على التو بأحد فنادق الدار البيضاء. لم يكن يرغب في أكثر من لحظة صفاء لالتقاط الأنفاس، بعد ليلة مجهدة، انتهت في الساعات الأولى من الصباح، وبرنامج حافل على امتداد

 

أربعة أيام متتالية. وسط كل ذلك، قبل مارسيل خليفة الجلوس مع “الصباح”، على جنبات مسبح الفندق الذي يقيم فيه،
في حوار عن الالتزام والحب و”لا أفق” مشروعه الموسيقي ومحمود درويش “الغائب الحاضر دوما”.

 خلال سهرتك الأخيرة بالبيضاء، استهللت الأمسية بقصيدة “يا نسيم الروح” لابن منصور الحلاج، عل في الأمر معنى من معاني الهروب من القضية والالتزام إلى أوراد الحب والتأمل التصوفي؟
لا بالعكس، هذا مطلب إنساني، وأنا طيلة عمري أحاول أن أقدم مشروعا فنيا إنسانيا، لذا فإني أحب شعر الحلاج وفلسفته في هذا التصوف الجميل، وهذا الموشح الذي قدمته تتوفر فيه هذه العناصر الإنسانية التي تحدثت عنها، وأعتقد أنها المرة الأولى التي أقدم فيها هذه القصيدة في المغرب، فضلا عن أن علاقتي بهذا البلد هي علاقة حميمية جدا، وكما لاحظت خلال السهرة فالجمهور المغربي يأتي في عائلات تجد الأب والأم والأبناء.

قبل أسابيع رفضت الغناء في البحرين، وبررت الأمر في رسالة كتبتها بالسياق العربي المتوتر في الفترة الراهنة، في الوقت الذي ينسحب فيه أمر هذا الحراك الاجتماعي والسياسي على معظم المجتمعات العربية بما فيها المغرب الذي أحييت بها حفلا غنائيا؟
دائما أقول إنني مع أي حراك في الشارع العربي، وأنحاز إلى مطالب الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج، بالنسبة إلى مهرجان البحرين، كان هناك فعلا دم وتقتيل في الشوارع البحرينية، وقلت إنني لا أستطيع أن أكون في مكان كهذا وبهذا العنف والدموية. يجب علينا أن نكون متضامنين مع نبض الشارع لأنه ليس نبض من أجل الفوضى، بل هو نبض حقيقي يبحث عن معنى جديد لحياته ويبحث عن حضوره وحريته وديمقراطيته.

(مقاطعين) هذا الحراك ألم يحرك فيك وجدانيا شيئا فنيا، خاصة أنك كنت أحد المحركين له، بشكل أو بآخر، منذ عقود؟
بطبيعة الحال نعم، وهذا موجود في كثير من أعمالي، ولم أنتظر هذا الحراك حتى يصير إلى ما صار إليه، فمنذ أزيد من ثلاثين سنة، كان صوتي وموسيقاي تنادي بهذه الأشياء، وعلينا جميعا أن نعي معنى الحرية والديمقراطية وتكون لدينا ثقافتهما، كي نصل إلى مكان أجمل، ويكون هناك خبز للجميع وتمدرس وتطبيب وشغل، ولا يكون هناك سجناء رأي وسياسة.

بهذا المعنى فهذا الحراك هو تحقيق لحلم الفنانين الملتزمين وأنت واحد منهم؟
فعلا هو كذلك، لكن هذا الحراك هو بحاجة إلى سعي دائم ودؤوب لكي نحميه، فأن تنتصر الثورة في مكان ما ليس هو النهاية، فمن هنا يبدأ مشروع البناء، ومشروع الإنماء من لحظة الانتصار، فالحاجة تكون هنا ملحة للزمن والوقت وتضافر كل القوى لكي نحمي هذه المكاسب والشعوب من ثورات مضادة يمكن أن تنسف كل ما ناضلت من أجله.

بدا من خلال أعمالك الأخيرة أنك دخلت مرحلة جديدة كانت فيها السطوة للكلمة الهادفة والمناضلة إلى الاهتمام بالإبداع الموسيقي الخالص وتقوية الجوانب الجمالية في أعمالك من الناحية الموسيقية؟
هذا المشروع كان باديا في أعمالي منذ البداية، وليس جديدا، لكن في مرحلة أخرى من مساري أخذ منحى أوسع لتمكين الناس من الاستمتاع بالآلات الموسيقية وثوريتها، أي ما يشبه انفجارا موسيقيا للآلات بالمعنى الإيجابي لهذه الكلمة.

(مقاطعا) أي أنك وعيت أن قوة أعمالك كانت في البداية ترتكز على قوة الكلمة فسعيت إلى الموازنة بين الشعر والموسيقى؟
حرصت دائما أن أمزج ما بين الموسيقى والشعر، بين نصوص لدرويش وألحاني، بشكل متوازن، لكن لم أكرر التجارب الملتزمة الأخرى خاصة المرتبطة بالمناسبات، فالفن الملتزم ليس كله جميلا بالضرورة، لذلك فقد وعيت بهذه الحقيقة وسعيت إلى إثبات عكسها.

أليس لديك تخوف من أن يندثر تراثك الموسيقي باندثار القضايا التي ارتبط بها؟
مشروعي الفني لم يكن مجرد رد فعل على أحداث معينة، بل هو مشروع منفتح لأقصى مجال الانفتاح، ففي أعمالي الموسيقية مثلا “جدل” و”كونشيرتو الآلات الموسيقية العربية” أو “كونشيرتو الأندلس” أو موسيقى الشرق أو “وعود من العاصفة” و”أحمد العربي”، كلها أعمال موسيقية متداخلة في ما بينها وتروم التركيز على البعد الجمالي في الموسيقى.

الملاحظ أنك صرت تسعى أيضا إلى تطويع آلات موسيقية غربية لتعزف  موسيقى شرقية خالصة في بعض الأحيان؟
هذا مهم لأن هذه الآلات الموسيقية هي آلات إنسانية، وبإمكانها أن تقدم موسيقى تسع كل العالم ولا ترتبط فقط بالمجال الثقافي والفني الذي ظهرت فيه.

ما هو أفق مشروعك الفني وإلى ماذا تطمح؟
في الحقيقة لا أفق لي، فأنا أشبه نفسي بمن يسكن في منزل لا سطح له مفتوح على السماء، فمشروعي الفني أفضل أن يظل دائما مفتوحا، فعندما تضع حدودا للفن تنفي الإبداع، فالإبداع في حاجة دائمة إلى حرية مطلقة.

لوعة الغياب”، ونحن نستحضر رواية الراحل عبد الرحمان منيف، نسترجع العلاقة الفنية والإنسانية الشديدة الصلة بالراحل محمود درويش، التي أثمرت العديد من الأعمال الموسيقية والغنائية التي رددها الجمهور العربي وتفاعل مع أفقها الشعري والإنساني الرحب، كم تدبر هذا الفقد العسير؟
خسرت صديقا على الصعيد الشخصي قبل أن أخسر الشاعر، هناك شيء ذهب مع محمود درويش ولن يعود، لكن لحسن الحظ أن نصوصه وأشعاره بقيت معنا وهي عزاؤنا الوحيد، دائما نستحضر درويش من خلال قصائده وما تركه لنا من كتابات.

شاركت في مسلسل سيعرض خلال شهر رمضان المقبل يتناول سيرة هذا الشاعر بعنوان “حضرة الغياب”، كيف كانت مشاركتك في هذا العمل خاصة أنه يتناول سيرة شخص شكلت معه ثنائيا لامعا؟
ليست لي علاقة مباشرة بهذه المسلسل، وإنما فقط لارتباطي الفني والإنساني بالراحل محمود درويش، فإن هذا المسلسل يتضمن مقاطع وفواصل غنائية لأشعاره التي لحنتها وغنيتها.

ألم يكن اشتغالك على نصوص محمود درويش ينطوي، شيئا ما، على مغامرة خاصة أن تلك النصوص مشبعة بالرمزية والإيحاءات غير المباشرة، الشيء الذي كان يمكن أن يحول دون انتشار أغانيك وسط عموم المتلقين العرب؟
في البداية كان هذا التخوف حاضرا، لكن بعد مدة انفتحت هذه الأعمال على المستوى الشعبي، لدرجة أنني وجدت أناسا لا يجيدون لا القراءة ولا الكتابة ومع ذلك يرددون هذه الأشعار وهذا شيء إيجابي ومفرح فعلا.

أجرى الحوار : يوسف الساكت وعزيز المجدوب

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق