ملف الصباح

خديجة الفيلالي… قايدة في مدينة ذكورية

خديجة الفيلالي
لن تكون مهمة خديجة الفيلالي علاش، ابنة مدينة فاس وخريجة جامعتها، سهلة وهي تتقلد مسؤولية قيادة ملحقة إدارية بمدينة تاونات، التي ألفت ذكورية أجهزة سلطتها، منذ ظهرت إلى الوجود قبل أكثر من ثلاثة عقود ونصف. لكنها مهمة، ليس من المستحيل النجاح فيها، في ظل وجود إرادة ورغبة في ذلك، وطموح شبابي لن تكسر عوده، كل العادات والتقاليد والأعراف.
خديجة المرأة المتزوجة، ذات الثلاثين ربيعا، هي أول امرأة تعين قائدة في ملحقة إدارية بمدينة التين والزيتون. وهي بهذه الصفة، دخلت التاريخ من بابه الواسع. وستذكر على مر العصور والحقب، تماما كما ذكرت أوائل النساء في مختلف المجالات والميادين التي ولجتها المرأة المغربية عن جدارة واستحقاق، حتى في تلك المهن “الصعبة”، التي اعتبرت حكرا على الرجال.
قد تكون البداية صعبة في مجتمع ما زالت فيه النظرة إلى المرأة، لا تخلو من دونية و”ذكورية”. لكن مع مرور الأسابيع والأشهر والأيام، سيصير وجهها، مألوفا من قبل سكان الأحياء المحيطة بقلب المدينة النابض بالأمل والناظر إلى المستقبل بعيون جلية. حينها سيقول الجميع “خديجة أول امرأة كسرت عادة هيمنة الرجال على السلطة في إقليم محافظ جدا بقراه وحاضرته”.
سكان تاونات، المدينة التي تخلصت نسبيا من قرويتها، يتداولون على سبيل التنكيت والرواية المتوارثة، قصة عائشة، امرأة أمت بالناس طيلة سنوات، في مسجد بحي حجر دريان الذي نلتمس من سكانه العذر والمعذرة لقص الحكاية، مسمية نفسها “عمر” إلى أن حان وقت رحيلها بعيدا، وأفصحت عن هويتها في مقطع مشهور، لا مجال لاجتراره، لكن عائشة، ليست هي خديجة.
خديجة الآن، حقيقة وليست خيالا أو اسما في رواية. هي أول قائدة بتاونات، المهمة التي أنيطت بها في إطار حركة رجال السلطة الأخيرة، بعد تخرجها في إطار الفوج 44 للمعهد الملكي للإدارة الترابية، الذي حصلت فيه على دبلوم الماستر في الإدارة الترابية، لتكون ثاني متخرج من هذا الفوج، يعين بتاونات، رفقة عبد العالي الإدريسي قائد قيادة أولاد رياب بدائرة تيسة.
بعد تلقيها تعليمها الابتدائي والإعدادي والثانوي بمدينة فاس حيث ولدت وشبت وترعرعت، التحقت خديجة، بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بجامعة محمد بن عبد الله بفاس، وخرجت بعد استكمال دراستها الجامعية وحصولها على دبلوم الدراسات العليا المعمقة في العلوم القانونية، قبل الالتحاق بالمعهد الملكي للإدارة الترابية بالقنيطرة.
بين سبعة رجال هم الكاتب العام لعمالة إقليم تاونات ورؤساء دوائر تيسة وقرية با محمد وتاونات وقياد بقيادتي الورتزاغ ووأولاد رياب والمحلقة الإدارية بتاونات، رجال السلطة المعينين أخيرا في إطار الحركة الانتقالية العادية، جلست خديجة، جلسة الواثقة من نفسها، دون أي إحساس بالضعف أو قلة الشأن أو ما شابه ذلك، كما لو كانت رجلا بين الرجال.
وحدها خديجة والقائد الجديد لقيادة أولاد رياب الإطار السابق بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، ليست لهما تجربة في الميدان لتخرجها الحديث من المعهد المذكور، في حين أن القائدين الآخرين، الوافدين على الإقليم من تيزنيت حيث شغلا المهمة نفسها في أربعاء موكا والملحقة الإدارية الرابعة، أحدهما كان ضابطا وعميد شرطة بالرباط وقائدا بباشوية سيدي بنور.
التجربة قد لا تهم في مثل هذه الحالات، وأكيد ستكتسبها خديجة مع مرور الوقت. فقط يلزم التفاني في العمل والتضحية فيه ونكران الذات والتعامل على قدر المساواة مع كافة المواطنين دون اعتبار لمواقعهم ونفوذهم وسلطتهم، الطريق الموصل إلى النجاح في مهمة لم تعد حكرا على الرجال، وبرهنت فيها المرأة، عن علو كعب، في تجارب رائدة في حي طارق بفاس والمدن الكبرى.
ملفات عديدة تنتظر هذه المرأة الفاسية المعينة قبل أقل من شهر قائدة على بعض أحياء مدينة تاونات الشامخة فوق رأس جبل، للبرهنة على علو كعبها وتقييم تجربتها، خاصة ما قد يتعلق بالبناء وكل ما يدخل في إطار اختصاصها ومهامها. وتبقى الأيام والأسابيع، وحدها الكفيلة بتقييم وتقويم تجربتها، في محيط قد يبدو غريبا، لكنها مطالبة بالتأقلم معه أحبت أو كرهت.
حميد الأبيض (فاس)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق