ربورتاج

نجوم الليل بـ “كازا نيكرا”

حراس وعاهرات وأطباء أبطال حكايات تنتهي مع طلوع الفجر

خلف سكون العاصمة الاقتصادية البيضاء، ليلا، يختبئ ضجيج، من نوع  آخر، يكشف أنيابه في اللحظة الحاسمة. ضجيج أبطاله أشخاص غير  “الظلام” حياتهم، وصاروا من سكانه الأصليين. متشرد يخبئ أطرافه من البرد بكومة من  الملابس وكيس بلاستيكي. وعاهرة مازالت تنتظر  زبونا في شارع محمد الخامس الذي غير  “الطرامواي” الكثير من ملامحه.  ومن أمام الاثنين قد يمر  طبيب بدأت مداومته في مستعجلات  مستشفى قريب، وكل هذا يحدث أمام أعين حارس سيارات ليلي، وقرب حانة،  تبعث  منها موسيقى الأغاني  الشعبية.

إنجاز: إيمان رضيف – تصوير: (أحمد جرفي)

تتخلى البيضاء، عن ردائها الذي يعتاده سكــانها خلال ساعات النهار، لترتدي آخر، بعدما يسدل  ستاره . الاكتظــــاظ الذي تشهـــده شـــــوارعها يغيب عنها، ويتركهـــــا فـــــي صراع  ضجيـــج مـــن نوع آخر. سكون يخرج سكان  ليلها من “جحورهم”، لينطلقــــوا في كشف خباياه. عالم يجهل الكثير من البيضاويين تفاصيله الدقيقة.

ليل المستعجلات مختلف

الحياة لا تتوقف في المستعجــلات، فالحركـة مستمرة وحتى إن أعلن الليل حلوله.
حياة بطعم خاص، يتذوق مرارتها المرضى وعائلاتهم، وأيضا بعض أفراد الطاقم الطبي.
حلول الليل بالنسبة إلى هؤلاء، يعني بداية مغامرة جـــديدة، تنتهي عنــد حلول الصباح ومغادرة المكان، لكن في تلك الأثناء تقـــع أحداث كثيرة، قد لا تكون في الحسبان.
بعض أفراد الأطقم الطبية، يقضون الساعات من العمل، داخل قسم المستعجلات ليلا، كأنها سنوات، فيما تمر على البعض الآخر  دقائق معدودة، لأنهم، بكل اختصار، يقضونها في غرفة يخصصونها للنوم  خلال ساعات المداومة.
صراخ وأنين يملآن أغلب مستعجلات العاصمة الاقتصادية، تقطعهما احتجاجات عائلة مريض رفض طبيب الكشف عليه، والتدخل لفحصه.
أمام هذا الموقف، تشتد الحركة بالمكان، وتسوده الأجواء المشحونة، التي ترتفع حدتها مع وصول، ضحايا حوادث السير وجرائم السرقة وغيرهما،  إلى المكان، على متن سيارات الإسعاف التي لا  يتوقف، صوتها، معلنا وصول حالة حرجة أخرى، وعلى الطاقم الطبي الاستعداد لاستقبالها. إنه ليل مستعجلات البيضاء. ليل لا يعترف بالسكون والهدوء، إذ أنهما من الصعب أن يجدا مكانا لهما وسط الفوضى التي يشهدها.

حراس…”عين حاضية والأخرى ناعسة”

ساعات الليل لا تمر  على الحراس الليليين، مرور الكرام. ففي الوقت الذي يكون فيه أصحاب  السيارات بمنازلهم مستمتعين بنومهم، يكون هؤلاء الرجال، في مهمة حماية ممتلكات الغير.  يتجندون من أجل إنجاز المهمة على أكمل وجه ودون تكاسل، باعتبار  أن التهاون في الأمر سيكون على حساب مستقبلهم ومهنتهم وأيضا “سمعتهم”. يترقبون دائما الخطر، من أجل ذلك يتسلحون بأسلحته الخاصة، من قبيل “الزرواطة” و”الكلاب”، بالإضافة إلى أشياء أخرى، يشهرونها في الوقت الذي يضطرون فيه إلى ذلك. قد يغالبهم النعاس، بين الفينة والأخرى، وتكون “عين ناعسة وأخرى حاضية”، لكنهم  في وقت الحاجة يكونون “على القرص”.

 متشردون تحت رحمة الليل

من المشاهد التي تؤثث  العاصمة الاقتصادية ليلا، متشردون يجوبون الشوارع هناك وهناك. بين الفينة والأخرى يعلو صراخهم ليثير خوف البعض. إنهم مغاربة وجدوا أنفسهم في الشارع، أو اختاروا ذلك، والأهم أنهم جزء من حياة الليل بالبيضاء، ومن الذين يكسرون صمتها وهدوءها. أشخاص يخلقون الحدث، قبل أن يأخذوا زاوية بأحد الشوارع، مكانا لهم يبيتون فيه ويقضون فيه الساعات المتبقية من الليل، يفترشون الأرض. يجددون نشاطهم بالتسكع ليلا والبحث عن تفاصيل حياتهم الخاصة، التي يجسدون فيها أدوار البطولة. بملابسهم البالية  يحاولون دخول الحانات والكباريهات المنتشرة بشارع محمد الخامس، لكنهم غالبا ما يفشلون، ويعودون أدراجهم. أعينهم تراقب “مالين الحال”،  الذين سينقلونهم إلى مراكز خاصة، يفرون منها  ساعات بعد وصولهم إليها.

بائعات الهوى في مهمة اصطياد الزبائن

على طول  شارع  محمد الخامس بالبيضاء، تقف نسوة، يتعمدن إثارة  الانتباه  إليهن بطريقة كلامهن  وملابسهن. يقصدن المكان قبل حلول الليل لاصطياد الزبائن العابرين، دون أن يكففن عن  توزيع ابتسامتهن هنا وهناك.
بصوت عال  يتحدثن إلى بعضهن البعض، رغم أن المنافسة بينهن شديدة، وقد يدخلن في ملاسنات، إذا طلب الأمر  ذلك، من أجل زبون، كان حائرا في من سيقضي معها “ساعة حمراء”، بين ثلاث واثنتين. بعد حلول الليل  تشتد المنافسة بين “بنات  الليل”، بشارع محمد الخامس، إذا يسابقن  الزمن من أجل اقناع زبون بقضاء  بعض الوقت في  أحضانهن  مقابل مبلغ مالي.  ليال كثيرة عدن أدراجهن، بعد  فشلن في تحقيق  المهمة، وقبل  ذلك يقصد بعضهن إحدى الحانات القريبة من المكان، لمحاولة  إكمال  المهمة.
عالم بائعات الهوى، بشارع  محمد الخامس، يخفي  الكثير من الأسرار، لا يقوين  على  كشف تفاصيلها،  لأنها، بكل  اختصار، بطعم المعاناة والذل والإهانة. ليلهن ليس كليالي  الكثير  من المغربيات، إذ انه مختلف ومظلم وحزين، فيه يبعن لحمهن لرجال عابرين، مقابل مبالغ مالية،  وقد لا يتذكرن  ملامحهم، ولا يهمهن معرفة أسمائهم، إذ أن كل ما  يشغل بالهن، أنه بعد انتهاء  مهمتهن “ما تبقاش بلاكة”، وتكون ضحية بعدما يفر  الزبون، دون أن يدفع مقابل ما حصل  عليه، ومن أجل تفادي الأمر، غالبا “ما كيتخلصو أفونس”.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق