الصباح الفني

اختيارات وليست خلافات

الباحث حبيبي قال إن نار التفرقة شبت في  جل  المجموعات حتى الأجنبية

كشف الباحث حسن حبيبي، موقفه من “خلافات” المجموعات الغنائية، وانفصالها، متسائلا عن سبب تسميتها بـ”خلافات” عوض اختيارات نابعة من قناعات شخصية. وقال حبيبي ، في حوار  أجرته معه “الصباح”، إن الانتقالات لم تؤثر سلبا على مسار الكثير من المجموعات  الغنائية، بل بالعكس من ذلك كانت بمثابة
حقول تجريب فنية ضخت دماء جديدة في روحها وجسدها. في ما يلي التفاصيل:

اجرت الحوار: ايمان رضيف

هل يمكن القول إن الخلافات الشخصية بين أعضاء بعض المجموعات الغنائية أثرت سلبا على مسارها الفني؟
من الصعب جدا أن نجزم بذلك، ثم لماذا نسميها خلافات وليس اختيارات نابعة من قناعات شخصية لهؤلاء؟ لقد بدأت ناس الغيوان بعناصرها المعروفة: بوجميع والعربي باطما وعمر السيد بالإضافة إلى عبد العزيز الطاهري، ومحمود السعدي الذي غادر  المجموعة  بعد أشهر فقط وأسس مجموعة “جيل جيلالة”، فعوّضه علال يعلى، ثم التحق الطاهري أيضا بـ”جيل جيلالة” لأنه كان يجد نفسه في فن الملحون الذي كانت المجموعة تضعه ضمن مضامينها الأساسية. وللسبب ذاته تم استقدام عبد الرحمن باكو لأن بوجميع رأى في الفتى آنذاك صوتا وعزفا صالحين لما وضعته المجموعة من تصورات فنية لمسارها. وجدير بالذكر أن عبد الرحمن باكو كان ضمن التشكيلة الأولى التي ظهرت عليها مجموعةالغيوان.
أما جيل جيلالة  والتي كانت تتكون من محمد الدرهم والطاهر الأصبهاني وسكينة الصفدي وحميد الزوغي وعبد الرحمن باكو، كما تشهد على ذلك صورة الأسطوانة الأولى من خمسة وأربعين لفة والتي حملت أغنيتي الانطلاقة وهي العار أبويا والكلام المرصع.
نلاحظ إذا أن هذه الانتقالات لم تؤثر سلبا على مسار المجموعتين، بل بالعكس من ذلك كانت بمثابة حقول تجريب فنية ضخت دماء جديدة في روحها وجسدها.
هكذا استمرت الانتقالات وتغيير أسماء المجموعات بل ودمجها في بعض الأحيان كما حدث لمجموعة الدقة التي كانت تضم بين أعضائها كل من محمد السوسدي ومبارك الشادلي والتحاقهما بمجموعة “المشاهب” التي كانت تضم كل من الشريف الامراني القادم من مجموعة “صوت اليوم” وسعيدة بيروك  والإخوان الباهري القادمين من مجموعة طيور الغربة المراكشية التي أصبحت فيما بعد تحمل اسم لجواد. بعد ذلك غادر الأخوان الباهيري الفرقة ليؤسسا مجموعة “لجواد” بدعم من الراحل بوجميع، ويعوضا بكل من محمد باطمة القادم من مجموعة تكدة فتصبح المشاهب بأسمائها المعروفة، الشريف، الشادلي، السوسدي، باطمة وسعيدة التي غادرت بدورها المجموعة لتعوض بحمادي القادم من “نواس الحمراء”. هذه المجموعة المراكشية التي كانت تضم كل من حسن مفتاح وعبد الكريم القصبجي اللذين التحقا بمجموعة جيل جيلالة بالإضافة إلى عبد الحفيظ بناوي الذي أسس بدوره مجموعة “رعاة الصحراء” ليغادرها ويؤسس مجموعة “ألوان” المتميزة.
إذا يمكن القول إن هذه التغييرات وهذه الانتقالات بين المجموعات كانت في الوقت ذاته سببا إما في ضخ دماء جديدة كما حدث مع جيل جيلالة، أو في خلق مجموعة جديدة تشبه منتخبا لأجود الأصوات كما حدث مع المشاهب أو سببا في اختفاء مجموعات أخرى مثلما حدث لمجموعة الجودة وطيور الغربة ورعاة الصحراء وغيرها.  هذا بالإضافة إلى أن الأمر لا يتعلق دائما بخلافات شخصية، بل  قد يحدث أن تكون وراء هذا اختيارات فنية محض.
هذا لا يعني أننا نستبعد الخلافات التي كـانت تحدث لسبب أو لآخر، لكنني أعتقد أن الأمر شخصي جدا ، لأنه أولا  لا يخص إلا أصحابه، ثانيا أنه لا يضيف أي شيء في القيمة الفنية للشخص المعني أو للمجموعة في حد ذاتها. ثم إذا كان لا بد لنا من الحديث عن الخلافات نقول إن جل المجموعات شهدتها سواء بالمغرب أو خارجه، فقد شبت نار التفرقة في جسد المجموعة البريطانية (البينك فلويد) غير ما مرة بسبب خلافات داخلية بين أعضائها، حيث استبدل مؤسسها (سيد باريت) بعازف القيتارة ديفيد غيلمر، قبل أن  يغادر المجموعة  مؤسسها الثاني (روجر ووترز) ليتم  إعلان “حل” المجموعة نهائيا في 2005، لكن هل قلل ذلك من قيمة هذه المجموعة الأسطورية؟
كما تفرقت مجموعة البيتلز البريطانية سنة 1967 بعد وفاة المنتج براين إبشتاين الرجل الذي يعمل مثل إطفائي بين أعضاء المجموعة للحفاظ عليها. لكن الانفصال النهائي كان بعد صدور الألبوم الأخير للمجموعة المعنون (بي ليت إيت) سنة 1970، وهي السنة التي حلق فيها كل عضو بأجنحته الخاصة للاستفادة الفردية من اسم المجموعة ونجاحها وشعبيتها بتجريب مشاوير غنائية فردية  بأسماء فردية كدجون لينن أو رينغو ستار أو جورج هاريسن  أو بول ماكارتني.

هل يمكن التمييز بين الانفصالات التي أثمرت تجارب فنية مميزة، والتي أجهضت مسارا ناجحا لبعض المجموعات؟
صحيح يمكن أن نميز بين الحالتين، فإذا كانت بعض الانتقالات قد أثمرت لنا تجارب استثنائية مثل المشاهب، الغيوان، جيلالة، فهناك انتقالات وانفصالات أخرى أجهضت بحق تجارب ناجحة، وأنا أتحدث الآن عن هذا الموضوع وبقلبي
غصة حقيقية اتجاه مجموعة رائعة كانت قد اختطت لنفسها مسارا مغايرا نهل من التراث البدوي الأصيل فعرفت كيف تمزج بين السواكن والقصايد بكل تلاوينها الغنية عبر توزيع وتلاحين موسيقية غير مسبوقة لكنها كانت مثل الوميض الذي ظهر وخبا، والحديث عن مجموعة مسناوة التي ظهرت في بداية الثمانينات بألبوم (سيدي بوسلاسل) تلاه “العود لزرك” ثم (حمادي) ثم “لى جيتي على غفلة” إلى غيرها من الروائع التي كانت تلهب حماس الجمهور في كل مناطق المغرب خلال مدة قياسية. وقد كان بإمكان هذه المجموعة أن تصل إلى أكثر مما وصلت إليه لولا نار الانفصالات التي شبت بين أعضائها، والتي كان لها أثر سلبي على مسارها. لقد غنت هذه المجموعة قصائد شعرية ذات مستوى عال لسي محمد بطمة فأبدعت أيما إبداع في إيصالها إلى الأذن المغربية التواقة لهذا النوع الأصيل من الأغاني عبر ألحان جميلة من موسيقي استثنائي يسمى مصطفى أطاسي. وقد كانت تضم كل من الأخوين رشيد وحميد اللذين التحقا بناس الغيوان، ومصطفى أطاسي الذي التحق بمجموعة تكدة بالإضافة إلى ميلود وحداني الذي أسس مجموعته الخاصة ثم الحسين الدك وعبد الواحد مدوني اللذين ما زالا يواصلان مع المجموعة في حلتها الجديدة إلى جانب حسن وفتاح ومصطفى، وتعمل المجموعة جاهدة للإبقاء على اللون الغنائي غير المسبوق.

في تصورك، هل الأسباب المالية  لها دور كبير في الانفصالات، وهل هناك اسباب أخرى؟
مرة أخرى، ليس من حقي بتاتا أن أحشر نفسي في هذا الأمر، لأنني أعتبر المسألة شخصية جدا، وإن كان البعض من هؤلاء يجهر به فذاك أمر يخصه، ولكن مع ذلك يمكن القول إن هناك الكثير من الانفصالات التي حدثت دون أن تكون سببها خلافات شخصية، فمثلا مجموعة السهام غادرها كل من إبراهيم حليفي ومحمد حنين لاختيارات شخصية، دون أن يؤثر ذلك عن الصداقة التي تجمع أفرادها.

ألم يكن جديرا ببعض المجموعات أن تتوقف نهائيا للحفاظ على ماء الوجه عوض الاستمرار في وضعيات لا تشرف تاريخها؟
هذا الاختيار كذلك وارد، وهو أمر قد يشعر بضرورته الجمهور أحيانا لكن قلما يجهر به، أذكر أن الزميل ياسين عدنان كان قد خط رسالة مفتوحة عبر مجلة زوايا اللبنانية وجهها إلى عميد ناس الغيوان عمر السيد وتناقلتها أكثر من صحيفة مغربية، يطالب فيها بحل المجموعة احتراما لعشاقها ولتاريخها، وقد كتبها بأسلوب فيه كثير من الجرأة اللبقة والاحترام للمجموعة كأحد محبيها.
جاء ذلك مباشرة بعد وفاة العربي بطمة ومغادرة عبد الرحمن باكو المجموعة. هذه أمور واردة، حتى على المستوى العالمي هناك مجموعات توقفت نهائيا بعد وفاة أحد أعضائها كما حدث لمجموعة (د دورز) الأسطورية التي اعتزلت الغناء مباشرة بعد انتحار عرابها جيم موريسون سنة 1971، معلنة بذلك الحداد الأبدي على رحيل مبدع لا يشبه المبدعين. وهو الشيء نفسه الذي كاد يحدث لمجموعة ناس الغيوان بعد الرحيل المفاجئ للفنان بوجميع حيث طرحت مسألة إمكانية استمرار المجموعة من عدم استمرارها، فهذا العربي بطمة الذي كان صوته وصوت بوجميع يلتحمان ويتوحدان في التباين والاختلاف، كان يرى أنه من الصعب الاستمرار في غياب قائد المجموعة الأول، فاقترح حلها ليحافظ على دم وجهها كما ذكر ذلك في كتابه الرحيل، بينما كان للأعضاء الآخرين رأي آخر، إذ رأوا أنه من الأليق الاستمرار حتى لا يتم حرمان جمهور عانق الفلسفة النبيلة التي جاءت بها المجموعات الغيوانية والتي وجدت موطئها في “التعددية” والاختلاف.

فشل التحليق الفردي

التحليق بالأجنحة الخاصة لم ينجح أبدا في تجربة المجموعات بالمغرب، وقلما انتبهنا إلى ذلك، وأعتقد أن الجواب يكمن في أن المجموعات الغنائية بالمغرب أفرزتها ظروف مغايرة تماما عن تلك التي أفرزت نظيراتها بأروبا، أكاد أجزم، ومرة أخرى هذا رأيي الشخصي، أنه لا تجربة فردية نجحت منها، على الأقل بالقوة نفسها التي نجح بها صاحبها ضمن مجموعته. وهذا لا يعود إلى القيمة الفنية للمغني في حد ذاته، لكن لحالة الشرود التي يوجد عليها وهو يؤدي خارج المجموعة.
فلا يجب أن ننسى أن روح تجربة المجموعات تكمن في المجموعة نفسها وليس في الأفراد، فمنذ انطلاقاتها الأولى في بداية السبعينات، راهنت المجموعات الغيوانية على الاختلاف والخروج عن المألوف والنمطي من الألحان والانزياح عن السائد من المضامين والأشكال الغنائية التي تغيب فيها الروح الجماعية والتي كان يؤديها المغني الوحيد ضمن الجوق المتعدد والكورال المتعدد، حيث كان الفرد مقابل المجموعة في حين جاءت التجربة الغيوانية لتضع الفرد ضمن المجموعة وليس مقابلا لها.
ولعل الأسماء التي جربت التغريد خارج سربها لم تستمر طويلا وسرعان ما عادت إلى المجموعة، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر محمد السوسدي ومحمد بطمة من لمشاهب، حميد والحسين من مسناوة.. إلخ، وقد كاد العربي بطمة أن يقوم بالشيء نفسه لولا تدخل أحد العارفين بالأمور لثنيه عن ذلك، حيث كان سيسجل الألبوم الأخير (الهموم حرفتي)  بشكل فردي.

في سطور

> باحث وأستاذ جامعي
> مهتم بالظاهرة الغيوانية
> له مجموعة من الكتب منها “الطيب الصديقي… قصة مسرح”

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق