حوادث

استمرار المواجهات بين الشرطة ومتظاهرين في مليلية

 الاحتجاجات تعبير عن وضعية الإقصاء والتمييز العنصري التي يعامل بها المواطنون من أصول مغربية

تحولت أحياء من مدينة مليلية طيلة الأسبوع الماضي إلى ساحة مفتوحة للمواجهات بين قوات الأمن الاسبانية وشباب يتحدرون من أصول مغربية، في مشهد غير مسبوق أعاد إلى الأذهان صور الاحتجاجات التي عرفتها المدينة منتصف الثمانينات بعد دخول قانون الأجانب حيز التطبيق.
وتجددت الاضطرابات أول أمس (السبت)، بموازاة وصول المزيد من التعزيزات الأمنية التي طلبتها الحكومة المحلية لمواجهة الوضع القابل للانفجار داخل عدد من الأحياء المهمشة التي تقطنها غالبية مسلمة، في الوقت الذي خلفت فيه هذه المواجهات الدامية التي اعتقل خلالها ثمانية أشخاص خسائر مادية جسيمة، بينها إحراق سيارات تابعة للشرطة.
ووصفت مصادر مطلعة من داخل المدينة الوضع بالمتوتر والقابل للمزيد من الاحتقان، وأن عشرات الشبان مصرون على الخروج مجددا خلال الأيام المقبلة إلى الشوارع للتعبير عن غضبهم من إقصائهم من لوائح التشغيل، رغم محاولات السلطات المحلية احتواء الوضع عبر فتح حوار مع ممثلين عنهم. ولم تخرج جلسة الحوار التي جمعت يوم الجمعة الماضي بين مندوب الحكومة المركزية وممثلين عن جمعيات الأحياء المهمشة بوعود ملموسة، تتضمن دراسة المطالب الاجتماعية التي دفعت شباب تلك الأحياء إلى الاحتجاج، من دون تحديد أفق زمني لاتخاذ تدابير فعلية للاستجابة لتلك المطالب،
وأشارت مصادر “الصباح”، إلى أن هذا اللقاء رافقته حالة استنفار وحظر للتجول سيما قبيل وبعد صلاة الجمعة، إذ نصبت الوحدات الأمنية المتمركزة في مداخل الأحياء المعنية عددا من نقط التفتيش، إلى جانب تسخير عناصر أمنية بالزي المدني لتعقب حركة وتنقلات الشبان الغاضبين.
وأوردت المصادر ذاتها، أن لقاء مماثلا لم يحدد تاريخه من المقرر أن يجمع ممثلي الأحياء المهمشة برئيس الحكومة المحلية ، في الوقت الذي تلقى اتهامات باذكاءه للتوتر عبر إطلاق تصريحات متشائمة بخصوص الوضعية الصعبة الاقتصادية التي تمر منها المدينة، طمعا في الحصول على المزيد من إعانات الحكومة المركزية.
وفي محاولة لإبعاد التهم الموجهة إلى حكومته، أكد إيمبروضا في تصريحات نقلتها الصحافة المحلية بمليلية رفضه لهذه الاتهامات قائلا إن المسؤولية عن وقوع هذه الأحداث تتحملها الحكومة المركزية بمدريد.
وادعى رئيس الحكومة المحلية اليمينية أن “اليأس الذي يعانيه هؤلاء الشباب هو نتيجة لامسؤولية وعبث الحكومة الاسبانية”، مكررا بذلك الانتقادات التي يوجهها الحزب الشعبي للحكومة المركزية الاسبانية بقيادة الحزب الاشتراكى العمالي الاسبانى.
وأوضح أن حكومة مدريد “تتحمل وحدها مسؤولية وقوع هذه الاشتباكات” لأنها لم تفعل أي شيء حتى لا تؤثر البطالة على 24 في المائة من سكان مليلية المحتلة مما تسبب في ارتفاع معدل البطالة بشكل خاص في صفوف الشباب”، مضيفا أن “حكومة مدريد ترفض بشكل ممنهج جميع المقترحات التي تتقدم بها مدينة مليلية لتحسين الوضعية”.
وانطلقت المواجهات منذ مساء الثلاثاء الماضي داخل حي «لاكنيادا’، بعدما عم الغضب في أوساط عدد من الشباب من أصول مغربية، إزاء «التمييز العنصري» الممارس ضدهم في عملية توفير مناصب الشغل داخل المدينة والتي تشمل توفير أزيد من 1300 منصب مخصص لمحاربة البطالة، إذ تبين أن اللوائح التي أعدتها الحكومة المحلية التي يديرها الحزب الشعبي منحت أغلبية هذه المناصب بناء على اعتبارات عرقية وحزبية ضيقة، وذلك في مقابل إقصاء أغلبية «مسلمي المدينة» من هذه اللوائح.
واشتبك المتظاهرون واغلبهم عاطلون عن العمل لساعات عدة بالحجارة والزجاجات مع عناصر الشرطة، كما لجؤوا إلى وضع حواجز في الطرقات وإضرام النار في حاويات القمامة والإطارات المطاطية، وبالمقابل ردت قوات الأمن  باستخدام الرصاص المطاطي والغاز المسيل للدموع، كما سارعت الحكومة المحلية إلى طلب المزيد من التعزيزات الأمنية لمواجهة حالة الاحتقان الاجتماعي المرشحة للتصاعد.  

وفي السياق ذاته، أعلن مندوب الحكومة الإسبانية في مليلية، غريغوريو إسكوبار، في تصريحات نقلتها وسائل إعلام محلية، عن فتح تحقيق لكشف «المخططين» لعمليات الشغب التي وصفها بالمدبرة، وفي المقابل تعهد بالتدخل لتعديل لوائح التشغيل لتكون أكثر إنصافاً.
وقلل المسؤول الاسباني في الوقت نفسه من حدة هذه الأحداث، رغم أن وضعية التهميش الاقتصادي والاجتماعي هي السمة المميزة للأحياء التي كانت مسرحا لهذه المواجهات، على مدى السنوات الأخيرة.
وبمقابل هذه التصريحات، دعا عدد من السكان، وسائل الإعلام لتسليط الضوء على ما يعانونه بأحيائهم من فقر وغلاء في المعيشة، إذ صرح عدد منهم أنه لم يعد بمقدورهم أداء فواتير الماء والكهرباء إلى جانب البطالة التي يتكبدها أبنائهم من قاطني المدينة.
وذكر عدد من قاطني المدينة التقتهم «الصباح» بمحاذاة معبر بني انصار أن «الحركة الاحتجاجية داخل مليلية قد تهيأ الأجواء للمزيد من الاضطرابات في حال استمرار السياسة التي تنهجها الحكومة المحلية ضده المواطنين من أصول مغربية، وقد تتطور  الأوضاع إلى حد اندلاع انتفاضة حقيقية».
وأضاف هؤلاء أن «المسلمين بمليلية يشعرون بإحباط وضغط سيعبر عن نفسه في حال استمرار وضعية الإقصاء الممارس ضدهم من خلال أشكال احتجاجية غير مسبوقة».
وفي السياق ذاته، وصف رئيس جمعية الريف الكبير لحقوق الإنسان، سعيد الشرامطي، الأحداث التي تشهدها مليلية بأنها «تعبير صريح على وضعية الإقصاء والتمييز العنصري التي يعامل بها الاسبان المواطنين من أصول مغربية، عبر عزلهم في أحياء وتجمعات سكنية معزولة، مع حرمانهم من حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية، وتصنيفهم كمواطنين من الدرجة الثانية».
وأضاف الشرامطي في تصريح لـ»الصباح» أن « جمعيته سبق أن أشارت في أكثر من مناسبة الى قرب انفجار الوضع داخل مليلية، بسبب حرمان المواطنين المتحدرين من أصول غير اسبانية من مقومات الحياة الكريمة»، مشددا في الوقت نفسه عن مساندة جمعيته للحركة الاحتجاجية داخل المدينة المحتلة، وسعيها لبلورة مبادرة تضامنية مع الأحياء المهمشة داخل المدينة المحتلة، في القريب العاجل.
عبد الحكيم اسباعي (الناظور)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق