fbpx
حوادث

مفهوم قاعدة التطهير العقاري والاستثناء

الحيازة لا تحمي بما فيه الكفاية ولا تساعد على الاستقرار والاستثمار(

بقلم: ذ. السباغي مبارك    *
بقلم: ذ. السباغي مبارك *
2/1)

إذا كان الفصل الأول من ظهير التحفيظ العقاري بعد تعديله وتتميمه، ينص على أن  التحفيظ يرمي إلى جعل العقار المحفظ خاضعا للنظام المقرر في هذا القانون ( ظهير 12 – 08 – 1913)، من غير أن يكون في الإمكان إخراجه منه في ما بعد ويقصد منه : – تحفيظ العقار بعد إجراء مسطرة للتطهير يترتب عنها تأسيس رسم عقاري وبطلان ماعداه من الرسوم، وتطهير الملك من جميع الحقوق السالفة غير المضمنة به… وإذا كان الفصل 62 من القانون نفسه يزكي، ويؤكد ما جاء في الفصل الأول المذكور أعلاه، بنصه على  :» أن الرسم العقاري نهائي ولا يقبل الطعن، ويعتبر نقطة الانطلاق الوحيدة للحقوق العينية والتحملات العقارية المترتبة عن العقار وقت تحفيظه دون ما عداها من الحقوق غير المقيدة». فالمقصود من هذين الفصلين معا هو إقصاء وإبعاد كل الحقوق التي لها علاقة قانونية بالعقار المحفظ الذي أصبح في مأمن من أي مطالبة وكأن رسمه العقاري صدر لفائدته حكم قضائي نهائي لا رجعة فيه.

يجب التمييز بين الحقوق المتنافية والمتعارضة مع حقوق طالب التحفيظ والحقوق التي نشأت بعد فتح مطلب التحفيظ، أي برضا طالب التحفيظ.
بالطبع في الحالة الأولى، موقف طالب التحفيظ واضح لا غبار عليه، وهو عدم الاعتراف بأي حق آخر غير حقه، ويتمنى أن يحقق مبتغاه وينجو من التعرض الذي يجعل مستقبل مطلب تحفيظ عقاره غير معروف. في هذا الباب، للمتعرض حجج يرفضها طالب التحفيظ. فإن طالب حقه في العقار الخاضع لمسطرة التطهير، ربما يناله رضائيا أو قضائيا.
في الحالة الأولى لا يعترف طالب التحفيظ بأحقية المتعرض على عقاره إما كليا أو جزئيا، حسب المستندات المدلى بها في مواجهة طالب التحفيظ.
وفي الحالة الثانية، لا مجال للقول إن هناك منازعة بين الطرفين، لأن الالتزام الذي يجمعهما أبرم في ظل مسطرة التحفيظ كالبيع مثلا. حقا تتاح للمشتري فرصة إيداع عقد شرائه طبق الفصل 84  من ظهير التحفيظ العقاري أو الفصل 83، أو في أسوء الأحوال طبقا للفصل 24 من القانون نفسه.
وتأسيسا على هذا المبدأ، أرى أنه لا مجال لإخضاع حقوق الخلف الخاص لقاعدة التطهير العقاري.
ولمعرفة روح الفصلين الأول والثاني والستين، يجب وضع قانون التحفيظ العقاري في سياقه التاريخي والأسباب التي أنزل من أجلها. لذلك، لا يمكن لأحد أن يساومه أي شك في أن المغرب ابتداء من 1912 لم تكن له أنظمة مقننة تحمي الملكية العقارية والمعمر الفرنسي، قد تنبه لعدم وجود قوانين من شأنها طمأنة رعاياه على التملك واستغلال أراضي الدولة والجماعات والخواص وخلق مشاريع اقتصادية واجتماعية وتنموية وأن الأعراف والعادات، وما يطبق على الأملاك العقارية من تصرفات ذات مرجعية دينية مستمدة من المذهب المالكي الغير مقنن وما يتميز به من ضعف في حماية الأملاك وأصحابها، جعلته يفكر في نظام عصري متين يكون بديلا له أو مطبقا إلى جانبه.
فالحيازة التي كانت سيدة الميدان، لا تحمي بما فيه الكفاية ولا تساعد على الاستقرار والاستثمار، بحكم حمايتها المؤقتة والنسبية سرعان ما تصطدم مع حيازة أخرى تحل محلها وتنتصر عليها كلما كانت مبنية على وضع اليد على الأرض علانية وبعلم الناس الذين يشهدون للشخص بحوزه وبسط يده على ملكه. فإن غادر أرضه ماتت حيازته وأصبح ملكه مهددا بالسطو عليه من طرف الغير. وبذلك ينتقل إلى يد شخص آخر دون قدرتها على ضمان الحماية المستمرة الدائمة للأول، وحتى للثاني وهكذا يبقى الملك عرضة للتمليك الغير مستقر مما ينتج عنه الكثير من المنازعات والمعارك والتقاتل والتحاكم بوتيرة تثير القلق وتضعف موقف كل من أراد اقتناء هذه الأراضي المتوفرة الشاسعة المتداخلة بعضها البعض.
هدف المعمر الفرنسي والإجراء الفوري تبلورا في إدخال نظام جديد، إما أن يتعايش مع طقوس وعادات المغاربة آنداك، وإما القضاء عليها بالمرة وإحلاله إياها. لكن ذكاء المفكرين والمختصين من الفرنسيين وبتعاون مع الفقهاء وأصحاب الخبرة من المغاربة في هذا الميدان، ذهب إلى بلورة فكرة التعايش بين النظامين وإمكانية الاختيار بين هذا وذاك. نظام متقدم جدا تم استيراده من الخارج ذي مرجعية أسترالية من ابتكار «روبير طورانس» الأسترالي .
يجب ألا يغيب عن أذهاننا أن مغرب 1912 كان جله قروي ولا يتوفر إلا على مدن عتيقة قليلة، والباقي كله أراض قروية في حاجة ماسة لحمايتها بقوانين بديلة. لقد وجد الحل وأُدخل قانون جديد قوي رمم وزين وطبق. فشرع في العمل به وبدأت الحرب بين الحيازة المتباهية بأصولها الدينية والعرقية والمهيمنة والملكية للعقار العصرية المقننة الشابة المغرية المتمسكة بقانونها الحديث وبآلياته المتطورة وقدرته الخارقة في حماية العقار وصاحبه. هنا استعمل الفصلان 2 ( الفصل 1 حاليا ) و 62 من ظهير 12 / 08 / 1913 المنظم للتحفيظ العقاري.
والغاية منهما هو قطع الطريق بصفة قطعية لا رجعة فيها على كل من كان من حقه أن يحل محل طالب التحفيظ، أو يزاحمه أو يقتسم معه أرضه التي هي في طور التحفيظ. بمعنى حيازة شخص تتعارض مع حيازة شخص آخر، أو وثائق طرف تتعارض مع وثائق طرف ثان (possession promiscue). هنا تبرز أهمية التطهير العقاري وهذا مبدأ جد منطقي للقضاء على الحيازة التي كان من الممكن عبر التعرض أن تعطي ثمارها لو استعمل في أجله. مما يبين على أنه يقصد من التطهير العقاري، القضاء على كل حق سكت صاحبه خلال مسطرة التحفيظ ولم يحرك ساكنا للدفاع عليه إداريا وقضائيا. هذا الحق المسكوت عنه مرتبط بالملك المراد تحفيظه، لأن الساكت يعتقد أن الأرض أرضه لن ينازع أو يشك أحد في «تملكه» لها ويجهل تحركات شخص آخر يدعي تملكه للعقار نفسه، فتصبح له صفة طالب التحفيظ . فإن ترك حرا طليقا في تفعيل وتقوية حيازته للعقار «المشترك»، من المحتمل جدا أن يتحول مطلب تحفيظه إلى رسم عقاري نهائي. في هذا السياق، لا شيء يربط بينهما باستثناء الأرض التي لها حائز أصلي وحائز ثان يسعى إلى حماية حيازته للعقار « المشترك «، بمعنى آخر، لا وجود لوثيقة تصرف تربط بينهما. وكم من شخص له ملكية عدلية لأرضه أو عقود بيع أو أحكام نهائية تعترف له بأحقيته في استحقاقها واستغلالها وغادرها بعد ذلك لسبب من الأسباب، فانقطعت حيازته لأرضه، وكم من شخص آخر يستظهر بملكية عدلية جديدة أو بوثائق أخرى للأرض نفسها تؤهله لبسط يده عليها. هنا تعطى الأسبقية في حال النزاع لآخر حائز للعقار حيازة قانونية شرعا وفقها وعرفا. مما يطلق عليها : الحيازة المكتسبة للحائز الأخير ( usucapion: prescription ou possession acquisitive) والمسقطة للحائز الأول. هذا هو مفهوم التطهير المؤدي للإقصاء وعدم الاعتراف بالحقوق الغير معلن عنها إبان مسطرة التحفيظ. والذي لا يمكن تصوره في عصرنا هذا الذي تنوعت فيه أشكال التصرفات والمعاملات من بيع وتبرع وقسمة ومخارجة وشفعة وغيرها، حيث تبقى العلاقة التعاقدية أو ما يشبهها قائمة بين الأطراف.
   إذن سنة 1912 تشهد على واقع المغرب وما يميزه من استعمال لعنصر الحيازة المهيمنة علي الأراضي المترامية الأطراف والمهمولة في غالب الأحيان نظرا لقلة البشر. وحتى الظهير المطبق على العقارات المحفظة والمنظم للحقوق العينية لن يطبق إلا ابتداء من 2/ 06/ 1915 (ملغى بالقانون 39 – 08 المتعلق بمدونة الحقوق العينية)، ليحمي التصرفات المقننة الخاضعة له، والأخرى التي تخضع للشريعة الإسلامية وبالخصوص للمذهب المالكي.
 مع الأسف الشديد، طبق القضاء مفهوم التطهير تطبيقا قطعيا وشاملا لكل الحقوق المرتبطة بمسطرة التحفيظ، لما عمم ووسع نطاق هذا التطهير وجعله يسري على كل حق لم يعلن عنه قبل اتخاذ قرار التحفيظ. وقد استقر الاجتهاد القضائي على هذا المبدأ لعقود خلت. غير أن التلطيف من قطعية الفصلين 1 و 62 من ظهير التحفيظ العقاري، بدأ يظهر اليوم من خلال موقف الفقه الإداري وتراجع الإجهاد القضائي عن منحاه المعتاد كلما تعلق الأمر بحالات خاصة تنظمها قوانين خاصة كالملك العام الدولة المغربية والوقف العام وغيرهما.
* موثق بالدار البيضاء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق