قوة دفع أهمية مغاربة العالم تتجلى في أنهم قوة دفع حقيقية للاقتصاد الوطني، إذ تشكل تحويلاتهم المالية دعامة أساسية لاستقرار التوازنات الماكرو-اقتصادية، والعمود الفقري للتضامن العائلي الذي يحمي آلاف الأسر في فترات الأزمات. وتبرز القيمة الحقيقية لهذه الفئة في الكفاءات العلمية والخبرات الاقتصادية والطاقات الإبداعية، التي تزخر بها وتتألق في أرقى الجامعات والمراكز البحثية والشركات العالمية. ويصبح إدماج هذه الكفاءات وتسهيل استثماراتها داخل أرض الوطن، ليس مجرد خيار، بل ضرورة إستراتيجية. إن الاحتفاء بمغاربة الخارج يتطلب تجاوز المقاربة الموسمية المرتبطة بعملية العبور، إلى بناء شراكة مستدامة تضمن إشراكهم الفعلي في بناء مغرب الغد، مغرب يتسع لكل أبنائه، أينما وجدوا. لكن المقاربة المؤسساتية الحالية تتسم بتشتت وتعدد المتدخلين، المتمثلين في وزارة الخارجية والشؤون الأفريقية والمغاربة المقيمين بالخارج، ومؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج، ومجلس الجالية المغربية بالخارج، والقطاعات الوزارية الأخرى، ذات الصلة. هذا التعدد يؤدي، غالبا، إلى تداخل الاختصاصات وغياب التنسيق الأفقي الفعال، والافتقار إلى رؤية إستراتيجية موحدة ومندمجة تترجم التوجهات الرسمية إلى مخططات عمل واضحة. ورغم الجهود المبذولة لتحديث الإدارة، لا يزال أفراد الجالية يواجهون صعوبات عديدة، خلال زياراتهم القصيرة للمغرب أو في تعاملهم مع القنصليات الموجودة في بلدان إقامتهم، تتمثل أساسا في البطء الإداري في معالجة الملفات والوثائق الحيوية، وعدم اكتمال الرقمنة الشاملة للخدمات القنصلية والإدارية، ما يعقد المساطر ويقيد انسيابية التعامل مع الإدارة المغربية عن بعد. وتظل مساهمة مغاربة العالم في الاستثمار الوطني دون الطموحات، إذ توظف جل تحويلاتهم نحو الاستهلاك أو العقار بدل المشاريع الإنتاجية. ويرجع ذلك إلى تعقد المساطر الإدارية وصعوبة الولوج إلى التمويل البنكي الوطني، وغياب آليات مواكبة مخصصة وقريبة من المستثمر المهاجر لفهم خصوصيات السوق المحلية، وضعف الفعالية في معالجة النزاعات القضائية والعقارية التي يكون أفراد الجالية طرفا فيها، ما يمس أحيانا بالأمن العقاري والاستثماري لديهم. ويفشل النظام الحالي في وضع قنوات فعالة لاستقطاب الكفاءات عالية المستوى في دول المهجر، بسبب غياب قاعدة بيانات ديناميكية ومحدثة تحدد خارطة الكفاءات المغربية في الخارج وتخصصاتها، إضافة إلى ضعف الآليات المؤسساتية التي تسمح بنقل المعرفة والتكنولوجيا، أو إشراك هؤلاء الخبراء في المشاريع الإستراتيجية الوطنية، مثل الحماية الاجتماعية، والتحول الرقمي، والطاقات المتجددة شكل مستدام وليس موسميا. وللأسف لا يتوفر المغرب، حاليا، على إستراتيجية واضحة ودقيقة بشأن تشجيع استثمارات المغاربة المقيمين بالخارج بالمغرب، علما أن هذه الفئات يمكن أن تشكل رافعة للتنمية المحلية، باعتبار أن نسبة كبيرة من المغاربة بالخارج تتحدر من المناطق الفقيرة، التي تسجل أعلى نسب للفقر والبطالة. ويتعين الانتقال بالسياسة الموجهة لمغاربة العالم من مقاربة الرعاية الاجتماعية والموسمية لمغاربة العالم، إلى مقاربة الشراكة الإستراتيجية والتنموية، إنه التحدي الأكبر الذي ينتظر تفعيلا حقيقيا على أرض الواقع، ليصبحوا قوة دفع حقيقية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية. عبد الواحد كنفاوي