عشرات أرواح المغاربة تزهق بسببها سنويا وجهات تحاول توريط المغرب بذرائع أخلاقية بمجرد إعلان الديوان الملكي في بلاغ تاريخي استضافة المغرب لكأس العالم 2030 بالاشتراك مع إسبانيا والبرتغال، انطلقت حملة مضللة تجاه المملكة، مستخدمة حيوانات الشارع، خاصة الكلاب الضالة شعارا للضغط، إلى درجة مراسلة “فيفا” ومطالبته بحرمان المغرب من الاستضافة، بدعوى إبادة الكلاب، وعلى اعتبار أننا نستعد لتصفية ما يصل إلى 3 ملايين كلب قبل 2030، لتنظيف شوارعنا من هذه الحيوانات، لكن ماذا عن ضحايا هذه الحيوانات؟ وكم عدد المغاربة الذين يموتون سنويا بسببها؟ وهل الحلول المقترحة من قبل هذه المنظمات عملية لتنظيم توالد هذه الحيوانات؟. إنجاز: عصام الناصيري أصبحت مختلف شوارع المدن المغربية تعج بالكلاب الضالة، إذ لم يعد أمر انتشارها مقتصرا على البوادي والجماعات القروية، ومحيط المجازر والمزابل، بل أصبحت تتقاسم الفضاء العام مع المواطنين، وتتجول بحرية في الشوارع، بل إن بعضها يهاجم ويعض وينهش أجساد كبار السن والأطفال، دون الحديث عن الخسائر المادية التي تحدثها في هجوماتها على قطعان الأغنام والماعز وغيرها من الحيوانات الأخرى. جرائم بشعة لا يمر أسبوع دون أن تتسبب الكلاب الضالة في جرائم بشعة في حق المغاربة، إذ هناك من نهشتهم وأزهقت أرواحهم بطريقة بشعة، وآخرون نقلت إليهم داء السعار، وماتوا نتيجة مضاعفات المرض، كما تسببت في حوادث مؤلمة للبعض. أيام قليلة قبل عيد الأضحى الماضي، شهد دوار الرحالة بجماعة قصبة سيدي عبد الله بن مبارك، بإقليم طاطا، حادثا مأساويا، تمثل في هجوم ما يزيد عن 30 كلبا ضالا، على رجل مسن تجاوز عقده السابع، أثناء توجهه صباحا إلى مستوصف القرية. وتفيد المعطيات المتاحة وتصريح ابن الضحية، أن الأب خرج حوالي السابعة صباحا، وتوجه إلى المستوصف، وأثناء عبوره لأحد الأودية التي تفصل منزله عن المستوصف، هاجمه قطيع من الكلاب وتسبب له في جروح غائرة عجلت بوفاته، خاصة أنه لم يجد من يقدم له يد المساعدة. وتسبب الحادث في صدمة كبيرة في القرية، وفي الوسط الأسري للضحية، خاصة أن ابنه الذي يعيل الأسرة وصل لتوه من إحدى المدن التي كان يعمل بها، من أجل اقتناء خروف العيد، وقضاء المناسبة مع أسرته. وقبل أشهر قليلة شهدت مراكش حادثا مأساويا، يتمثل في تسبب كلاب ضالة في وفاة شاب قاصر، يحمل الجنسية الفرنسية ومن أصول مغربية، أثناء ممارسته لتمارين الجري داخل إقامة فاخرة. ويبلغ الشاب من عمره 15 سنة، وكان لاعب كرة قدم في أحد الأندية الفرنسية، وقررت أسرته زيارة أحد أفراد العائلة، الذي يقطن بمجمع سكني يحتوي على حدائق شاسعة لممارسة رياضة "الغولف". وحسب شهادة أبي الضحية، فإن الشاب كان رفقة أفراد أسرته، وقرر القيام بتمارين الجري داخل المجمع السكني المحروس، قبل أن يختفي عن الأنظار بعد مدة قصيرة من شروعه في الركض. وانتبهت الأسرة التي كانت بدورها في حديقة المجمع، إلى اختفاء الشاب، وسارعت إلى البحث عنه دون جدوى، قبل استدعاء عناصر الشرطة وحراس الإقامات السكنية للمشاركة في عملية البحث وتفقد كاميرات المراقبة. وأوضح الأب أن ابنه كان يجري في مسارات سيارات "الغولف" الصغيرة، وعند وصوله إلى طرف المنتجع، الذي كانت تجري فيه أشغال بناء إقامات سكنية أخرى، وغير مزود بسور أو سياج، داهمته كلاب ضالة كانت سببا في وفاته. وأشار الأب إلى أن ابنه كان يركض بشكل عاد قبل أن يفاجأ بعدد من الكلاب تطارده، ما دفعه إلى الرفع من سرعته من شدة خوفه، وأخذ مسارا آخر غير الذي كان يجري فيه، ولمح بناء صغيرا يشبه أساسات غرفة، وقرر أن يحتمي فيه، ولم يدرك أن الأمر يتعلق ببئر عميقة غير مغطاة. أرقام صادمة شهد المغرب في السنوات الأخيرة تزايدا لافتا في أعداد الكلاب الضالة، ما يهدد الصحة والسلامة العامة، حيث تم تسجيل أزيد من 100 ألف حالة عض وخدش في 2024، حسب أرقام رسمية صادرة عن وزارة الداخلية. وتسببت الكلاب الضالة في تفشي داء السعار، الذي أدى إلى وفاة 33 حالة في 2024، بالإضافة إلى تسجيل 432 حالة إصابة بالأكياس المائية و64 حالة إصابة بداء الليشمانيا الجلدية في السنة نفسها. ومن أجل احتواء هذه الظاهرة والحد من انتشارها، تم في 2019 إبرام اتفاقية إطار للشراكة والتعاون بين وزارة الداخلية ووزارة الصحة والحماية الاجتماعية والمكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية والهيأة الوطنية للأطباء البياطرة، بهدف اعتماد مقاربة علمية ترتكز على التعقيم الجراحي للكلاب الضالة وتلقيحها ضد داء السعار للحد من تكاثرها وضمان استقرار أعدادها. وفي هذا الإطار، تمت برمجة إنجاز أزيد من 20 مركزا لإيواء الحيوانات الضالة عبر مختلف جهات المملكة، كما تم إنشاء مجمع بيطري متنقل بمدينة القنيطرة للعناية بالحيوانات الضالة، خاصة الكلاب والقطط، وتقديم خدمات التلقيح والعلاج والتعقيم والإيواء المؤقت. حملة مضللة في وقت تعاني فيه الأسر المغربية تداعيات تزايد أعداد الكلاب الضالة، والتوقف عن إنقاص أعدادها عن طريق السموم أو القنص، تستثمر بعض الجهات الأجنبية، وبتعاون وثيق مع جمعيات وطنية، نشيطة في حقوق الحيوانات، في شيطنة صورة المغرب خارجيا، في محاولة واضحة لتوريطه في أزمة أخلاقية، وتقلب الحقائق حتى أصبح الضحية هو الجلاد. وتجلت هذه السلوكات في مراسلات لـ "فيفا"، وحملة إعلامية في كبريات الصحف الأجنبية الفرنسية والأمريكية والإنجليزية، والتي وجدت في عنوان "المغرب يستعد لقتل 3 ملايين كلب في أفق 2030"، عنوانا رنانا يفي بغرض تشويه سمعة بلد طموح. ولم يبق المغرب مكتوف الأيدي، بل رد بشكل رسمي على لسان أعضاء في الحكومة، إذ قال عبد الوافي لفتيت أثناء حلوله في إحدى الجلسات العامة للأسئلة الشفوية بمجلس المستشارين، إن "المغرب يتعرض، منذ الإعلان عن استضافة البلاد لمجموعة من التظاهرات الكروية الدولية، لسلسلة هجمات إعلامية ممنهجة تسعى إلى تشويه صورة المملكة، مركزة بشكل لافت على موضوع الكلاب الضالة". وأضاف وزير الداخلية أن هذه الحملات تقدم معطيات مغلوطة خارج سياقها الحقيقي، "حيث تتهم السلطات العمومية باتباع ممارسات غير إنسانية، دون استحضار الواقعية ولا حجم المجهودات المبذولة وطنيا في مجال الوقاية وحماية الصحة العامة واحترام مبادئ حقوق الحيوان". ورد فوزي لقجع بدوره أمام لجنة المالية بمجلس النواب، بصفته وزيرا منتدبا مكلفا بالميزانية، قائلا "بما أننا نتحدث عن "الكان"، فأنتم تعرفون من كان منافسنا. ومنذ ذلك الوقت، وهم يحاولون زرع الشك في قدراتنا. نشروا إشاعات حول قتل الكلاب الضالة، وقالوا إن الملاعب غير جاهزة. وحتى بعد تدشين ملعب الرباط، قالوا إنه مجرد "فوتوشوب"". صناعة "الحقائق" شرعت الجهات التي تتحرك خلف الكواليس في هذا الملف في تأليف القصص والأرقام من نسج خيالها، وعممت على أذرعها الإعلامية رقما مبالغا فيه، يهم أعداد الكلاب الضالة في المغرب، والتي يخطط المغرب لتصفيتها، رغم عدم وجود أي إحصاء موثوق مغربي أو أجنبي في هذا السياق، لكن صحف كبرى عممته دون تمحيص، ما يزيد من كشف تفاصيل هذه المؤامرة. وقالت صحيفة "ديلي ميل" البريطانية، في إحدى مقالاتها، إن "المغرب يخطط لقتل ما يصل إلى 3 ملايين كلب ضال"، في "عملية تنظيف وحشية للشوارع"، قبل بطولة كأس العالم 2030، وهو ما زاد من سعار الإدانة الدولية من قبل نشطاء حقوق الحيوان. وسجلت الصحيفة أنه "وفقا للمعلومات المتوفرة، تم قتل آلاف الكلاب الضالة في أماكن مختلفة بجميع أنحاء البلاد، وهناك مخاوف من أن عدد القتلى في ازدياد". ومن جانبها وجهت "جين جودال"، الناشطة البيئية المعروفة، وسفيرة السلام بالأمم المتحدة، رسالة إلى "فيفا"، متهمة المسؤولين في كرة القدم بتجاهل المشكلة. وقالت جودال "لقد صدمت عندما علمت من التحالف الدولي لحماية الحيوانات أنكم تلقيتم ملفات توثق هذه الأعمال المروعة، التي يرتكبها البعض بأكثر الطرق قسوة يمكن تصورها، ومع ذلك يبدو أنكم تتجاهلونها". ولم تخل رسالة جودال من نبرة تهديد ومساومة "فيفا"، عندما قالت "كيف سيكون رد فعل مشجعي كرة القدم في جميع أنحاء العالم إذا علموا بالوحشية التي تواجهها هذه الحيوانات الضعيفة قبل انطلاق المباريات"، مضيفة "لا بد أنكم على دراية بكيفية رد فعل مشجعي كرة القدم حول العالم، علما أن العديد منهم من عشاق الحيوانات أيضا، عندما يعلمون عن هذه الوحشية". إقحام "فيفا" اعتقد المتآمرون أن إقحام "فيفا" في الموضوع من شأنه زيادة الضغوط على المغرب، وربما حرمانه من التنظيم، أو على الأقل تنغيص فرحة التنظيم على المغاربة، إذ أمطروها بالمراسلات وطالبوا منها بشكل صريح سحب التنظيم من المملكة. ووجه "ليس ووارد" رئيس التحالف الدولي لرعاية وحماية الحيوانات (IAWPC)، رسالة شديدة اللهجة لجياني إنفانتينو، رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، دعاه فيها إلى اتخاذ موقف مما وصفه بـ "الانتهاكات المرتكبة ضد الكلاب في المغرب". وطالبت الرسالة "فيفا" بالاعتراف بما وصفته بـ "المجازر العنيفة وغير الإنسانية" التي تنفذها الجماعات والبلديات المحلية بحق الكلاب الضالة، مشيرة إلى أن "هذه الممارسات لا تتماشى مع القيم الإنسانية التي تتبناها الفيفا، ولا مع المعايير الصارمة التي تفرضها على الدول المستضيفة للحدث الكروي الأكبر". وأكد التحالف الدولي (IAWPC) أن اختيار المغرب جزءا من استضافة كأس العالم يمثل فرصة حقيقية للضغط، من أجل تحسين أوضاع الحيوانات الضالة في البلاد، مشددا على ضرورة وقف عمليات الإعدام الجماعي واستبدالها ببرامج فعالة للتعقيم والتطعيم، بما يتوافق مع الممارسات الدولية. تبخيس الجهود يعتقد نشطاء حقوق الحيوانات أن التحكم في أعداد الكلاب الضالة أمر هين، وأن المملكة ربما "تستمتع" بتصفيتها، رغم أن هذه الممارسة توقفت منذ سنوات، وأن الحل موجود ولا يريد المسؤولون تطبيقه، لأن قلوبهم قاسية. التحكم في أعداد الكلاب الضالة من الملفات التي لا تناقش كثيرا، وهي معضلة صعبة، لا يعلم كيف يمكن حلها إلى حدود اللحظة. الإشكال القائم هو أن هذه الكلاب تتوالد بسرعة، وتتكاثر بأعداد يصعب ضبطها، كما أن أمد حياتها طويل يتجاوز عقدا من الزمن في بعض الأحيان، فرغم جهود المملكة في تلقيح بعضها وإخصائها أو وضعها في محاجز بلدية، إلا أن هذه الحلول تظل ترقيعية، إذ لا يمكن إيواء مئات الآلاف وربما الملايين من الكلاب، كما لا يمكن جمعها وتلقيحها وإخصاؤها جميعا، لأن هذا الجهد يحتاج موارد مالية وبشرية رهيبة، تتجاوز مصاريف إيواء إنسان. ويحاول المغرب في الوقت الحالي تطوير ترسانته التشريعية، بإعداد مشروع القانون رقم 19.25، متعلق بحماية الحيوانات والوقاية من أخطارها، والذي ما يزال يخصع للتعديلات في غرفتي البرلمان، ومن مواده التي يعول أن تلعب دورا في التحكم في العدد المادة الخامسة التي تقول إنه "لا يجوز لأي شخص أن يقوم برعاية حيوان ضال، سواء بإيوائه أو إطعامه أو علاجه". وهناك أيضا المادة 44 من القانون التي مفادها "يعاقب بغرامة من 1500 إلى 3000 درهم، كل من قام، خلافا لأحكام المادة 5 من هذا القانون، بإيواء حيوان ضال أو إطعامه أو علاجه في أحد الفضاءات العامة، لا سيما بالشارع العام أو المباني السكنية المشتركة أو الأماكن المفتوحة للعموم". ونصت المادة 35 من القانون نفسه أنه "يعاقب بالحبس من شهرين إلى ستة أشهر وبغرامة من 5000 إلى 20000 درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط، كل من قام عمدا بقتل حيوان ضال أو تعذيبه أو إيذائه بأي شكل من الأشكال".