"جايا ننشط بموازين باش يشوفني حبي في الحبس". بكل بساطة وتلقائية وعفوية وباقي الأشياء الأخرى الطالعة من "نخاشيش" القلب والعروق والمسام. لم تتصنع أمام الكاميرا، ولم ترتبك، ولم تتعذب في اختيار الكلمات. فقط ابتسامة ملفوفة في سوار معدني لتقويم الأسنان أخفتها بيديها، ثم "سيبت" رغبتها/هدفها من حضورها سهرات مهرجان "موازين". لكل غايته من "موازين"، ولها غايتها الوحيدة، ومن أجلها قطعت كيلومترات وجاءت من بعيد، وهي أن ترقص و"تنشط" وتتعرق و"تجذب"، حتى تثير انتباه العيون والهواتف والكاميرات، وتتحول إلى فيديو في "تيك توك" و"ريلز" ومقطع في "يوتيوب"، يتسرب بين شقوق الجدران إلى زنزانة حبيبها في السجن. لم تكن الشابة في حاجة إلى خطاب طويل، أو رسالة مكتوبة بعناية. جملة واحدة بلا ترتيب كانت كافية لتختزل الحكاية برمتها: "جايا ننشط باش يشوفني حبي في الحبس". ففي مكان صمم للاحتفاء بالموسيقى والفرجة، كانت الشابة منشغلة بوظيفة أخرى تماما، وهي تشييد جسر بين الحرية و"السيلون"، بين الفرح والحبس، وبين رقصة في سهرة للفن الشعبي، ولهفة حنين من وراء الأسوار. لم تفكر في كل ذلك، ولم تخطط له، لكنها استطاعت، في لحظة فارقة، أن تحول الكاميرا إلى "مرسول حب" والبث المباشر إلى نافذة، و"مهرجان" بجلال قدره إلى عنوان بريدي مفتوح بين عالمين متباعدين، واحد يحتفل بالحياة في الهواء الطلق، وآخر يعيش عزلة السجن خلف الجدران، وبينهما "موازين" وجملة "جايا ننشط باش يشوفني حبي في الحبس". قد يبدو المشهد سرياليا، أو مثيرا للضحك للوهلة الأولى، (كما فعلت هي نفسها)، لكنه انعكاس حقيقي لواقع فرضه هذا الإقلاع الرقمي الرهيب، إذ لم يعد الوصول إلى الجمهور يحتاج إلى استثمار ضخم وعصف ذهني عميق، يكفي تصريح قصير يحمل قدرا من المفارقة يجد طريقه إلى آلاف الشاشات خلال ساعات. وربما فعلت الفتاة أكثر من ذلك بكثير، حين نقلت "الحبس" من دائرة الصمت الحرج الاجتماعي والتنمر و"الحشومة" إلى منطقة الحق والوجود، ومادة للتداول العام في مكان للفرح والنشاط. فلم يعد "الحبس" ينظر إليه باعتباره وصمة يجب إخفاؤها، في وجود جيل جديد بيننا لا ننتبه إليه، يتعامل معه بقدر أكبر من المكاشفة والوضوح، كأنها تقول للعالم "عندي عشيق في الحبس، وعلى قبلو جايا". أولم تقل الشيخات "مركوم و"عيدة" وفاطنة بنت الحسين قبلها: "على قبلو جايا.. ويا الكويفرة بالله.. وحيدة.. لامشيتي ها هوما راكبين.. وخويا، لي والا شي يعنكو، حتى تفوت الحزة ويسيبو". للتفاعل مع هذه الزاوية: mayougal@assabah.press.ma