"أكلت يوم أكل الثور الأبيض" بقلم: الأستاذ جلال الطاهر(*) توقف المحامين مكرهين عن القيام بواجبهم الحقوقي مهنيا، وفاء والتزاما بواجباتهم في ضمان شروط الأمن القضائي، خدمة للعدالة ووصولا لتحقيق المحاكمة العادلة، المضمونة دوليا ودستوريا. هذا قرار كبير وخطير، ووصفه هذا دليل على أن هناك قضية كبيرة، وخطيرة، تستدعي اتخاذ موقف من المستوى المذكور. هذه التساؤلات، قد يطرحها، من ليست له دراية حقوقية وقانونية التي تصب في المبادئ العامة لحقوق الدفاع والمتتبع عن قرب واهتمام، بما يحمله مشروع قانون المهنة، من اختيارات تعيد النظر في جوهر رسالة المحاماة في المجتمع بشكل جذري، دون تحديد لأسباب هذه الاختيارات الانقلابية، إن أجيزت، هدمت هوية مهنة المحاماة، التي تبرز من خلال قراءة نصوص المشروع، قراءة حقوقية في جدلية هذه النصوص، في بوثقة القيم الحقوقية النبيلة المستقرة، في فقه وواقع حياة الانسان، والضمانات المستقرة للمحامي لكي يتحمل مسؤوليته، الحقوقية والإنسانية. وهكذا أفلحت إرادة السوء، في إتمام عملية تدمير كيان مهنة المحاماة بالمغرب، بالعبث بكل مقوماتها، وكيانها المؤسسي، بوضع قانون تحدث عن مهنة المحاماة كاسم، وشكل إجرائي، بلا منطق ولا روح، منافيا لكل القيم الحقوقية، التي استقرت في مهنة المحاماة في المغرب منذ عشرات السنين، في تناغم وتجاوب مع ما يجري العمل به في كل التجارب الدولية، اعتبارا لكون المهنة كيانا عالميا في شكله وروحه، بصفة مبدئية ، دون خلاف مع خصوصيات المجتمع الذي تمارس داخله. وما يميز مشروع القانون، هو تنظيم مهنة المحاماة، بروح الوصاية بصفة عامة، وفي مقدمة مظاهر هذا الاختيار، خلق وصاية على حرية المحامين في بناء مؤسساتهم المهنية، بطريقة حرة، وبشكل مفتوح للجميع في تحمل المسؤولية لمن يسعى إليها، وحرية القاعدة الناخبة، في تزكية هذه الرغبة، عن طريق التصويت الحر، دون رقابة أو تدخل في من يترشح لأي مسؤولية مهنية، إقرارا لما سارت عليه اختيارات المحامين، في موضوع إسناد المسؤولية للنقباء أو لأعضاء مجالس، لأن الغريب هو أن مشروع القانون المهني، تضمن اختيارات جديدة، وقل غريبة عن مهنة المحاماة، لا منطق لها، ولا وجود لمثيلاتها في كل التشريعات، من البرلمان إلى المجالس المحلية، إلى باقي المؤسسات، بما في ذلك جمعيات الأحياء ! من ذلك حصر ولاية النقيب أو عضو المجلس بطريقة تعسفية لا تخضع لأي منطق، والسؤال الذي يطرح، ما هو السبب أو العلة أو الداعي المبرر، لأسباب نزول هذا المشروع الأخرق، الذي يفترض أن النقيب أو العضو بالمجلس يفقد صلاحية تحمل المسؤولية لولاية ثانية بالنسبة للنقيب، وثالثة لعضوية المجلس، فهل هذه المسؤولية التي تزكيها أصوات المحامين بكل حرية واقتناع واستقلال، أصبحت قرينة على عدم صلاحية هؤلاء لتحمل تمثيل زملائهم، رغم ما قد تكون لهم من كفاءة أكدوها خلال تحملهم للمسؤولية، كأن هذه المسؤولية أصبحت سابقة قضائية، تمنع من تحمل بعض المسؤوليات، واكتساب بعض الصفات. هذه المسؤولية أصبحت قرينة ونقيصة، على عدم صلاحية من تحملها، تحرمه حتى من مجرد الترشح لها مرة أخرى، يا له من منطق مختل. هذه إشارات وملاحظات، تشكل جزءا من كل، وغيضا من فيض، مما اشتمل عليه مشروع قانون مهنة المحاماة، الذي في حال إقراره على حاله، يصبح من المفروض منطقيا، وواقعيا، وحقوقيا، أن يغير اسم المحاماة، إلى مصلحة إدارية مركزية بوزارة العدل، في شخص جمعية هيآت المحامين بالمغرب، مع ما يترتب عن ذلك، في شكل إدارات محلية، وفي شكل مجالس محلية، عوض نقابات المحامين. إنه اقتراح قد يبدو كاريكاتوريا، ولكنه في الواقع يعكس الوضعية العبثية، التي يسير فيها ما يمكن أن نسميه "غير مشروع" قانون مهنة المحاماة. إن هذا "غير المشروع"، مقاومته ليست فرض كفاية، إذا قام بها البعض، سقطت عن الكل، بل هو فرض عين على كل محام ومحامية خاصة، وكل حقوقي وحقوقية بصفة عامة، فالوحدة مصدر القوة، وهي صمام الأمان للفوز في أي معركة. ولا يجب أن نعمل بفلسفة "اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا هاهنا قاعدون"، وأن نتعظ بحكمة "أكلت يوم أكل الثور الأبيض"، حتى لا يصبح الجميع ثيرانا بيضاء، لا قدر الله، مع أن بذلة المحاماة سوداء، وعصية على التدجين. (*) محام بهيأة الدار البيضاء