قضايا صادمة تكشف استغلال قاصرين لتحقيق مكاسب مالية وتحذيرات من تنامي الظاهرة رقميا أفرز التوسع المتسارع للوسائط الرقمية ومنصات التواصل الاجتماعي أشكالا جديدة من استغلال القاصرين جنسيا، بعدما أصبحت بعض التطبيقات والمواقع الإلكترونية تستعمل في استدراج الأطفال وتصويرهم وإنتاج مواد إباحية وترويجها داخل المغرب وخارجه، وهو ما حول هذه الجرائم من ممارسات معزولة إلى ظاهرة مقلقة تستدعي اليقظة، بعد أن أضحت شبكات إجرامية تستغل هشاشة الضحايا وتحول براءتهم إلى وسيلة لتحقيق مكاسب مالية على حساب حقوقهم وكرامتهم الإنسانية. تعد طنجة من بين المدن المغربية التي تفجر بها خلال السنوات الأخيرة عدد من القضايا الصادمة المرتبطة بالاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي للقاصرين، تورط فيها أجانب ومغاربة، بل وحتى أشخاص من المحيط الأسري للضحايا أنفسهم، ما أثار موجة استنكار واسعة وسط الرأي العام المحلي والوطني. ولعل قضية "التيكتوكر" آدم بنشقرون تعد من أبرز الملفات التي هزت المدينة، أخيرا، بعدما كشفت عن معطيات خطيرة أعادت إلى الواجهة النقاش حول سبل حماية الطفولة وتعزيز آليات التصدي لجرائم الاستغلال الجنسي والاتجار بالبشر. خلف الشهرة وقائع صادمة عاشت طنجة، في الآونة الأخيرة، على وقع قضية صادمة كشفت وجها قاتما من أوجه استغلال القاصرين جنسيا، بعدما وجدت أم نفسها متورطة في تحويل ابنها، خلال فترة قصوره، إلى وسيلة لتحقيق مكاسب ماليةعبر أنشطة تغيب فيها الضوابط الأخلاقية والإنسانية، في صورة تعكس كيف يمكن أن تحول أم براءة أطفالها إلى مورد يدر الأموال بدل أن تكون محل حماية ورعاية. المتهمة الرئيسة في هذه القضية لم تكن سوى والدة «التيكتوكر» آدم بنشقرون"، الذي قدم أثناء محاكمة والدته رواية صادمة حول ما وصفه باستغلال جنسي ممنهج تعرض له خلال صغره، مؤكدا أنه كان ضحية شبكة تنشط في استدراج القاصرين نحو سهرات حمراء داخل فضاءات سياحية فاخرة، حيث يتم استغلالهم في تلبية نزوات أشخاص من جنسيات مختلفة،ووجه أصابع الاتهام إلى والدته التي كانت تتولى تدبير تحركاته وتتلقى الأموال المتحصلة من تلك الأنشطة. وانتهت هذه القضية بإدانة أم آدم بست سنوات سجنا نافذا وغرامة مالية بلغت مليون درهم، مع إغلاق الحسابات الإلكترونية المرتبطة بالقضية ومنع أصحابها من الظهور على مواقع التواصل الاجتماعي لمدة عشر سنوات، وهو حكم أعاد إلى الواجهة خطورة استغلال القاصرين لتحقيق مكاسب مادية، ونبه إلى ضرورة حماية الأطفال من مختلف أشكال الاستغلال والانتهاك. أمهات بعن براءة بناتهن قضية أخرى مثيرة هزت الرأي العام بعاصمة البوغاز، وتتعلق بامرأتين جرى إيقافهما من قبل المصالح الأمنية بالمدينة، للاشتباه في تورطهما في قضية تتعلق بالاتجار بالبشر واستغلال الفتيات جنسيا، من بينهن ابنتاهما القاصران،عبر تصويرهن ضمن مقاطع فيديو يتم بيعها وتسويقها من خلال منصات أجنبية مقابل استفادتهما من تحويلات مالية مهمة. وبحسب المحاضر المنجزة على ضوء هذه القضية، فإن الضحيتين، البالغتين 12 و14سنة، سردتا عند الاستماع إليهما كل تفاصيل الجرائم المرتكبة في حقهما، وأكدتا أن والدتيهما كانتا تغرران بهما وتسخراهما في تصوير محتويات إباحية مقابل مبالغ مالية هزيلة،داخل منزل أعد خصيصا لهذه الأنشطة الإجرامية، الذي ضبطت بداخله معدات لتخزين المعطيات الرقمية، تتضمن تسجيلات ولقطات لعمليات الاستغلال الجنسي، وكذا معدات متطورة يعتقد أنها كانت تستعمل في تصوير الأفعال الإباحية، فضلا عن مجموعة ملابس نوم مثيرة للنساء ووصولات لتحويلات مالية يشتبه في أنها من متحصلات نشاطهما الإجرامي. وأحيلت المتهمتان (س. أ) 39 سنة، و(ف.ز) 40 سنة، على غرفة الجنايات، التي أصدرت في حقهما عقوبة سالبة للحرية بلغت مدتها 10 سنوات سجنا نافذا، (خمس سنوات لكل واحدة منهما)، بعد أن وجهت لهما النيابة العامة تهما ثقيلة تتعلق بـ"الاتجار في البشر واستغلال قاصرات جنسيا وتوزيع محتويات جنسية مقابل عائدات مالية من الخارج". حماية قبل فوات الأوان أجمع عدد من الحقوقيين والمهتمين بقضايا الطفولة على أن استغلال القاصرين أصبح من بين أخطر التحديات التي تواجه المجتمع، في ظل التحولات التي عرفتها أساليب الاستدراج والاستغلال خلال السنوات الأخيرة. وذكروا أن التطور التكنولوجي وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي وفرا إمكانيات جديدة أمام بعض الشبكات والأشخاص الباحثين عن الربح السريع لاستهداف الأطفال واستغلال هشاشتهم، وهو ما جعل هذه الجرائم أكثر تعقيدا واتساعا، مشددين على أن الوضع يستوجب تعزيز آليات الوقاية والتوعية والحماية إلى جانب المقاربة الزجرية. وفي هذا السياق، قال محمد الطيب بوشيبة، المنسق الوطني لمنظمة "ماتقيش ولدي"، إن القضايا التي شهدتها طنجة خلال السنوات الأخيرة تؤكد أن المدينة ليست بمنأى عن هذه الظاهرة، خاصة مع تنامي استعمال الوسائط الرقمية في استهداف القاصرين واستغلالهم. وأضاف، في تصريح لـ"الصباح"، أن أكثر ما يثير القلق في بعض الملفات المعروضة على القضاء هو تورط أشخاص من المحيط الأسري للضحايا، معتبرا أن حماية الأطفال تقتضي تضافر جهود الأسرة والمدرسة والمجتمع المدني والمؤسسات المختصة، وعدم الاكتفاء بالمقاربة الأمنية والقضائية وحدها. من جهة أخرى، أكد مسؤول أمني بطنجة أن المصالح الأمنية المختصة تتعامل بصرامة مع مختلف القضايا التي تستهدف القاصرين أو تستغل هشاشتهم، سواء ارتبطت بأشخاص يتحركون بشكل فردي أو بشبكات منظمة، مشيرا إلى أن عددا من الشبكات المتورطة في هذا النوع من الجرائم تم تفكيكها وتقديم أفرادها إلى العدالة. غير أن حماية الطفولة، يضيف المسؤول ذاته، تظل مسؤولية جماعية تتطلب يقظة دائمة وتعاونا وثيقا بين الأسرة والمؤسسات والمجتمع، حتى لا تتحول براءة الأطفال إلى ضحية جديدة لشبكات البحث عن الربح السريع. المختار الرمشي (طنجة)