أكادير وإنزكان والدشيرة وأيت ملول تحتضن الكرنفال السنوي تحولت شوارع ومدن جهة سوس ماسة، لمناسبة عيد الأضحى، إلى فضاءات نابضة بالحياة والفرجة الشعبية، تزامنا مع انطلاق فعاليات كرنفال "بيلماون بودماون"، الذي أعاد إلى الواجهة واحدا من أعرق الموروثات الثقافية بالجنوب المغربي، وبين مواكب المحتفلين، وألوان الأزياء التقليدية، والعروض الفنية المتنوعة، استقطبت التظاهرة آلاف الزوار من داخل المغرب وخارجه، مؤكدة مكانتها كواحدة من أبرز المحطات الثقافية والتراثية التي تحتفي بالهوية الأمازيغية وتمنحها إشعاعا وطنيا ودوليا متزايدا. وباتت شوارع أكادير وإنزكان والدشيرة الجهادية وآيت ملول تعيش على إيقاع احتفالات استثنائية تستحضر الذاكرة الجماعية للسكان، وتعيد إحياء طقوس "بوجلود" و"إسوياس" المرتبطة بالموروث الأمازيغي المحلي، في مشاهد تجمع بين الفرجة الشعبية والتعبير الثقافي والفني، وتعكس عمق هذا التراث وتجذره في الوجدان الجماعي للمنطقة. واختارت الجهة المنظمة لهذه الدورة شعار "الدبلوماسية الثقافية المغربية.. التراث اللامادي في خدمة القضية الوطنية"، في رسالة تؤكد الرهان على الثقافة باعتبارها جسرا للتعريف بالمغرب وموروثه الحضاري، وآلية لتعزيز حضوره وإشعاعه على المستوى الدولي. ويعكس هذا التوجه قناعة متزايدة بأهمية توظيف التراث اللامادي في خدمة القضايا الوطنية، من خلال تقديم صورة غنية ومتنوعة عن الهوية المغربية أمام مختلف شعوب العالم. وانطلقت فعاليات الكرنفال بمختلف مدن ومناطق سوس في إطار جهود تروم إعادة هذه الطقوس إلى صيغتها الأصيلة، والحفاظ على مكوناتها التراثية بعيدا عن كل أشكال التشويه أو الاستغلال التجاري، وهو ما لقي استحسانا واسعا من قبل المهتمين بالثقافة الأمازيغية والتراث المحلي. وشهدت منصات الكرنفال سهرات فنية كبرى احتضنتها مدن الدشيرة الجهادية وإنزكان وآيت ملول، بمشاركة نخبة من الفنانين والفرق الموسيقية، في أجواء احتفالية استقطبت آلاف الزوار من مختلف مناطق المملكة. غير أن الحدث الأبرز هو الاستعراض الكرنفالي الكبير الذي جاب شارع محمد الخامس الرابط بين الدشيرة وإنزكان، حيث تداخلت الأزياء التقليدية والعروض الفنية والمجسمات الإبداعية في لوحة احتفالية جسدت غنى الثقافة الأمازيغية وتنوعها. كما عززت مشاركة وفود دولية قادمة من فرنسا وبلجيكا وبلغاريا، إلى جانب فرق تمثل مختلف جهات المملكة، البعد العالمي لهذه التظاهرة، التي تحولت من احتفال شعبي محلي إلى موعد ثقافي دولي يستقطب اهتمام الباحثين والمهتمين بالتراث اللامادي من مختلف أنحاء العالم. وحرصت إدارة الكرنفال على اعتماد ضوابط دقيقة للمشاركة، بهدف صون الهوية الأصلية لشخصية "بوجلود" والحفاظ على رمزية ارتداء الجلود كما توارثتها الأجيال، مع السماح بإدخال لمسات فنية وإبداعية لا تمس جوهر هذا الموروث. كما شددت على منع كل المظاهر والسلوكات التي قد تسيء إلى صورة الكرنفال أو تفرغه من مضامينه الثقافية والتاريخية. ولا تقتصر أهمية "بيلماون" على جانبه الاحتفالي فحسب، بل بات يشكل رافعة حقيقية لتثمين التراث الثقافي اللامادي ودعم الصناعات الثقافية والإبداعية، فضلا عن مساهمته في تنشيط الحركة السياحية والاقتصادية بالمنطقة، حيث تعرف الفنادق والمطاعم والأسواق المحلية حركية لافتة تزامنا مع أيام الكرنفال. وبين قرع الطبول، وألوان الأزياء التقليدية، وعروض الشارع التي استقطبت الآلاف، تؤكد دورة 2026 أن "بيلماون" لم يعد مجرد طقس شعبي مرتبط بعيد الأضحى، بل تحول إلى واجهة ثقافية عالمية تفتح أبواب سوس على العالم، وتقدم نموذجا حيا لقدرة التراث الأمازيغي على التجدد والانفتاح، مع الحفاظ على أصالته وعمقه التاريخي. عبد الجليل شاهي (أكادير)